المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رحيل الدكتور /غازي القصيبي رجل الدولة وفارس الكلمة والدبلوماسية


شوق الفهد
08-15-2010, 02:21 PM
http://arb-t.com/ghazialgosaibi/files/2009/12/ghazi_ksibi.jpg



انتقل إلى رحمة الله تعالى اليوم وزير العمل السعودي الدكتور غازي القصيبي، في مستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض ، ولم ترد أنباء حتى الآن عن وقت الصلاة عليه وتشييع جثمانه.

ويعد الدكتور غازي القصيبي أبرز الوزراء السعوديين، فقد تقلد مناصب حكومية عديدة، منها وزارة الصحة والمياه والكهرباء والعمل، إضافة إلى عمله سفيرا ً للملكة العربية السعودية في عدد من الدول .

كما يعد الدكتور غازي القصيبي (رحمه الله) أبرز الأدباء السعوديين الذين كتبوا الرواية السعودية والدواوين الشعرية البارزة .

وعانى الوزير غازي القصيبي من المرض وسافر للعلاج في الولايات المتحدة الأمريكية حتى وافته المنية صباح اليوم في الرياض.

نتقدم باحر التعازي والمواساة لأسرة الفقيد سائلة المولى عز وجل ان يتغمده بواسع رحمته ( إنا لله وإنا اليه راجعون)

وكان وزير الثقافة والإعلام السعودي الدكتور عبدالعزيز خوجة قال نهاية الشهر الماضي إنه أصدر توجيهاً باتاحة جميع مؤلفات وزير العمل السعودي الأديب الدكتور غازي القصيبي، موضحاً أن الأخير صاحب إسهامات كبيرة في خدمة الوطن وليس من اللائق أن لا يتوفر نتاجه الفكري في المكتبات السعودية.

يُشار إلى أن الكثير من كتب القصيبي لم تتم إجازتها من قبل رقابة المطبوعات لدخول السعودية، فيما عُرف عنه تندره بذلك وترديده الدائم بأن المنع يخدم العمل الأدبي ويزيد شهرته.

وللوزير الراحل نحو 20 كتابا ورواية، فضلا عن كم كبير من المشاركات الكتابية والمحاضرات وغيرها. ومؤلفاته في الشعر "صوت من الخليج"، "الأشج"، "اللون عن الأوراد"، "أشعار من جزائر اللؤلؤ"، "سحيم"، و"للشهداء".

وفي الرواية: "شقة الحرية"، "العصفورية"، "سبعة"، "هما"، "سعادة السفير"، "دنسكو"، "سلمى"، "أبو شلاخ البرمائي"، "الجنية".

وفي الفكر: "التنمية"، "الأسئلة الكبرى"، "الغزو الثقافي"، "أميركا والسعودية"، "ثورة في السنة النبوية"، "حياة في الإدارة".

ورغم أن عدداً من كتب القصيبي أحدثت ضجة أوقات صدورها فإن الروايات هي التي حظيت بالنصيب الأكبر من الضجيج والمنع.

وكانت أولى رواياته "شقة الحرية" التي صدرت في العام 1994، وتحكي واقع الشباب العربي خلال الفترة "1948 - 1967"، حيث يعيش أبطال الرواية في شقة في مدينة القاهرة، وسط أجواء فكرية وسياسية عاصفة بتوجهات فكرية مختلفة لكل منهم وتكون لهم بطولاتهم الخاصة مع تلك الأحداث. وكانت الرواية ممنوعة في السعودية إلى وقت قريب.

وأما روايته "دنسكو" فقد كتبها بعد فشله في الفوز بمنصب مدير منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم "اليونسكو" في العام 1999، وتتناول قصصا لعدة مرشحين للمنظمة من قارات مختلفة، حيث وعد القصيبي، أثناء ترشحه للمنصب بكتابة رواية إذا لم يفز، وهو الأمر الذي أوفى به.

وترسم روايته "سبعة" التي صدرت في العام 2003 صورة ساخرة للواقع العربي، ممثلة في سبع شخصيات يختلفون في أفكارهم وأعمالهم ويتشابهون في الركض خلف سيدة واحدة تعمل مقدمة لبرنامج تلفزيوني، حيث يقعون ضحية لها في نهاية المطاف.

وجاء في نهاية الرواية "أوضح تقرير الطبيب الشرعي أن الرجال السبعة ماتوا غرقا، وقد تبين من التحليل أنهم تعاطوا كميات كبيرة من المخدرات والكحول. أما المرأة، التي وجدت على الشاطئ عارية، فلم يتضح للطبيب الشرعي، بعد، سبب موتها، ولم يعثر في دمها على أي آثار لمخدرات أو كحول، ولم تظهر في جسمها أي إصابات. كما ظهر من الفحص أنها عذراء...".

وأما روايته "العصفورية" الصادرة في العام 1996، فقد جاءت مرة أخرى لرسم مشهد ساخر للواقع العربي، ولكن هذه المرة على لسان بروفسور يرقد في مشفى ويقص على طبيبه بطولات وحكايات ساخرة تخفي في طياتها هزلا فكريا بصيغة كوميدية، تقمص خلالها القصيبي شخصية البروفسور ليشرح الواقع العربي على طريقة "خذوا الحكمة من أفواه المجانين".

وتبلغ السخرية من الواقع العربي مداها في رواية "أبو شلاخ البرمائي" الصادرة في العام 2002، حيث يسخر القصيبي من الناس والزعماء في العالم العربي، الذين يدعون امتلاك القدرات الخارقة ومعرفة كل شيء.

وتطوف الرواية حول العالم في أزمنة مختلفة بقالب فكاهي ساخر، حيث يصبح العربي بطل الرواية، هو المستشار الأول للزعماء والسياسيين وصاحب القدرة على الاتصال بالجن، وهو من اخترع الهاتف ومد أنابيب النفط وغيرها من البطولات الوهمية.

أما روايته "الجنية" الصادرة في العام 2006 فهي أشبه ما تكون ببحث علمي عن الجن، ذيله القصيبي بعشرات المراجع، ورفض أن يطلق عليها مسمى رواية، مكتفيا بوصفها بالحكاية. إلا أنها في الوقت ذاته أنموذج معاصر لحكايات ألف ليلة وليلة، حيث يقع بطل الرواية "ض.ض.ض" في حب امرأة من الجن ويدخل معها إلى عالم الجن ليكتشف هذا العالم المجهول.




http://www.up.qatarw.com/up/2010-08-15/qatarw.com_613435928.jpg

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:29 AM
مبادرة رائعة منك يا شوق أشكرك عليها
وأسأل الله الرحمة لفقيد الوطن

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:31 AM
الأحد 05 رمضان 1431هـ - 15 أغسطس 2010م

شيع اليوم ووري جثمانه الثرى في مقبرة العود
أدباء عرب: القصيبي شخصية وطنية مخلصة ونموذج للصدق



"نموذج للصدق والنزاهة"
في الموت فصل الأمر يا أحبابي
"المصاب جلل"
"أمة في رجل"
رجل صراعات
ظاهرة عطاء متصل
سحر اللباقة والشجاعة
الخازن: السعودية فقدت القصيبي
تعامل مميز مع الاعلام
أدباء مصريون: رحيله خسارة للثقافة العربية
شاعر وأديب وروائي
المناصب التي تولاها




جانب من تشييع الراحل غازي القصيبي

دبي - أحمد السهيمي ومحمد جمال، القاهرة - عنتر السيد

عبر العديد من الأدباء والمثقفين العرب عن حزنهم البالغ برحيل السياسي والأديب والوزير السعودي غازي القصيبي.

وكان الراحل قد وافته المنية عند الساعة العاشرة من صباح اليوم، الأحد 15-8-2010، في مستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض بعد معاناة طويلة مع المرض.

ونعى الديوان الملكي السعودي القصيبي اليوم، وذكر البيان أنه تمت الصلاة عليه بعد عصر اليوم الأحد في جامع الإمام تركي بن عبدالله بالرياض، مشيراً إلى أن الفقيد من رجالات الدولة الذين خدموا دينهم ومليكهم وبلادهم بكل تفانٍ وإخلاص، وتقلّد عدة مناصب، كان آخرها وزيراً للعمل.


"نموذج للصدق والنزاهة"


المئات شيعوا جثمان الوزير الراحل



وقال الأديب والناقد السعودي الدكتور حسن الهويمل لـ"العربية.نت": "وفاة المرحوم غازي القصيبي تشكل فاجعة للمجتمع العربي، والسعودية ومنطقة الخليج على الخصوص، لما عرف به من مواهب وقدرات استطاع من خلالها أن يكون شخصية استثنائية، فهو شاعر متميز، وروائي بارز.

مضيفا: "وهو أيضاً تولى عدة مناصب قيادية بالسعودية، واستطاع أن يكون من خلالها نموذجاً للصدق والنزاهة والمبادرات والتطوير أيضاً، ونحن عايشنا مراحل المرض التي عاناها القصيبي، لكن مع ذلك كان نبأ الوفاة فاجعة للذين عايشوه عن قرب، سواء من خلال التواصل معه أدبياً وسياسياً، أو من خلال ما أنجزه من أعمال كانت مضرب المثل في الإخلاص. ولا بد أن يعود غازي القصيبي من خلال كتابات الكتاب والدارسين، وهذه سنة العباقرة، يولدون يوم وفاتهم، وأنا لا أشك أن غازي القصيبي سيملأ المشهد حضوراً بكل إنجازاته وأعماله، أسأل الله له المغفرة، وأن يعوض الأمة لسد الخلال التي تركها".

من جهته، اعتبر الناقد السعودي الدكتور حمزة المزيني أن القصيبي"شخصية وطنية بارزة، وأسهم في بناء الوطن بجهود في مختلف المجالات، ويمثل شخصية متعددة المواهب وليست موهبة واحدة، بين الإدارة والأدب بمختلف فنونه، وهو شخصية سيفتقدها الوطن، وستبقى ذكراة في قلوب محبيه. أعتقد وأجزم أن محبيه كثر، وهو شخصية يندر مثالها في وقتنا الحاضر". حين تقرأ (العصفورية) تجد أن هذا الرجل يمتلك ناصية اللغة بشكل مبهر، ويعبر تعبيراً لا يستطيع كثير من الناس أن يعبروا به بتلك الكفاءة، وليس هذا مجال الحكم على أعماله أو المجاملة، لكنك حين تقرأ هذا الكتاب تجد عبقرية لغوية قلما تجد مثيلاً لها".


في الموت فصل الأمر يا أحبابي


عبدالرحمن العشماوي



أما الشاعر السعودي عبدالرحمن العشماوي، فقال في حديثه لـ"العربية.نت": "حينما يصل إلينا نبأ موت أحد من الناس، قريباً كان أم بعيداً، صغيراً كان أم كبيراً، تتجلى صورة الحقيقة الكبرى التي قد يغفل عنها الإنسان في هذه الحياة، ويلهو عنها بما في الحياة من ملهيات". الدكتور غازي رحمه الله شاعر وأديب تولى عدداً من المناصب، ولكن تاريخه كله أصبح أمامي اليوم صورة ضبابية، أمام صورة الموت الناصعة الواضحة".

في الموت فصل الأمر يا أحبابي .... فخطابه يزري بكل خطاب
قد مات .. إيجاز مفيد حاسم .... يغني عن التفصيل والإسهاب
لغة يعيها الناس مهما حاولوا .... أن يختفوا منها وراء حجاب



ناصر الحجيلان



أما الباحث في الأدب العربي والناقد السعودي الدكتور ناصر الحجيلان فقد قال: "فجعنا هذا اليوم بنبأ وفاة الأديب والإداري الفذّ الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي، نسأل الله له المغفرة وأن يسكنه فسيح جنّاته، إنه سميع مجيب".

وأضاف: "غازي القصيبي، وهو يغادر الدنيا هذا اليوم فقد ملأها بالعطاء والعمل الجاد الذي جعل الناس يحفظون اسمه ويتذكرونه في مجالات كثيرة. ولأنه لم يعمل فقط لنفسه بل عمل لنفسه وللآخرين، لهذا فإن عمره لم يتوقف هذا اليوم بل سيظل بعد وفاته في ذاكرة الناس والمجتمع والتاريخ. فإن ذُكرت الإدارة الناجحة، برز اسمه ضمن أهمّ الشخصيات التي استطاعت النهوض والتغيير الإيجابي في بيئة العمل من خلال الوزارات والهيئات التي رأسها أو أشرف عليها. وإن ذُكر الأدب والإبداع، جاء اسمه على رأس قائمة أدباء المملكة العربية السعودية المعاصرين البارزين في الشعر وفي الرواية وفي كتابة المقالة.

ومضى قائلاً: "وتحظى أعماله الإبداعية باهتمام الباحثين والدارسين، وتلقى رواجاً كبيراً عند الناس، لأنه شخص غير عادي. حينما تقرأ له أو تستمع إليه، تجد نفسك وجهاً لوجه مع "الحكمة" التي طالما ردّدتها الكتب وتناقلتها الأدبيات. الحكمة بمعناها الشامل التي تُجسّد الخبرة العميقة في الحياة وفق منطق عقلي متوازن يُراعي الأسباب ويُتابع النتائج بوعي البصير الناقد".

وختم تصريحه لـ"العربية.نت" بالقول "إن غازي القصيبي يُعدّ نموذجاً للإنسان الناجح ومثلاً للرجل الشريف الذي ظل كريم اليد، عطوفاً وحازماً، محباً للخير، داعماً له وساعياً إليه. يعرف ذلك من عمل معه أو كان على مقربة منه، كما يتعرف على شخصه من عاش مع إنتاجه الأدبي وسبر أغوار شخصيته".


"المصاب جلل"


وزير العمل السعودي لعب دور النادل في أحد المطاعم



وقال الشاعر السعودي رشدي الغدير أن "المصاب جلل، فقدنا مجموعة رجال، كان أستاذنا وقدوتنا كأدباء في المنطقة الشرقية من السعودية، رغم أن كتبه منعت وحرمنا من قراءتها مبكرا، حتى جاء الفسح الأخير من الوزير عبد العزيز خوجة"، وأشار إلى أنه ومجموعة من الأصدقاء من أدباء في الدمام، كانوا عازمين على زيارته في المستشفى التتخصصي بالرياض، لكن الموت سبقهم إليه. ‬‬ ‫‫وقال الغدير "أن للقصيبي مكان خاصة عند سكان المنطقة الشرقية، ونفخر به"، مبينا أن توجهه الأدبي كان له تأثيرا كبيرا على الأدب في المنطقة.‬‬‫‫

أما الدكتور منصور الحازمي الذي عمل مع الفقيد في جامعة الملك سعود، فقال عنه إنه كان "رجلا محبوبا، لماح ذكي، لا يسكت عن الباطل، كنت ألتقيه عند تلميذي الأخ محمد رضا نصرالله"، وهو "شخصية نادرة في الأمانة والصراحة والسخرية، لكنه شغل بمناصب كثيرة ومناصب متعددة، كان الناس يحبوه، غازي يعتبر ظاهرة قليلا ما تتكرر".‬‬


"أمة في رجل"


عبدالعزيز الخوجة



وفي حديث مع قناة "العربية" قال وزير الإعلام والثقافة السعودي عبد العزيز خوجة: "فقدنا في القصيبي مجموعة من الرجال الكبار، فهو كان أمة في رجل، فقدنا فيه الأديب والدبلوماسي والإداري، وفقدنا الأديب الشاعر والروائي والساخر، وفقدنا فيه الرجل المخلص لدينه وأمته، وفقدنا فيها الوزير الناجح في كل أعماله، وفقدنا فيه الدبلوماسي الرائع، سيترك فراغا كبيرا برحيله، ولكنه سيترك أيضا قيمة انسانية كبيرة في قلوبنا جميعا كأخ وصديق وأديب، نسأل الله أن يرحمه ويغفر له ويلهم أهل وذويه الصبر والسلوان".

وحول ما اعتبر تكريما للراحل الكبير بالسماح بدخول كتبه إلى المملكة، قال الوزير: "القصيبي يستحق أن يستفيد الجمهور من كتبه في أي مجال من كتاباته في الراحل الغالي، والحمدلله أن القرار صدر، وهو قرار يشمل كل إبداع فنحن لن نمنع أي أعمال مبدعة إلا ما يمس بعض الثوابت الرئيسية لايقبل أي انسان أن تمس".


رجل صراعات


جاسر الجاسر



من جهته، اعتبر جاسر الجاسر نائب رئيس تحرير صحيفة "الوطن" السعودية أن:" فقدان القصبي خسارة كبيرة للثقافة السعودية والعربية وللتنويع.. هو رجل دخل صراعات كثيرة، ولعل حياته كانت سلسلة من الصراعات التي كانت تلاحقه كما كانت الأضواء تطارده، فهو حيث ما حل أدى دورا مميزا، فكان الوحيد الذي وقف في وقت ما في محاربة التيار الصحوي عندما أصدر كتابه (حتى لا تكون فتنة)، وفي الفترات التي سكت فيها كثيرون كان يظهر ويعبر عن رأيه".

وتابع في حديث لقناة "العربية": كان في العمل الرسمي وزيرا جرئيا متغيرا، حيث أدرك أن ولاة الأمر سلموه الأمر ليحدث تغييرا وفرقا وليس مجرد وظيفة تشريفية، وعبر عن هذه الجرأة بالشكل الثقافي كما فعل في كتابه (حياة في الإدارة) عندما وصف أجواء لم تعرف سابقا عن تاريخ العمل الرسمي في السعودية خاصة في مجلس الوزراء".

وزاد: " القصيبي استطاع أن يحدث نقلات كثيرة ثقافية، ففي الرواية تنبى أصواتا كثيرة ودعم الإعلام وكان قريبا منه، وما أحدثه غازي في السعودية مرحلة لا يمكن أن تمر بسهولة ولا يمكن أن تنسى ليس لأنه مجرد مسؤول، فأنا أسفت كثيرا وأنا اتابع أخبار التلفزيونيات وهي تقول (وفاة وزير العمل غازي القصيبي)، فهو ليس وزيرا للعمل بل رجل وزارة ورجل معرفة وعلم وإدارة، ورجل ثقافة آمن بالعمل الجاد، وكان قدوة للكثيرين بعد أن تعرفوا إلى رجل تولى مناصب حساسة ورغم ذلك دافع عن قضايا وطنه بصدق وحماس واتخذ اجراءات تدعم التنمية في السعودية وتدعم الحريات وأخص بالذكر دعمه لعمل المرأة دون هيبة أو تردد.. وهذا ماجعله رجلا حاضرا في الذاكرة السعودية سواء بالقبول والرفض فهو انسان لم يتفق عليه الجميع ولم يكن غائبا أبدا وهذا هو الفرق الرئيسي في رجل استطاع ان يشكل في السعودية علامة فريد ستبقى ".

وشدد على أن ما سيصدر من مؤلفات لقصيبي بعد وفاته ستحدث ضجيحا كبيرا "لأنه لا يمكن أن يكون رجل ظل حتى وهو ميت ومخطوطاته التي ستطبع لاحقا ستتضمن تفاصيل كثيرة لم تكن تسمح الظروف الحياتية بنشرها، ويكفي أنه في الفترة الأخيرة وخلال فترة مرضه صدر له كتابان مهمان جدا وأولهما (المؤمن الصادق) وهي ترجمة احدثت ضجيحا كبيرا، وكتابه الآخر( الوزير المرافق) وهي تفاصيل لم يجرؤ احدا على ذكرها".


ظاهرة عطاء متصل


خالد حمد المالك



وإلى ذلك، قال خالد حمد المالك رئيس تحرير صحيفة "الجزيرة" السعودية إن القصيبي كان ظاهرة في عمله الوظيفي وإنتاجه الأدبي وتعامله مع الناس وكانت حياته سلسلة متصلة من العطاء.

وأكد أن أهم ما يميز الفقيد الراحل هي شجاعته وقدرته على التعبير عن هموم الوطن بصراحة وصدق، مدللا على ذلك بالقصيدة التي كتبها في نهاية عمله وزيرا للصحة.

وأضاف أن الفقيد داوم على الإنتاج والعطاء حتى خلال فترة مرضه، حيث صدرت له 3 كتب خلال هذه الفترة.

وأوضح أن أسرته ربما تكشف عن مخطوطات أخيرة له حيث لم يتوقف عن الكتابة في أي لحظة أو مرحلة من مراحل حياته.


سحر اللباقة والشجاعة


عبدالله الناصر



ومن ناحيته، قال الكاتب والأديب السعودي عبد الله الناصر إن تجربة الراحل القصيبي كانت من أثرى التجارب الإنسانية. كان أديبا ومتحدثا عندما يدخل إلى مكان يكون أول من يجذ الأنظار بلباقته وشجاعته، ولم يكن هيايا في الحق. وكانت من ميزاته قدرته على الحوار والجدل مع من يختلفون معه أو يصغرونه. أذكر أنني شاهدت حوارات رائعة بينه وبين طلاب سعوديين تكشف غن اتساع في الأفق وقدرة على الاقتراب من الآخر.


الخازن: السعودية فقدت القصيبي


جهاد الخازن



وفي اتصال أجرته العربية مع الكاتب الصحفي جهاد الخازن، عبَّر الخازن عن حزنه لوفاة غازي القصيبي قائلاً: "لقد كان للقصيبي مساهمات وأفكار على أصعدة عدة، في السياسة والثقافة والشعر. لقد كان إنساناً نادراً، ومثقفاً عربياً يتميز بسرعة البديهة وخفة الظل. لقد كان جوابه جاهزاً ومُفحماً".

ويضيف الخازن: "لقد كان القصيبي شعلة ذكاء، وصديق أعتز بصداقته. لم أره يتأخر عن عمله إلا في السنتين الأخيرتين بحكم مرضه. كان نشيطاً دائمأً ويكتب بإستمرار".

وحول سؤال العربية ما إذا كانت السعودية قد فقدت غازي السياسي أم الشاعر أجاب الخازن: "لقد فقدت الاثنين. كان القصيبي شاعراً مميزاً".


تعامل مميز مع الاعلام


غازي القصيبي متحدثاً في مؤتمر جدة الاقتصادي



وفي شهادة أخرى، قال الصحافي حسين بن مسعد والذي أجرى مع القصيبي حوارا مطولا نشر في مجلة نوافذ جامعة الملك سعود، حين كان طالبا في الجامعة: "تأثرت كثيرا بالدكتورغازي، وصار بيني وبينه لقاء لمجلة اثناء دراستي، وهو رجل ذكي جدا، يعاني الصحافي في الحديث معه ان لم يكن مستعدا لللقاء بشكل جيد، وشدتني بساطته وتواضعه وابتسامته التي لم تفارقه طيلة الحوار".

وتابع: "ابهرتني موسوعيته وثقافته المستفيضة، وتذكره دقائق ما يكتب في كتبه، حتى أذكر انه احالني في عدد من اسئلة الحوار معه الى كتابه "حياة في الادارة" وقدم لي نسخة منه، وقال ستجد كل ما تريد، وجلسنا في المجموعة المتبقية من الأسئلة مدة تزيد على ساعة ونصف، ومن كرمه لم يسمح لنا بالخروج إلا بعد اكتمال الاجابات رغم اننا تجاوزنا الوقت المقرر بساعة كاملة".

واضاف ان القصيبي من كريم خلقه، لم يبد الضيق بالحديث معه، رغم انه كان طالبا في الجامعة ويمثل مجلة جديدة غير معروفة لديه، لكنه رحب وافاض في الحديث بقدر ما احتاج اليه الحوار.

وقال ان القصيبي كان يعيش في حياة من البساطة بالمقارنة مع مركزه وثقله الاجتماعي والسياسي، يعيش في بيت ضمن مجمع سكني خاص مثل مواطنيه، لا يعمل لديه في البيت سوى سائق وعامل وخادمة، على ان البعض كان يتوقع ان رجلا مثله يعيش في قصر عظيم.

وحكى ان سر الابداع والانتاج الأدبي والفكري لدى القصيبي ان حياته كانت مع القراءة والكتابة في غالب وقت فراغه بعيدا عن مهامه العملية.

أما الصحافي احمد غلاب من صحيفة الحياة فيحكي قصة تصريح القصيبي الذي اثار جدلا واسعا في حينه، حين صرح في مؤتمر صحافي إنه"لن يتم تقديم إعانات للعاطلين عن العمل إلا إذا مات أحد منهم من الجوع".

‬‬‫‫ولكن القصيبي عاد في مؤتمره الصحافي في اليوم التالي، والتقى الصحافي أحمد غلاب جانبا - والذي كان يعمل في صحيفة عكاظ في ذلك الحين -وقال له مازحا: "ما هي الطريقة التي ترغب في أن تموت فيها بعد نشرك مثل هذا التصريح غير الصحيح؟! " فرد عليه الصحافي "بأي طريقة، المهم أن لا تكون الموت جوعاً".

وسمع الوزير تصريحه في التسجيل الذي كان موثقا لدى الصحافي، ليسمع الوزير صوته أكثر من مرة، وهو يردد تصريحه، وهنا اعتذر الوزير للصحافي بكل لطف، وأقر بتصريحه رغم انه كان في سياق لا يظهره بصورة ايجابية.



أدباء مصريون: رحيله خسارة للثقافة العربية


احمد عبدالمعطي حجازي



وأكد عدد من شعراء وأدباء مصر لـ "العربية . نت " على أهمية د. غازي القصيبي كشاعر وأديب أثرى الثقافة العربية ، وواجه كثيرا من الحروب من المتعصبين في الشرق والغرب.

فمن جانبه ، قال الشاعر الكبير عبد الرحمن الابنودي إن "رحيل د. القصيبي المفاجئ اليوم هزنا بعنف وخيم الحزن على أسرة الثقافة العربية ، فقد رحل شاعر وأديب كبير كان له باع طويل في الأوساط السياسية والدبلوماسية وحقق فيها انجازات كبيرة ، ولم تشغله تلك المناصب لاتشغله عن الأدب والشعر، فلا نملك إلا إن نودعه بكل محبة وإنسانية ونتمنى له الرحمة والمغفرة من عند الله".

واكد رئيس اتحاد كتاب مصر والكتاب العرب محمد سلماوي على أن القصيبي كانت له مكانة هامة جدا تتخطى مجال الشعر والأدب لتحتل مكانا مرموقا على الساحة الثقافية العربية بشكل عام ، فهو أضاف كثيرا للثقافة العربية كونه شاعرا مميزا ، وفي نفس الوقت هو احد رموز الثقافة المستنيرة في الوطن العربي وكانت له مواقف رائدة إلى جانب كل ما هو ايجابي ومتقدم في الثقافة العربية ، وقد دفع ثمن مواقفه الرائدة بما واجه من هجوم من جانب كل أصحاب النفوس الضيقة بالتقدم وبالانفتاح على العالم سواء من داخل الوطن العربي أو خارجه ، ففي الوقت الذي ناصبته بعض الاتجاهات الدينية المتعصبة العداء وجدنا أن نفس أصحاب التعصب في الغرب وقفوا ضده وحاربوه بضراوة وقت كان مرشحا لرئاسة المنظمة العالمية للثقافة والتربية والعلوم (اليونسكو)".

واكد أن مواقفه الثقافية العظيمة ستظل شاهدة على تقدمه الفكري ، فقد ساهم في إجلاء حقيقة الثقافة العربية خاصة أثناء سنوات عمله سفيرا في لندن ، وهو ما يضارع في أهميته تراثه الشعري المجيد ونعتبر رحيل القصيبي خسارة شخصية لاتحاد الكتاب العرب، لأنه كان أحد جنود الثقافة والأدب العربي".

وشدد الشاعر الكبير د. احمد عبد المعطي حجازي على أن "غازي القصيبي كان أديبا كبيرا في شعر المناسبات والتي كتبها بعفوية شديدة تعبيرا عن أحاسيس ومشاعر حقيقية ، وجاءت أشعاره معبرة تعبيرا صادقا عن هذا النوع من الشعر، وهو بذلك يضاهي كبار كتاب الشعر الكلاسيكي الذين كتبوا شعر المناسبات".




شاعر وأديب وروائي


ديوان حديقة الغروب



والراحل من مواليد الهفوف في 2 مارس 1940، وكان يتولى وزارة العمل في المملكة العربية السعودية منذ عام 2005 حتى وفاته. وتولى قبلها ثلاث وزارات هي (الصناعة - الصحة - المياه) كما تولى عددا من المناصب الأخرى.

قضى القصيبي في الأحساء سنوات عمره الأولى. انتقل بعدها إلى المنامة بالبحرين ليدرس فيها مراحل التعليم. نال ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، ثم حصل على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا. أما الدكتوراه ففي العلاقات الدولية من جامعة لندن والتي كانت رسالته فيها حول اليمن كما أوضح ذلك في كتابه الشهير "حياةٌ في الإدارة".

والراحل شاعر وأديب، وله منشورات في فن الرواية والقصة، مثل "شقة الحرية" و"دنسكو" و"أبو شلاخ البرمائي" و"العصفورية" و"سبعة" و"سعادة السفير" و"الجنيّة".

أما في الشعر فلديه دواوين "معركة بلا راية" و"أشعار من جزائر اللؤلؤ" و"للشهداء" و"حديقة الغروب".



صفحة معجبي القصيبي على Facebook اتشحت بالسواد



وله إسهامات صحافية متنوعة أشهرها سلسلة مقالات "في عين العاصفة" التي نُشرَت في جريدة الشرق الأوسط إبان حرب الخليج الثانية كما أن له مؤلفات أخرى في التنمية والسياسة وغيرها منها "التنمية، الأسئلة الكبرى" و"عن هذا وذاك" و"باي باي لندن ومقالات أخرى" و"الأسطورة ،,ديانا" و"أقوالي الغير مأثورة" و"ثورة في السنة النبوية" و"حتى لا تكون فتنة".

ويعد كتاب "حياة في الإدارة" أشهر ما نشر له، وتناول سيرته الوظيفية وتجربته الإدارية حتى تعيينه سفيراً في لندن. وقد وصل عدد مؤلفاته إلى أكثر من ستين مؤلفاً. له أشعار لطيفة ومتنوعة.

وقد مُنح وسام الملك عبد العزيز وعدداً من الأوسمة الرفيعة من دول عربية وعالمية. ولديه اهتمامات اجتماعية مثل عضويته في جمعية الأطفال المعوقين السعودية وهو عضو فعال في مجالس وهيئات حكومية كثيرة.


المناصب التي تولاها


للراحل مجموعة من المؤلفات الأدبية والشعرية



- أستاذ مساعد في كلية التجارة بجامعة الملك سعود في الرياض 1965/1385هـ

- مستشار قانوني في مكاتب استشارية في وزارة الدفاع والطيران ووزارة المالية ومعهد الإدارة العامة.

- عميد كلية العلوم الإدارية بجامعة الملك سعود 1971 / 1391هـ.

- مدير المؤسسة العامة للسكك الحديدية 1973 / 1393 هـ.

- وزير الصناعة والكهرباء 1976 / 1396 هـ.

- وزير الصحة 1982 / 1402هـ

- سفير السعودية لدى البحرين 1984 / 1404 هـ.

- سفير السعودية لدى بريطانيا 1992 / 1412هـ.

- وزير المياه والكهرباء 2003 / 1423هـ.

- وزير العمل 2005 / 1425هـ حتى وفاته الأحد 15-8-2010.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:36 AM
الديوان الملكي ينعى د. غازي القصيبي : رجل الدولة الذي خدم دينه ومليكه وبلاده بكل تفانٍ وإخلاص

القصيبي خلال أدائه القسم أمام الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله
جدة واس

صدر عن الديوان الملكي البيان التالي :- "بيان من الديوان الملكي" انتقل إلى رحمة الله تعالى هذا اليوم الأحد 5/9/1431 " أمس " معالي الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي ، عن عمر يناهز (70) عاماً ، إثر مرض عانى منه طويلاً ، وقد تمت الصلاة عليه بعد عصر اليوم الأحد 5/9/1431ه " أمس " في جامع الإمام تركي بن عبدالله بالرياض.

والفقيد رحمه الله من رجالات الدولة الذين خدموا دينهم ومليكهم وبلادهم بكل تفانٍ وإخلاص ، وتقلّد عدة مناصب كان آخرها وزيراً للعمل. تغمده اللّه بواسع رحمته ومغفرته ، وأسكنه فسيح جناته. إنا لله وإنا إليه راجعون.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:38 AM
الدكتور غازي القصيبي.. مسيرة علم وعمل وأدب
الرياض - واس:

انتقل إلى رحمة الله تعالى أمس معالي الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي عن عمر ناهز السبعين عاما حيث كان مولده في عام 1940م .

وقد تابع تحصيله العلمي حتى نال شهادة الليسانس في الحقوق من جامعة القاهرة عام 1961م . ثم حصل على الماجستير عام 1964م في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية. وفي العام 1970م نال شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة لندن. وعمل محاضرا في كلية التجارة بجامعة الرياض (جامعة الملك سعود حاليا) من العام 1965م إلى العام 1970م ثم أستاذا مساعدا رئيسا لقسم العلوم السياسية بالكلية لمدة عام ثم عميدا للكلية من العام 1971م‌ إلى العام 1973م .

وعين في العام 1974 مديرا عام للسكة الحديد إلى العام 1975م عندما عين وزيرا للصناعة والكهرباء وفى العام 1982م عين وزيرا للصحة بالنيابة ومن ثم وزيرا للصحة العام 1983م بعدها عين معاليه سفيرا للمملكة لدى البحرين حتى العام 1992م حيث عين سفيرا للمملكة لدى بريطانيا وصدر أمر ملكي كريم بتعيينه وزيرا للمياه عام 2002م وفي عام 2004م صدر أمر ملكي كريم بتعيينه وزيرا للعمل.

وللدكتور غازي القصيبي - رحمه الله - بنت وثلاثة أبناء. وبرز نشاط معالي الدكتور غازي القصيبي في الشعر والأدب فكان مبدعا له عدة دواوين شعر بالعربية والانجليزية وكتب بالعربية وكتاب مقالات بالانجليزية ومجموعة مقالات ومحاضرات في الأدب والسياسة والإدارة والقانون. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:38 AM
رحيل غازي القصيبي ترك أثراً عميقاً في النفوس

الدكتور المطوعجدة - ضيف الله المطوع

رحيل الأفذاذ فى الأمم فاجعة تهز الوجدان ولاسيما اذا كان هؤلاء العباقرة ممن تركوا بصمات واضحة على الحياة العامة .. نبأ رحيل معالي الدكتور غازي القصيبي بعد رحلة طويلة من البذل والعطاء في مختلف ميادين الحياة ترك اثرا عميقا في النفوس .. فقد غادر دنيانا الفانية امس بعد ان صارع الداء حينا من الدهر لم يثنه خلالها من التواصل الكتابي نثرا وشعرا ما يؤكد عظمة هذا الانسان الذي كان يسكن اهابه الذي تلقى سهام المرض بصبر وجلد ،ايمانا منه ان ما اصابه لم يكن ليخطئه .

هذا الرحيل المر الذي وقع في النفوس كوقع الصاعقة زلزل البعض ممن كانوا يرجون برأه خاصة بعد العودة من رحلة العلاج الطويلة . . ولكن امر الله سبحانه وتعالى نافذ ولكل اجل كتاب .. «الرياض» استطلعت آراء البعض حول الرحيل الفاجعة حيث يقول مدير عام شركة الكهرباء في محافظة جدة الدكتور المهندس عبدالعزيز المطوع إنا لله وإنا إليه راجعون .. حزينون جدا لهذا الفقد ولكن لا نقول الا ما يرضي الرب فقد ترك رحيل هذه القامة اثرا في النفوس لما كان له من حضور كبير على الساحة السياسية والادارية والثقافية على المحيط المحلي والعربي حيث كان يرحمه الله منارة شامخة في سماء الشعر والادب وكان ديوانه في عاصمة الضباب قبلة للادباء العرب الذين كانوا يقصدونه بصورة شبه دائمة وحقا فان رحيله سيعد علامة فارقة في هذا الحقل نسأل الله ان يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته ،إنا لله وإنا إليه راجعون .

ويقول نائب مدير عام مكتب العمل في منطقة مكة المكرمة الأستاذ عبد القادر الغامدي الدكتور غازي القصيبي الذى تنقل في العديد من مواقع العمل ترك بصمة واضحة فى كل واحدة منها حيث كانت البداية بالمؤسسة العامة للسكك الحديدية التى انتقل منها الى وزارة الصناعة والكهرباء حيث وضع الاسس الادارية لانطلاقة النهضة التي تزامنت مع عهد الطفرة ثم كان الدور على وزارة الصحة التي شهدت في عهده نقلات نوعية ولان النجاح كل لا يتجزأ فقد ابدع في السلك الدبلوماسي سفيرا للملكة في البحرين ثم بريطانيا التي مكث بها زمنا ولم تشغله المناصب عن متابعة اهتماماته الثقافية والادبية ففي كل مراحل العطاء كان بحرا زاخرا ، ما يؤكد عظمته وكان يشكل الحرف بالنسبة له معين الحياة فقد كتب وهو على السرير الابيض القصائد والرسائل وكان دائم الاهتمام باحبابه اينما حلوا ، رحمه الله رحمة واسعة .

التقينا ايضا بالأستاذ عبد الله بن ساعد الثعلبي الشريف رئيس مجلس إدارة شركة ربل للسياحة والشحن الجوي الذي قطعت صوته العبرة وهو يسترجع المواقف الانسانية لمعاليه يرحمه الله فقد ذكر بان الجانب الانساني في شخصية الدكتور غازي القصيبي كان طاغيا في العديد من المواقف منها انه لم يتخلف عن حضور فرح ابن الفراش الذى كان يعمل عنده ايضا المشاهد المصورة لمعاليه وهو يرسم صورة النادل ( الجرسون ) ترغيبا للشباب في العمل الذي قدسه الاسلام وجعل منزلته عالية .. هذه المشاهد الرائعة ستظل عالقة بالاذهان حيث كان يرحمه الله يحث الشباب على العمل والكسب الحلال وكان شديد الاعتراض على تخصيص مكافأة بدل البطالة ليس قسوة على الشباب ولكن حزما منه وايمانا منه بان العمل اشرف وان اليد العليا خير من اليد السفلى .

ويقول الأستاذ فواز الحسين مدير عام شركة ليون إير للطيران ان تقصي مآثر معاليه لا يسعه المجال خاصة اذا كان المجال الترحم ، ولكن المسيرة الطويلة التى عاشها عطاء وبذلا خدمة لوطنه وامته وثقافته ستظل نبراسا يهتدي به من يسير على خطاه ... رحمه الله رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته (إنا لله وإنا إليه راجعون )

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:40 AM
المفتي: الفقيد عمل في الدولة زمناً طويلاً وأنجز أعمالاً جيدة

المفتي يتحدث للزميل العمري «عدسة - فهد العامري»
الرياض - تركي العمري

أعرب سماحة مفتي عام المملكة رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ عن حزنه الكبير في وفاة معالي وزير العمل الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي.وقال في تصريح ل "الرياض" عقب أن أم المصلين بجامع الإمام تركي بن عبدالله بالرياض في صلاة الميت على الفقيد عقب صلاة العصر امس "الدكتور القصيبي عمل في الدولة زمننا طويلا وأنجز أعمالا جيدة وأرجو الله له المغفرة".

وقد تلقى سماحة مفتي عام المملكة عقب صلاة الميت عصر امس تعازي المصلين مع أقارب الفقيد.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:42 AM
المفتي أم المصلين بجامع الإمام تركي بن عبدالله
الأمير سطام يؤدي صلاة الميت على فقيد الوطن «غازي القصيبي»

الأمير سطام تقدم المصلين على الفقيد غازي القصيبي
تغطية - تركي العمري، علي الحضان تصوير - حاتم عمر، فهد العامري

أدى صاحب السمو الملكي الأمير سطام بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض بالنيابة صلاة الميت على معالي وزير العمل الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي بعد عصر أمس بجامع الإمام تركي بن عبدالله بالرياض.

وقد أم المصلين سماحة مفتي عام المملكة رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ, كما أدى الصلاة مع سموه ، صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز مساعد وزير البترول والثروة المعدنية وصاحب السمو الأمير سعود بن ثنيان آل سعود رئيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع وصاحب السمو الأمير خالد بن سعود بن خالد وكيل وزارة الخارجية وأبناء الفقيد سهيل وفارس ونجاد وعدد من أصحاب الفضيلة والمعالي الوزراء وكبار المسؤولين وجمع من المواطنين.

بعد ذلك نقل جثمان الدكتور غازي القصيبي رحمه الله إلى مقبرة العود بالرياض حيث ووري الثرى, بحضور عدد كبير من اصحاب السمو الامراء والمعالي الوزراء وجمع غفير من المواطنين.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:43 AM
قسم كبار الشخصيات بتخصصي الرياض يشهد توافد أقارب ومحبي د.القصيبي لحظة وفاته
الفقيد حظي برعاية طبية مكثفة ومتابعة متواصلة من كبار المسؤولين ..والساعة 10.30صباحاً أعلنت وفاته

مدخل مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض حيث توفي د.القصيبي
الرياض - محمدالغنيم

توافد عدد من محبي الفقيد د.غازي القصيبي صباح وظهر أمس إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض إضافة إلى عدد من أقاربه بعد نبأ وفاته الذي أعلن الأطباء عنه عند الساعة 10.30 من صباح أمس .

ووفقاً لمصادر"الرياض"كان الوزير القصيبي يرقد في قسم كبار الشخصيات بالمستشفى التخصصي ويحظى برعاية طبية مكثفة من الفريق الطبي الذي يشرف على حالته الصحية التي تردت في الأيام الأخيرة وبقي تحت الملاحظة المركزة إلى وفاته عن عمر يناهز السبعين عاماً،وكان قد نقل عبر طائرة إخلاء طبي من المنامة إلى تخصصي الرياض الشهر الماضي لمواصلة العلاج بعد فترة النقاهة التي أخذها في المنامة إثر عودته من رحلة العلاج في الولايات المتحدة.

وشهد جناح الفقيد في الساعات الأولى لرحيله حركة غير عادية من الفريق المتابع لحالته ومن أقاربه الذين قدموا لإنهاء الإجراءات الاعتيادية في مثل هذه الحالات وساد جو من الحزن على وجوه الجميع لفقد واحد من أهم رجالات الدولة الذين أفنوا حياتهم في خدمة الوطن في عدة جهات.وكان الفقيد قد وصل إلى البحرين في شهر مايو من هذاالعام على متن طائرة خاصة حيث مكث وقتاً هناك للنقاهة بعد تلقيه العلاج في أمريكا على مدى عدة أشهر إثر وعكة صحية ألمت به قبل أن ينقل بالإخلاء الطبي للرياض لمواصلة العلاج .



وزارة العمل تنعى وزيرها : الوطن فقد أحد أبنائه البررة الذين تشرفوا بخدمته على مدى عقود


وحظي الفقيد بمتابعة وعناية متواصلة من كبار المسئولين في الدولة منذ بداية العارض الصحي الذي ألمّ به حيث تلقى رحمه الله وأسرته الآلاف من الاتصالات والرسائل والخطابات والزيارات من أصحاب السمو الملكي الأمراء والوزراء ومن كافة مسئولي وزارة العمل ومن الجهات والوزارات التي عمل بها في بداية حياته العملية إلى جانب متابعة وسؤال العديد من محبيه من داخل المملكة وخارجها من مفكرين ومثقفين وأدباء ومسئولين ودبلوماسيين وغيرهم.

وكانت وزارة العمل وهي آخر محطة عملية في حياة د.القصيبي قد نعت في الساعات الأولى لرحيل وزيرها الفقيد القصيبي عبر موقعها الرسمي واصفة إياه بفقيد الوطن مشيرة إلى أنه برحيل معاليه يفقد الوطن واحداً من أبنائه البررة الذين تشرفوا بخدمته على مدى عقود عديدة في مختلف المجالات، كان آخرها وزارة العمل.

وتقدمت الوزارة إلى خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني حفظهم الله بأحر التعازي سائلة الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وان يدخله فسيح جناته و (إنا لله وإنا إليه راجعون).

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:48 AM
حزن عربي واسع لرحيل "غازي الكاريزما والكلمات"

نائب أمير الرياض يؤدي صلاة الميت ومفتي المملكة يؤم المصلين


مشيعون يحملون جثمان وزير العمل غازي القصيبي لدفنه بمقبرة العود في الرياض أمس
الرياض، جدة، القاهرة، المنامة: الوطن 2010-08-16 2:12 am

واصل الموت خطف قيادات ورموز الثقافة والفكر والأدب في الوطن العربي وضم إلى راحلي هذا العام صباح أمس الشاعر السعودي الدكتور غازي عبد الرحمن القصيبي عن سبعين عاما. حيث فجعت الأوساط الثقافية والاجتماعية بوفاته في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض، ونعاه الديوان الملكي في بيان جاء فيه أن الفقيد - رحمه الله- من رجالات الدولة الذين خدموا دينهم ومليكهم وبلادهم بكل تفانٍ وإخلاص، وتقلّد عدة مناصب كان آخرها وزيراً للعمل. فيما تقدم أمير منطقة الرياض بالنيابة الأمير سطام بن عبدالعزيز بعد عصر أمس المصلين على الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي بجامع الإمام تركي بن عبدالله بالرياض. و أم المصلين سماحة مفتي عام المملكة رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ. واهتمت عديد العواصم العربية بنبأ وفاة القصيبي المولود في الأحساء ( شرق السعودية) عام 1940 م، وعبرت النخب فيها عن حزنها، وتحدثت البحرينية أمل مرزوق عن علاقة القصيبي بالبحرين وكيف نسج علاقات وطيدة هناك.
بينما أكدت نخبة من المصريين أن رحيل القصيبى يعد خسارة فادحة للشعر العربي لأنه مثل ظاهرة متفردة في تجربته ومحليا تساءل الكاتب حمد القاضي مذهولا والعبرة تخنقه (هل مات غازي القصيبي ؟) وتابع غازي لا يموت .. رحل عنا بجسده فقط .. لكنه باق بشعره, بكتبه, بأعماله الوطنية والإنسانية والعربية والعملية.
ومثلت سيرة القصيبي محطات انقلابية متحولة، أسرته من الأحساء، أخواله من مكة ، نشأ وترعرع في البحرين، تكون سياسيا وفكريا في القاهرة، وتشكل أكاديميا في أمريكا. لكنه بالأمس فقط ، وخبر وفاته تتناقله كل وسائط الميديا، استعاد مراقبون أنه واحد من رجالات السعودية المؤثرين في عصره الحديث إن في الساحة الأدبية بانتمائه إلى جيل المؤسسين لقصيدة التفعيلة في السعودية، وباجتراحه التابو في كتابة الرواية من خلال إصداره (شقة الحرية) 1995 التي يكاد يجمع النقاد والمراقبون على أنها كانت فاتحة لمرحلة جديدة في تاريخ الرواية في السعودية. وفي الساحة الإدارية والعملية ظل القصيبي متمتعا بقدر من (الكاريزما) التي ميزت عطاءه في كل المناصب التي تقلدها بدءا من وزارة الصناعة والكهرباء عام 1995 م حتى آخر وزارة تقلدها وهي وزارة العمل. حتى حط رحاله أخيرا في مستشفى الملك فيصل التخصصي وأسلم روحه لبارئها.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:50 AM
الديوان الملكي ينعى القصيبي والمفتي يصفه برجل الدولة المخلص



مفتي المملكة يؤم المصلين في الصلاة على جثمان الفقيد
الرياض: عمر الزبيدي، طارق النوفل، عبدالعزيز العطر 2010-08-16 2:08 am

أدى أمير منطقة الرياض بالنيابة الأمير سطام بن عبدالعزيز بعد عصر أمس صلاة الميت على الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي بجامع الإمام تركي بن عبدالله بالرياض. وأم المصلين مفتي عام المملكة، رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء، الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ.
وكان الديوان الملكي قد أصدر بيانا أعلن فيه انتقال القصيبي إلى رحمة الله تعالى، عن عمر يناهز (70) عاماً، إثر مرض عانى منه طويلاً.
وجاء في البيان أن الفقيد (رحمه الله) من رجالات الدولة الذين خدموا دينهم ومليكهم وبلادهم بكل تفانٍ وإخلاص، وتقلّد عدة مناصب كان آخرها وزيراً للعمل.
وكان للمصلين بجامع الإمام تركي بن عبدالله المجاور لقصر الحكم بالرياض موعد لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على القصيبي، وكانت سيارة الإسعاف الخاصة بمستشفى الملك فيصل التخصصي واقفة بجانب مدخل الإمام وفيها جثمان الفقيد، وكان يقف بجانبها أبناؤه وعدد من أقاربه.
وفيما كانت تقف العشرات من السيارات الرسمية والدبلوماسية والعربات الأمنية في المكان، اكتظ المسجد بجموع المشيعينالذين كان همهم وداع القصيبي.
وما إن أتم الشيخ عبدالعزيز بن عبد الله آل الشيخ صلاة العصر أمس حتى نادى جموع المصلين للصلاة على الفقيد، فحمل الجثمان على الرقاب إلى أن أوصل إلى مكانه أمام الإمام وتمت الصلاة.
وقد بدا الحزن على عائلة القصيبي الموجودين في الجامع عند تلقيهم التعازي خاصة أبناءه: سهيل وفارس ونجاد، الذين كان أول معزيهم الأمير سطام بن عبدالعزيز، وكان من بين المصلين مساعد وزير البترول والثروة المعدنية الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز الذي كان التأثير باديا عليه ورفض التعليق وهو يقول: "ليس الآن.. لا أستطيع الكلام الآن".
وكان من بين الحضور رئيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع الأمير سعودي بن ثنيان آل سعود، ووكيل وزارة الخارجية الأمير خالد بن سعود بن خالد، وعدد كبير من الوزراء والعلماء والدبلوماسيين، وقد زاد حزن الأبناء على فقيدهم من حزن جمهور المصلين في جامع الإمام تركي بن عبد الله خاصة عند رفع الجثمان خروجا من المسجد، فانطلق الحشد بمعية الجثمان إلى مقبرة العود في جنوب الرياض، فيما عبر المفتي عن الفقيد غازي القصيبي فقال في حديث خص به "الوطن": "غازي القصيبي من رجالات الدولة المخلصين وأسأل الله له الغفران والرحمة".
ولوحظ وجود عدد كبير من المصلين الملتحين الذين كان التأثر واضحا عليهم، ومن العلماء وطلبة العلم الشرعي الذين كان البعض منهم يترحم عليه بصوت عالٍ جداً وهم يساهمون في رفع جثمانه.
من جانبه، أكد المستشار والمشرف العام على مكتب وزير العمل هزاع العاصمي أن الوزير الراحل كان يمني النفس في إيجاد وظيفة لكل مواطن ومواطنة حتى آخر أيام حياته، وكان هذا الأمر هدفاً بالنسبة له ومن كبرى القضايا التي حظيت باهتمامه أخيراً، وتابع: "القصيبي أحس بقرب منيته قبل وفاته بدقائق وكان يشكر الله على ما كتبه له لحين فارق الحياة".
وبيّن العاصمي أن القصيبي تلقى مكالمة هاتفية إبان علاجه في أمريكا من فتاة سعودية قالت له: "يا معالي الوزير أنت لا تعرفني وأنا لا أعرفك ولكن أريد منك أن تشفع لي عند وزارة الداخلية فأنا طافني قطار الزيجة ووجدت رجلاً مسلماً من دولة بريطانيا وأريد الاقتران به وأرجو أن تشفع لي لدى النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز لأخذ الإذن بالزواج من البريطاني"، وأضاف أن الأمير نايف قدر شفاعة القصيبي وأعطاها الإذن بالزواج.
وأبان العاصمي أن جميع زملاء الوزير الراحل مصدومون من الخبر ليس فقط بعد سماع نبأ الوفاة وإنما منذ ثمانية أشهر لما علموا بأن حالته ازدادت سوءاً.
وكان مصدر مقرب من القصيبي قد كشف بأن الفقيد دخل في غيبوبة الموت قبل 12 ساعة من إعلان وفاته رسمياً بمستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض.
وذكر أن القصيبي على الرغم من إصابته بمرض سرطان المعدة, كان يسأل ويستفسر عن المعاملات الخيرية والشفاعات للأسر الفقيرة وهو في فراش الموت وقبل لقاء ربه بيومين، مشيراً إلى أن الفقيد منع الزيارات له في أيامه الأخيرة وحصرها على ثلاثة أشخاص خارج نطاق أسرته وهم: مدير مكتبه وسكرتيره الخاص، بالإضافة إلى أفراد أسرته، ومنهم وزير الاقتصاد والتخطيط الدكتور خالد القصيبي, إذ يعد الشخص الوحيد من المسؤولين بالدولة ممن يتردد عليه بشكل دوري بحكم صلة القرابة (ابن أخت الفقيد).
وأما ما يخص رحلته العلاجية فأوضح المصدر أن الفقيد أدخل مستشفى الملك فيصل التخصصي في المرة الأولى في ذي القعدة 1430, وغادرها إلى أمريكا قبل عيد الأضحى بيومين, حيث مكث فيها قرابة ستة أشهر وعاد منها إلى مملكة البحرين ليعيش فترة نقاهة مع أسرته بمنزله بالمنامة, وبعد تدهور حالته الصحية أدخل مرة أخرى مستشفى الملك فيصل التخصصي, ليدخل في صراع مع المرض بعد تجدده، وقبل 12 ساعة من وفاته دخل في غيبوبة ولم يفق منها (رحمه الله).
وأكد المصدر أن القصيبي كان مدركا بقرب منيته ولكنه في الوقت ذاته حاول إظهار رباطة الجأش لكل من يلتقي به وكان بشوشا طوال الوقت.
وتجمع كبار المسؤولين في أجهزة الدولة لتشييع جثمان القصيبي إلى مثواه الأخير في مقبرة العود غرب الرياض أمس، وذلك عقب الفراغ من الصلاة عليه، وكان محافظ مؤسسة النقد الدكتور محمد الجاسر ووزير الدولة وزير العمل المكلف حالياً الدكتور عبدالعزيز الخويطر في استقبال المشيعين وبرفقتهم العديد من زملاء الراحل من وزراء ووكلاء وزارات.
وشوهد وزير النقل الدكتور جبارة الصريصري ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات الدكتور محمد جميل ملا ومحافظ هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات الدكتور عبدالرحمن الجعفري يتجاذبون الذكريات التي كانت قد جمعتهم الأيام الماضية مع الوزير الراحل في رحلات عمل وسط تأثرهم لحظة إنزال الفقيد إلى مثواه الأخير.
وكان زملاء الفقيد في الوزارة أكثر الحاضرين تأثراً بفقدانه حيث انخرطوا في البكاء لحظة مراسم الدفن ولم يغادروا الموقع إلا بعد مغادرة كافة المشيعين.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:51 AM
الغفيص: القصيبي حارب النظرة الدونية للمهن



القصيبي وإلى يمينه الغفيص يقدمان طلبا لأحد الزبائن بمشاركة بائعين سعوديين في أحد المطاعم
جدة: أحمد ردة 2010-08-16 2:06 am

كشف محافظ المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني الدكتور علي بن ناصر الغفيص عن بعض السجايا والسمات الإدارية وسعة الأفق التي لمسها في الدكتور غازي القصيبي.
وأوضح الغفيص في تصريح إلى "الوطن" أن القصيبي كان حريصا على بناء الشراكات الاستراتيجية وتوسيعها مع القطاع الخاص والتي أثمرت العديد من الاتفاقيات مع كبريات الشركات الوطنية والعالمية في المملكة الأمر الذي مكن من تدريب وتوظيف آلاف من الشباب من الجنسين والعمل على دعم نموهم الوظيفي والمهني في تلك الشركات.
وأضاف الغفيص "كان الفقيد يحرص على حضور مثل تلك الاتفاقيات ويتأكد دائما بل ويطالب بضمانات وظيفية إضافية للمتدربين ويزداد حرصه أيضا على حضور حفلات تخرجهم ليقف عن كثب على طبيعة أعمالهم بل ويشاركهم عملهم فتارة نجده يشارك "نادل" المطعم السعودي عمله معتمرا قبعة الشيف الشهيرة وتارة يمارس عمل بائعي التجزئة فيشاركهم وزن "الجبن" و"الزيتون" وخدمة الزبائن إيمانا منه بشرف المهنة فقد كان يردد دائما مقولته الشهيرة :أنا فخور بأن أرتدي رداء العمل الشريف، فخور بأن أكون مع الشباب الشرفاء في عمل شريف لخدمة وطن نبيل.. يجب أن نكف عن الإشارة إلى أن هناك مهنا دونية ومهنا غير دونية".
وبين الغفيص أن الدكتور القصيبي أمضى في إحدى جولاته 3 ساعات في خدمة زبائن مطعم للوجبات السريعة بمدينة جدة، وذلك خلال رعايته ليوم الضيافة السعودي الأول عام 2008 وأعلن القصيبي تحديد يوم 22 يونيو من كل عام "يوما للضيافة السعودي"، حيث تبنى فكرته التي يقوم صاحب العمل خلاله بخدمة الزبائن من خلال المنشأة التي يمتلكها مرتديا زي العاملين بها.
وأضاف الغفيص "وفي جولة أخرى منح القصيبي نفسه منصب "مضيف فخري"، مشددا على شرف هذه الوظيفة وقيمتها بقوله: إن البداية دائما تكون متعبة وصعبة، ولكن بالمثابرة والاجتهاد والطموح ستتحقق للشباب أهدافهم، مثيرا تصفيق الحضور وهو يقبل رأس شاب سعودي يعمل مقدم طعام بمطعم في جدة، وهنأه على مثابرته وشجعه على هذا العمل".
وأضاف الغفيص "والعبرة تغالبه" لا أنسى ذلك اليوم حين أعرب الفقيد لنا ولخريجي إحدى دورات التدريب المشترك مع القطاع الخاص عن اعتزازه بارتداء زي النادل وقال "إنه رداء لا يستحقه إلا من سعى لدراسته، وأنا أعتبره نوعا من الدكتوراه الفخرية".
إلى ذلك وصف مدير توظيف السعوديين بمكتب العمل بجدة محمد إبراهيم جلال الفقيد القصيبي برائد "السعودة" وأحد قادتها ومحاربيها الأشاوس، مشيرا إلى أنه لا أحد ينكر الدور الكبير والبارز الذي قام به الفقيد تجاه الرفع من نسبة عدد الملتحقين السعوديين بوظائف القطاع الخاص.
وأضاف جلال :أن القصيبي كان محاربا غيورا على أبناء بلده في سبيل الحصول على مصادر الرزق، فهو حارب بكل ما يملك من أسلحة في سبيل ذلك الهدف وهو القضاء على البطالة مستخدما قوة النظام القانونية التي يمتلكها كوزير تارة وبوجاهته وشهرته ومكانته المجتمعية تارة أخرى، فقد كان يلجأ إلى "المناشدات" الحبية عندما لا تسعفه قوة النظام تجاه أصحاب الأعمال فكان لها الأثر الأكبر في نفوسهم لفتح مجالات مختلفة أمام الشباب السعودي للعمل.
واختتم جلال أنه بوفاته رحمه الله خسر منسوبو وزارة العمل زميلا وقائدا إداريا محنكا امتلك خبرته الواسعة وفلسفته في الإدارة من واقع المهام المختلفة التي أوكلت إليه من قادة بلادنا عن قناعة بأنه الرجل المناسب دائما.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:51 AM
"رجل" جيل التنمية والعصرنة في السعودية

كان يمثل "حدثا مهما في حياتهم" على الصعيد الوجداني وعلى مستوى الإدارة


غازي القصيبي يرتدي قبعة عامل في ماكدونالدز
جدة: محمود تراوري 2010-08-16 2:04 am

سيرة عجيبة، محطاتها انقلابية متحولة، أسرته من الأحساء، أخواله من مكة، نشأ وترعرع في البحرين، تكون سياسيا وفكريا في القاهرة، وتشكل أكاديميا في أمريكا. لكنه بالأمس فقط، وخبر وفاته تتناقله كل وسائط الميديا، استعاد مراقبون أن (غازي القصيبي) رحمه الله واحد من قلة من شعراء العربية الذين ظل هاجس الموت يسيطر على نتاجهم، وظل يتكثف هذا الهاجس في السنتين الأخيرتين مع إصداره (مواسم) الكتاب الذي سكب فيه كل المراثي.
فمنذ ديوانه (الحمى) الذي ضم قصيدته الشهيرة (الأربعون) ما انفك القصيبي عن ذكره وتناوله للعمر في كل دواوينه بعد ذلك بحسب الناقد والباحث حسين بافقيه الذي يلفت إلى أن القصيبي أصدر في السنوات الثلاث الأخيرة ديوان (البراعم) الذي اشتمل على قصائد البدايات، ويستنتج بافقيه أن إصدار هذا الديوان كأنما يعبر عن رغبة في العودة إلى صباه وشبابه (العودة إلى الأماكن القديمة)، بل إن غلاف الكتاب حمل صورة قديمة لأول منزل سكنه القصيبي في البحرين. كأنما أراد القصيبي أن يهرب من شبح التقدم في العمر، حتى كانت قصيدته الأشهر (السبعون).
هكذا طيلة مسيرته الإبداعية ظل شبح الموت يطارد أشهر وزير/ أديب سعودي في العقود الأربعة الأخيرة، منذ أن فجع بوفاة أخيه نبيل الذي كان يكبره بعشر سنوات، وبعده توفيت زوجة نبيل، ثم توفي أخوه عادل، فأنشأ ديوانا كاملا في بكاء شقيقه نبيل، ومن شدة فزعه من الموت لم يضمه لمجموعته الكاملة.
في كتابه (مواسم) أحد آخر إصداراته الذي يتحدث فيه عن مواسم الحزن في حياته، يشير إلى أن موت أخويه كان بمثابة الهزة العظيمة التي زلزلت كيانه، واستمرت رحلة الموت معه بوفاة شقيقته الكبرى حياة التي كانت بمثابة أم له ورثاها في (حديقة الغروب) آخر ديوان يصدر له، وفيه صورة معبرة لشمس غاربة التقطتها عدسة الأمير فيصل بن عبدالله.
كشف القصيبي في ديوانه هذا عن حقيقة مشاعره كونه من أكثر الشعراء ذكرا للموت والرثاء في شعره.
برحيله ربما لا ينسى جيل التنمية والعصرنة في السعودية رجلا كان يمثل (حدثا مهما في حياتهم، جعل من منصب الوزير أكثر بريقا وألقا) في الحضور والغياب، ونجح كذلك في استعادة الوهج الثقافي للدبلوماسية إبان تعيينه سفيرا للسعودية في البحرين لمدة سبع سنوات، تلاها ترؤسه الدبلوماسية السعودية في لندن في فترة عصيبة مر بها العالم، ألا وهي فترة غزو العراق للكويت، ونشوب حرب التحرير التي عرفت اصطلاحا بـ(حرب الخليج الثانية) عام 1991، حينها علا نجم القصيبي وهو يجادل بإنجليزية رصينة في وسائل الإعلام الغربية وينافح عن موقف بلاده بكل حنكة وبلاغة ودهاء، يومها ظهرت قصيدته الشهيرة (أجل نحن الحجاز ونحن نجد) التي بدد بأبياتها المغناة تخرصات النظام العراقي في تلك الفترة حول وحدة الوطن.
لم يكن غازي القصيبي خالب ألباب (جيل التنمية والعصرنة) فحسب، بل وجد نفسه متصديا لخطابات التطرف والتشدد التي أطلت برأسها مطالع التسعينيات من القرن الماضي مستغلة حالة الارتباك السياسي التي شهدها العالم والتي أحدثها غزو صدام للكويت.
فاشتبك في جدل وحوار معهم حول التنمية ومتطلباتها والموقف السياسي/ الديني وكان نتيجة ذلك إصداره (حتى لا تكون فتنة). ظل غازي القصيبي على مدى قرابة العقود الأربعة بمثابة أيقونة (تحد ونجاح) للأجيال، إن على الصعيد الوجداني بقصائده الرومانسية وكتاباته الحالمة، وإن على الصعيد العملي والإداري منذ انضمامه لأول حكومة تكنو قراط في السعودية عام 1975، حين تسلم وزارة الصناعة والكهرباء فساهم في تأسيس أكبر مدينتين صناعيتين (الجبيل ويبنع)، ثم استثمر نجاحه فتولى وزارة الصحة، فأحدث انقلابا في مفاهيم العمل والرقابة الميدانية، ثم انتقل للعمل الدبلوماسي في سفارتي المنامة ولندن، حـتى عاد وزيرا مرة أخرى للمياه، فالعمل.
حتى حط رحاله أخيرا في مستشفى الملك فيصل التخصصي وأسلم روحه لبارئها.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:53 AM
متخصصة في سيرته: فتح ديوانيته للمثقفين ودمعت عيناه بعد مغادرة المنامة



الباحثة أمل المرزوق مع المرحوم غازي القصيبي
المنامة: راشد الغائب 2010-08-16 2:03 am

علاقة المرحوم غازي القصيبي بالبحرين أكبر من علاقة مواطن سعودي يزور بلده الجار مملكة البحرين، إذ نسج علاقات وطيدة مع مختلف مكونات المجتمع البحريني خلال فترة إقامة عائلته بالبحرين.
تقول أمل المرزوق الكاتبة المتخصصة في شؤون الراحل إن تاريخ عائلة القصيبي في البحرين ممتد لسنين طويلة.
وتوضح: "جد غازي القصيبي كان يعمل وكيلا لأعمال ملوك السعودية بالبحرين، وبعد استقلال البحرين من الحماية البريطانية في سبعينات القرن الفائت عُيِّن والد غازي في منصب وكيل أعمال الملك السعودي بالبحرين بشكل فخري، وفي فترة لاحقة عُيِّن الراحل سفيرا للرياض بالمنامة، مواصلة لمتانة العلاقة التي تربط بين العائلة والبلدين وما بنته من جسور قوية في توطيد الأخوة التاريخية".
وتشير المرزوق إلى أن عائلة القصيبي استثمرت في البحرين لما وجدتها من بيئة خصبة للإبداع وقادرة على قيادة دفة التنوير والثقافة.
وأضافت: عائلة القصيبي تولت بناء "سينما القصيبي". وستشرع وزارة الثقافة البحرينية في الفترة المقبلة على ترميم وتجديد هذه السينما باعتبارها تمثل حقبة تاريخية مهمة في مسيرة التنوير البحرينية.
وأشارت المرزوق إلى أن القصيبي فتح بيته ديوانية للشعراء والأدباء والمثقفين في البحرين، وذلك قبل أن تبصر أسرة وأدباء البحرين النور.
ولفتت إلى أن ديوانية القصيبي شكلت محطة مهمة لتجمع حاملي شعلة الثقافة والتنوير والأدب، إذ كان يلتقي المثقفون بضيافة غازي لإلقاء الشعر والقصة وتبادل الآراء الثقافية في مختلف المواضيع التي شغلت الساحة الثقافية في تلك الفترة.
وتقول المرزوق إن من أقرب أصدقاء غازي من البحرين الشاعر البحريني المعروف عبدالرحمن رفيع والوزير المرحوم يوسف الشيراوي.
وتسرد قصة لمدى ودية وقوة ومتانة علاقة الراحل القصيبي مع القيادة السياسية في البحرين، إذ عندما جرى تعيينه سفيرا للرياض بالمنامة، وشرع في تقديم أوراق عتماده الرسمية لأمير البحرين الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، دعا الأمير الراحل السفير القصيبي لوليمة عشاء أميرية، لكن الراحل القصيبي رد على طلب الأمير بروحة المرحة وحس الدعابة التي تميز بها بأنه قبيل تقديمه أوراق اعتماده سفيرا لبلاده بالبحرين كان في رحلة صيد بحرية واصطاد سمكا وفيرا ويعتزم تحضيره لأكله، شاكرا الأمير الراحل على دعوته الكريمة لمائدته الأميرية.
وتنقل المرزوق أن القصيبي قال للأمير: "قبل لا نجيك طال عمرك دشينا البحر وصدنا سمج. والحين بنروح نطبخه وناكله وما نبي عشا رسمي!". وأذن الأمير للراحل القصيبي بالمغادرة دون أن يلبد ذلك العلاقات وذلك لقوة العلاقة التي تربط بين العائلتين والقيادتين في البلدين.
وتشير المرزوق إلى أن القصيبي أبلغها في لقائها بمنزله في منطقة الجسرة بالبحرين أن عينيه لم تدمعا قط إلا يوم غادر البحرين من بعد تعيينه سفيرا للرياض في لندن.
وكشفت المرزوق عن أن القصيبي كان يسكن معظم وقته في بيته بالبحرين. وكان بيتا كبيرا في العاصمة المنامة ولكنه تركه ليستقر في بيته الحالي في منطقة الجسرة، وهو البيت الذي قضى فيه فترة النقاهة قبل أن يستعيد الله أمانته.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:55 AM
ويا بلادا نذرت العمر زهرته لعزّها دمتِ إني حان إبحاري



حمد القاضي
حمد القاضي 2010-08-16 2:03 am

•• هل مات غازي القصيبي؟
•• غازي لا يموت .. رحل عنا بجسده فقط .. لكنه باق بشعره, بكتبه, بأعماله الوطنية والإنسانية والعربية والعملية.
مثل "غازي" – رحمه الله – لا يموت فهو رمز ثقافي ورمز سعودي, ورمز عربي .. سيبقى مثلما بقي "العظام" الذين رحلوا بأشكالهم.
د/غازي توقف قلبه منذ توقف عطاؤه وإبداعه .. ولهذا فهو – في آخر قصيدة له في صحيفة "الجزيرة" قبل عدة أشهر أحس بأنه قد حان رحيله عندما قال :
" ويا بلادا نذرت العمر زهرته
لعزّها دمتِ إني حان إبحاري"
"غازي القصيبي" الذي ملأ الدنيا وشغل الناس سيظل مالئها وشاغلها .. لقد عاش كل لحظة من عمره مبدعا ومناضلا من أجل وطنه وأمته وثقافتها ومجدها .. وها هو يرحل بجسده بعد عمر حافل بعطاءات مئات المبدعين والمخلصين.
تهزمني الكلمات وأنا أريد أن أكتب عن هذا "الرمز" الوطني والإنساني .. عزاؤنا أنك أنت أحببت لقاء ربك عندما قلت في قصيدتك قبل الأخيرة :
"أحببت لقياك .. حسن الظن يشفع لي
أيرتجى العفــو إلا عند غفـــار"
رحمك الله وجمعنا بك في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر. 

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:56 AM
أدباء مصريون: القصيبي موهبة متفردة وشاعر عميق التأثير



فاروق شوشة
القاهرة: حازم عبده 2010-08-16 1:59 am

أكد عدد من الأدباء والشعراء المصريين أن رحيل الشاعر الدكتور غازي القصيبي يعد خسارة فادحة للشعر العربي، لأنه مثل ظاهرة متفردة في تجربته ونبوغه الشعري، ويعد ملمحاً أساسياً في شعر السعودية والبحرين بل والشعر العربي.
وقال صاحب موسوعة الشعر العربي الحديث والمعاصر الشاعر والناقد الدكتور يوسف نوفل – والذي كتب كثيراً عن تجربة القصيبي الشعرية - أول شيء بالنسبة له أنه يشكل ظاهرة فريدة من حيث غلبة الموهبة على التخصص، فنحن نعلم أنه رجل تخصص في الناحية العلمية، كما تقلد عدة وزارات، إلا أن الذي غلب على السمت العام له أولاً النبوغ الشعري، ثانياً الانشغال بالهم الثقافي، وهو هنا من الشعراء القلائل أيضاً الذين تحولوا بالوجدان والعاطفة إلى الفكر والموقف، حتى لنستطيع أن نقول إن غازي القصيبي تحول من موقع الشاعر المبدع إلى المفكر الموجه، ونحن نعلم أن موهبته الشعرية ظهرت في مصر ونبوغه كذلك وصادف أنه كان يسكن مجاوراً للناقد الراحل الدكتور عبد القادر القط فعرض عليه مجموعة أشعاره الشبابية.
ومن المؤكد أن القط وجهه. وقد حدثني في شيء من ذلك، وقد بدأت تظهر دواوين غازي القصيبي منذ ديوان" أشعار من جزائر اللؤلؤ" ثم "قطرات من ظمأ " فديوان "معركة بلا راية "فديوان "أبيات غزل"، و الأهم من هذا كله أن يقدم لنفسه وعن نفسه سيرة شعرية عام 1980 عن دار الفيصل كأنما اختارت له قصائد مختارة ودواوين أخرى. ولكن أتوقف عند الجانب الإنساني عندما توفي أخوه كتب شعراً كثيراً عنه كأنه يقدم رثاءً له. وعلى ذكر هذا الرثاء الأخوي العائلي وربطاً بحديثي السابق عن تحول الشاعر المبدع إلى المفكر الخلاق، فإنه قدم ديواناً من دواوينه اختار له هذا العنوان : " مرثية فارس سابق "أي أنه أراد أن يقول إن مهمته في الحياة أن يكون فارساً من فرسان الثقافة والتحضر والتقدم .
أما أمين عام مجمع اللغة العربية بالقاهرة الشاعر والناقد فاروق شوشة فلم يتمالك نفسه حين علم برحيل القصيبي من "الوطن"، نظراً للصلة التي كانت تربطه به، وقال إنه ملمح أساسي في شعر السعودية والبحرين معاً، باعتباره ينتمي إلى المنطقتين وله معجمه الشعري المتميز واقتحاماته الشبيهة بما كان يفعله نزار قباني في مرحلته الأخيرة، لذا أصبحت بعض قصائده السياسية تلقى الصدى والتأثير الذي كانت تحدثه قصائد نزار قباني للعرب. وفي دواوين غازي القصبيي عالم متميز يموج بالعواطف الإنسانية وتتمثل دائماً في منظومة القيم النبيلة التي يعيشها وجدان شاعر عربي عميق الانتماء إلى هوية أمته وإلى موروثها الثقافي والروحي، بحيث إن هذه الهوية العربية هي التي شكلت قسمات شعر غازي القصيبي وملامحه الأساسية. وقد استطاع بفطرته الشعرية وثقافته وقراءاته وتجاربه الإنسانية الحية أن يكون له عالمه الشعري بمذاق خاص ولغته الشعرية بإحساس عميق وصياغة محكمة وقدرة على تجسيد الصور وتعميق الأحداث.
وخلص شوشة إلى القول إن الشعر العربي المعاصر يخسر برحيله شاعراً كبير القامة، موفور العطاء، عميق التأثير.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:57 AM
غازي القصيبي.. المتدين بحق!



أغالب الليل الحزين الطويل أغالب الداء المقيم الوبيل
أغالب الآلام مهما طـغت بحسبي الله ونعم الوكيل
الله يدري أنني مــؤمن في عمق قلبي رهبة للجليل
كانت هذه من آخر قصائد الإنسان النبيل قبل كل الألقاب الدكتور غازي القصيبي ـ رحمه الله ـ الذي فجعنا بخبر رحيله بالأمس، حيث نقلته لي رسائل الأصدقاء والزملاء على هاتفي؛ لدرجة أنه أعادني للكتابة هنا في "الوطن" بعد انقطاع بضعة أسابيع وددت أن تطول؛ فأنت مع هذا الخبر لا تحمل سوى أضعف الإيمان بالدعاء لهذا الإنسان المؤمن الذي لا يتكرر مرتين!! لماذا؟! لأنه كان متدينا بالفعل ومعبرا عن جوهر دين عظيم هو الإسلام في إنسانيته وتواضعه الجم والتزامه بمبادئه والأخلاقيات الرفيعة رغم كل اتهامات معارضيه الحاقدين من المتاجرين بالأيديولوجية ضده؛ ممن استنهضوا الناس لمعارضته برميه بالعلمانية مرة وبالليبرالية مرة أخرى!! ويكفي القصيبي تدينا أنه كان صادقا في إخلاصه الإنساني المترجم في إبداعه الأدبي ومعاملته الراقية في عمله الوزاري والدبلوماسي، يكفيه أنه كان صادقا في مبادئه وأخلاقه؛ وقبل كل ذلك في طموحاته الوطنية التي لا توازيها سوى طموحات المخلصين أمثاله من القلة النادرة العاملة الآن بيننا ممن اعتلوا المناصب؛ وحتى في مواقفه العملية. فما أزال أتذكر قبلته وهو الوزير الأديب على جبين شاب سعودي يعمل نادلا في أحد المطاعم بجدة حين اعتمر قبعة العمل وبدلة نادل مثله مثلهم؛ ليخدم زبائن المطعم مع الشباب ثلاث ساعات متواصلة دون تذمر والابتسامة لا تفارق محياه.
غازي القصيبي؛ أضاف بإنسانيته وتواضعه الجم والتزامه بقضاياه لكل الألقاب التي سبقت اسمه؛ ولا يمكن أن ينكر حتى معارضوه من المؤدلجين ضد التنمية الفكرية والاجتماعية؛ أنه كان من أكثر المخلصين في مشاريعه الوطنية؛ وما حمله من رؤى فكرية تنموية في تطوير سوق العمل المحلي ودفع الشباب للمهن اليدوية خلال سنوات عمله في منصبه الوزاري الأخير كانت تسبق بمراحل ضوئية ثقافة مجتمع يدين بالأعراف والتقاليد وينسى أن نبي هذه الأمة محمد عليه الصلاة و السلام كان راعي غنم؛ ثقافة ما تزال تصنف الناس بين خضيري و قبيلي!! وهذا سعودي أصلي وذاك غير أصلي! ثقافة يحسب أفرادها العمل مجرد مكتب مكيف ودوام وظيفي وراتب آخر الشهر؛ ثقافة تحسب المرأة مجرد متاع وآلة تفريخ و"كومة لحم" فيعيب عليها أن تكون بائعة محترمة ولا يمانع أن تكون شحاذة على أبواب الجمعيات الخيرية أو تحترق كبائعة تحت الشمس في الشارع نتيجة أفكار وأعراف دخيلة على دين الإسلام.
غازي القصيبي ـ رحمه الله ـ رجل لن يتكرر مرتين؛ فلم يعرف في حياته سوى العلم والعمل والأدب والفكر، رحل صباح الأمس إلى بارئه تاركا إرثا ثمينا للمجتمع السعودي؛ إرثا أدبيا وفكريا وإداريا وطموحات وطنية كبرى، فهل سنستفيد منها أم تمرّ مرور الكرام كالسابقة؟ رحمه الله تعالى وأسكنه عظيم جناته.
http://www.youtube.com/watch?v=OY_7nq_TFWc&feature=related


حليمة مظفر

عبدالله الصغير
08-16-2010, 09:59 AM
ووري الثرى في مقبرة العود .. والأسرة تتلقى العزاء غدا

القصيبي يرحل عن 4 وزارات وسفارتين و20 كتاباً
منصور الشهري ـ الرياض، أحمد عبدالله ـ القاهرة، معتوق الشريف ـ جدة

فقدت الساحة الثقافية والفكرية والأدبية صباح أمس وزير العمل الدكتور غازي القصيبي عن عمر ناهز 70 عاما، بعد معاناة طويلة مع المرض.
وأدى صاحب السمو الملكي الأمير سطام بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض بالإنابة عصر أمس صلاة الميت على الدكتور غازي القصيبي في جامع الإمام تركي بن عبدالله في الرياض. وأم المصلين مفتي عام المملكة رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ. وأدى الصلاة إلى جانب الأمير سطام صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وعدد من أصحاب السمو الملكي والأمراء والوزراء منهم وزير الزراعة الدكتور فهد بالغنيم وتركي السديري رئيس هيئة حقوق الإنسان سابقا، ووري جثمان الفقيد الثرى في مقبرة العود.
وتتلقى أسرة الفقيد العزاء اعتبارا من يوم غد في منزلهم في البحرين.
ونعى الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى الأديب والدبلوماسي الدكتور غازي القصيبي. وأعرب الأمين العام للجامعه عن تعازيه ومشاطرته أسرة الفقيد الكريم والأمة العربية والإسلامية أحزانهم، داعيا الله عز وجل أن يسكن الفقيد فسيح جناته.
قضى القصيبي أيامه الأخيرة في مستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض قبل أن توافيه المنية إثر تدهور حالته خلال اليومين الماضيين. وعانى من المرض، وسافر للعلاج في الولايات المتحدة الأمريكية، وعاد أخيرا ومكث فترة في البحرين، إلا أنه عاد إلى المملكة. وكان من المقرر خروج القصيبي قبل شهر رمضان لمنزله، لكن الفريق الطبي أجل ذلك لمتابعة حالته الصحية عن قرب، وأبقى على قرار منع الزيارة عن القصيبي خلال الأيام الماضية.
تقلد القصيبي مناصب حكومية عديدة، منها: وزارات الصحة والمياه والكهرباء والعمل، إضافة إلى عمله سفيرا للمملكة في عدد من الدول.
وكان وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبدالعزيز خوجة أصدر نهاية الشهر الماضي توجيها بإتاحة جميع مؤلفات وزير العمل السعودي الأديب الدكتور غازي القصيبي، موضحا «أن القصيبي صاحب إسهامات كبيرة في خدمة الوطن وليس من اللائق أن لا يتوفر نتاجه الفكري في المكتبات السعودية».
للقصيبي نحو 20 كتابا ورواية. ففي الشعر: «صوت من الخليج»، «الأشج»، «اللون عن الأوراد»، «أشعار من جزائر اللؤلؤ»، «سحيم»، و«للشهداء».
وفي الرواية: «شقة الحرية»، «العصفورية»، «سبعة»، «هما»، «سعادة السفير»، «دنسكو»، «سلمى»، «أبو شلاخ البرمائي»، و«الجنية».
وفي الفكر: «التنمية»، «الأسئلة الكبرى»، «الغزو الثقافي»، «أميركا والسعودية»، «ثورة في السنة النبوية»، و«حياة في الإدارة».
وصدرت أولى رواياته «شقة الحرية» في العام 1994، وتحكي واقع الشباب العربي خلال الفترة (1948 ــ 1967)، أما روايته «دنسكو» فكتبها بعد عدم فوزه بمنصب مدير منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم «اليونسكو» في العام 1999، وتتناول قصصا لعدة مرشحين للمنظمة من قارات مختلفة، حيث وعد القصيبي أثناء ترشحه للمنصب بكتابة رواية إذا لم يفز، وهو الأمر الذي أوفى به.
وترسم روايته «سبعة» التي صدرت في العام 2003 صورة ساخرة للواقع العربي، ممثلة في سبع شخصيات يختلفون في أفكارهم وأعمالهم ويتشابهون في الركض خلف سيدة واحدة تعمل مقدمة لبرنامج تلفزيوني، حيث يقعون ضحية لها في نهاية المطاف.
أما روايته «العصفورية» الصادرة في العام 1996، فجاءت مرة أخرى لرسم مشهد ساخر للواقع العربي، ولكن هذه المرة على لسان بروفيسور يرقد في مشفى ويقص على طبيبه بطولات وحكايات ساخرة تخفي في طياتها هزلا فكريا بصيغة كوميدية.



عبر لـ «عكاظ» صاحب السمو الملكي الأمير سطام بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض بالنيابة عن حزنه الشديد لوفاة الوزير والشاعر والمثقف الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي بعد حياة حافلة بالعطاء نحو خدمة دينه ثم مليكه ووطنه.
وقال الأمير سطام في اتصال هاتفي أجرته معه «عكاظ»: «هذه إرادة الله جلا وعلا ولا راد لها، وكلنا سنكون في هذا الطريق لكن عزاءنا فيما قدمه الفقيد الأخ غازي من خدمات وطنية مخلصة في كل مواقع المسؤولية التي تبوأها على مدى العقود الماضية، فكان رحمه الله أهلا للمسؤولية وجديرا بالثقة التي أناطها به ملوك هذه البلاد إلى عهد سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمين سيدي صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز حفظهما الله».
ودعا أمير منطقة الرياض بالنيابة الله أن يتغمد الفقيد القصيبي بواسع رحمته وأن يسكنه فسيح جناته وأن يلهم أبناءه وأسرته وعائلة القصيبي الصبر وحسن العزاء.



منيرة المشخص ـ الرياض
لم تستطع أم سهيل، زوجة الراحل غازي القصيبي، الحديث لصعوبة الموقف، وقالت لـ«عكاظ»: افتقدت غازي.. وبعد ذلك أخذت تبكي.
أما يارا فودعت أباها الشاعر والأديب ووزير العمل.. بنظرة أخيرة حينما كان مسجى على سريره في الدور الثالث، حيث رقد في أيامه الأخيرة. ودعته وهي غير مصدقة أن من كتب فيها القصائد، وأحبها قبل أن ترى النور، وعاملها بالرغم من أنها أصبحت أما، كـ «الطفلة يارا»، أول فرحته من الأبناء، وحينما تزوجت كتب فيها قصيدة أسماها باسمها.
«عكاظ» كانت الصحيفة الوحيدة المتواجدة مع أسرة الوزير الدكتور غازي القصيبي في جامع الإمام تركي بن عبدالله في الديرة، حيث اكتظت جنباته بالمصلين من جميع الطبقات.
يارا اعتذرت لـ «عكاظ» من أن تتحدث عن لحظات حياة أبيها الأخيرة، فهي في حالة شبه انهيار والدموع غالبت الحديث، ولم تستطع حتى أن تمنعها من السقوط حينما كانت تتلقى التعازي على هاتفها.. قائلة لنا: اعذروني.. الموقف والحدث أكبر وأصعب من أن أتكلم. وكانت حينها تردد (إنا لله وإنا إليه راجعون).
وحول سؤالنا هل كانت معه الليلة التي سبقت وفاته، قالت: «طبعا جميعنا».
وعن مكان العزاء أوضحت أنه «سيكون في البحرين بلده الثاني، حيث منزله ومنازل جميع أقاربه هناك».
لولوة مسفر القصيبي ابنة عمه لم تتمالك نفسها من البكاء، وهي تحتضن يارا ووالدتها معزية، وكررت «لقد كان أخي قبل أن يكون ابن عمي.. كنا نأتي لزيارته مع أمي حينما كنت صغيرة.. جمع حنان الدنيا في قلبه.. وها أنذا أتيت لوداعه وأنا راضية بقضاء الله وقدره».
المكان بدا حزينا على فقدان الوزير المثقف، وحينما نودي للصلاة عليه لم يعد يسمع إلا صوت بكاء بصوت منخفض من قبل المصليات، ولحظتها قالت إحدى السيدات: «الآن فقط أيقنت فراق الدكتور غازي».



منصور الشهري ـ الرياض
رفع ابنا الراحل غازي القصيبي سهيل وفارس شكرهما لخادم الحرمين الشريفين على اهتمامه بوالدهما، والسؤال عنه، وقال لـ «عكاظ» سهل (الابن الأكبر): «إن والدي يعد خادم الحرمين الشريفين والده».
وزاد «سنظل نحمل لخادم الحرمين الشريفين في أعناقنا عظيم الامتنان والتقدير، على ما قدمه من دعم ورعاية واهتمام لوالدنا».
واستعاد الابن فارس الساعات الأخيرة لوالده، قائلا: «كنا مع والدنا البارحة الأولى، نشاهد جميعا برنامج الشيخ سلمان العودة، ثم شاهدنا برنامج «طاش»، قبل أن يشعر بإرهاق، ثم تعب قلبه بشكل مفاجئ .. ليفارق الحياة في العاشرة من صباح أمس».
وخلص فارس للقول: «والدنا أوصى بأن يدفن في المكان والأرض التي ينتقل فيها إلى رحمة ربه .. وبقية الوصية تتعلق بشؤون الأسرة».



منصور الشهري، حازم المطيري ـ الرياض
أحاط خادم الحرمين الشريفين الوزير والأديب الراحل غازي القصيبي برعايته الأبوية وعنايته الشخصية، وذلك خلال ذهاب الفقيد إلى الولايات المتحدة للعلاج، وعودته للبحرين، واستقراره في الرياض.
وقال مدير مكتب الفقيد هزاع العاصمي: إن خادم الحرمين الشريفين ــ كعادته ــ أحاط الدكتور غازي القصيبي باهتمامه الشخصي طيلة فترة علاجه حتى وفاته أمس، ولم يغفل عنه بالسؤال والاتصال والمتابعة، مقويا عزيمته، ومذكرا بالعناية الإلهية، مما كان له أطيب الأثر على نفسية الفقيد. وعن آخر الزائرين للفقيد، قال العاصمي: «آخر من زار الفقيد وزير الاقتصاد والتخطيط خالد بن محمد القصيبي يوم الجمعة، ومحافظ التحلية فهيد الشريف صباح أمس قبل وفاته». وأوضح أن «هاجس توفير وظيفة لكل شاب سعودي ظل الهاجس الملازم للقصيبي، وقد بقي موضع اهتمامه وتفكيره حتى آخر لحظات حياته».
وزاد العاصمي «القصيبي كان يمتاز بالشجاعة ولم يتردد في التراجع عن أي قرار يكتشف خطأه».
والعاصمي مدير مكتب القصيبي من الشخصيات التي رافقت ولازمت الفقيد في مكتبه، وفي مرحلة مرضه وعلاجه وحتى وفاته، وقال العاصمي الذي بدا متأثرا: إن المصاب جلل، ورحيل قامة فكرية وإدارية بحجم غازي القصيبي يعتبر خسارة تتجاوز حدود الوطن.



واس ـ جدة
أفاد بيان صادر عن الديوان الملكي أمس، أن الوزير الدكتور غازي القصيبي من رجالات الدولة الذين خدموا دينهم ومليكهم وبلادهم بكل تفان وإخلاص.
وصدر عن الديوان الملكي البيان التالي: «انتقل إلى رحمة الله تعالى هذا اليوم الأحد (أمس) 5/9/1431هـ معالي الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي، عن عمر يناهز (70 عاما)، إثر مرض عانى منه طويلا، وقد تمت الصلاة عليه بعد عصر اليوم الأحد (أمس) 5/9/1431هـ في جامع الإمام تركي بن عبدالله في الرياض. والفقيد رحمه الله من رجالات الدولة الذين خدموا دينهم ومليكهم وبلادهم بكل تفان وإخلاص، وتقلد عدة مناصب كان آخرها وزيرا للعمل.
تغمده الله بواسع رحمته ومغفرته، وأسكنه فسيح جناته.
إنا لله وإنا إليه راجعون».



طالب بن محفوظ
ما بين مولده في الثاني من مارس 1940 (1359هـ) ووفاته في 15 أغسطس 2010 (1431هـ) أربع وزارات وسفارتان، ومجموعة من دواوين شعرية وروايات وكتب فكرية وثقافية، وآلاف القلوب المحبة (له رواية حكاية حب).. هذه هي حياة الدكتور غازي القضيبي باختصار منذ المولد وحتى الوفاة.
ولغزارة إنتاجه الأدبي والشعري والفكري، ظن البعض أن القصيبي خريج واحدة من كليات الآداب (أصبح عضوا في جائزة الدولة التقديرية للأدب)، لكن الحقيقة أنه حاصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1381هـ (1961م)، لينتقل بعدها إلى جامعة جنوب كاليفورنيا طالبا يحصل فيها على الماجستير في العلاقات الدولية عام 1964م، ثم يعود إليها سائحا ويؤلف عنها روايته «العودة سائحا إلى كاليفورنيا»، لتنضم إلى شقيقاتها من الروايات والمجموعات القصصية والمسرحيات القصيرة: شقة الحرية، العصفورية (اختارته مجلة المجلية شخصية العام الأدبية عام 1996م عن تلك الرواية)، دنسكو، أبو شلاح البرماوي (تحولت إلى عمل تلفزيوني)، حكاية حب، رجل جاء وذهب، سلمى، وحوار قيس مع وجوه ليلى السبعة.
وفي وزاراته الأربع الصحة (بدأها في سن 43 عاما)، المياه (2002)، الصناعة والكهرباء (2003)، والعمل (2004م حتى وفاته) كان حازما لينا، صديقا إذا كنت موظفا تقوم بدورك على الوجه الأكمل، العدو الصديق إذا لم تقم بالمهمات الموكلة لك، كان همه في آخر وزارة له أن يجد عملا لكل مواطن.
وأثناء عمله وزيرا للصناعة والكهرباء قدم نظاما لمشروع الشركة السعودية للصناعات الأساسية وأصبح أول رئيس لمجلس إدارتها، ومشروع نظام المؤسسة العامة للكهرباء وصار أول رئيس لمجلس إدارتها، ثم رئاسة شركة صدف للبتروكيماويات ــ الجبيل، ومجلس الإدراة في شركة ينبت للبتروكيماويات ــ ينبع.
أما السفارتان في البحرين ثم المملكة المتحدة وآيرلندا (كتب رواية فيما بعد اسماها قراءة في وجه لندن)، فكانتا تشعان بالثقافة والأدب والفكر ونشر الثقافة السعودية والإسلام المتسامح والسلام العالمي، ولذلك كان مؤهلا لأن يكون مديرا عاما لمنظمة اليونسكو بعد ترشيح المملكة له عام 1419هـ (1998م)، وينال أيضا وسام أميرت الفرنسي (الاستحقاق) من الرئيس ديستان، ووسام الشرف لاجون دي نور، وآخر من البحرين (1992م)، وثالثا من الكويت (1992م)،
اكتسب منذ صغره حب مساعدة الآخرين، حيث كانت نشأته الاجتماعية خيرية، وذلك هو الذي مكنه من تأسيس الجمعية السعودية لرعاية الأطفال المعوقين، وكان أول رئيس لمجلس إدارتها، ويتبوأ عدة عضويات في عدة جهات خيرية واجتماعية، مثل: مؤسسة الملك فيصل الخيرية، وجمعية البر الخيرية في الرياض.
وبعد حصوله على الدكتوراة من جامعة لندن في العلاقات الدولية، التحق القصيبي في جامعة الرياض (الملك سعود حاليا) عام 1385هـ (1965م) أستاذا مساعدا، ليتدرج أكاديميا ليصبح رئيسا لقسم العلوم السياسية، ثم عميدا لكلية التجارة (العلوم الإدارية حاليا)، ويرشح خلال عمله في الجامعة مستشارا قانونيا للجنة السلام السعودية المصرية المشتركة في اليمن (1965 ــ 1966م)، ومستشارا في عدة جهات حكومية، مثل: وزارة الدفاع والطيران، وزارة المالية، ومعهد الإدارة العامة.
كما تولى عدة وظائف كبرى، أهمها: مدير عام المؤسسة العامة لسكك الحديد (1394هـ، 1974م)، وكان خلال عمله في المؤسسة سكرتيرا للمجلس الأعلى للبترول (1974م)، ثم أصبح فيما بعد عضوا فيه.
اكتسب العديد من العضويات، مثل: المجلس الأعلى للقوى العاملة، مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، مجلس إدارة الهيئة الملكية للجبيل وينبع، مجلس إدارة الشركة العربية للاستثمار، مجلس إدارة الصندوق العقاري، مجلس بلدية الدمام، المجلس الأعلى لرعاية الشباب، والنادي الفكري في سلطنة عمان.
أما إنتاجه الفكري فهو متعدد وغزير، سواء كان كتبا ثقافية أو روايات أو دواوين شعرية. فمن دواوينه: (أشعار من جزائر اللؤلؤ، قطرات من ظمأ، معركة بلا راية، أبيات غزل، أنت الرياض، الحمى، العودة إلى الأماكن القيمة، ورود على ضفائر سنا، مرئية فارس سابق، عقد من الحجارة، اللون عن الأوراد، 100 ورقة ياسمين، قوافي الجزيرة، قصائد أعجبتني، من الشرق والغرب، في خيمة شاعر، وسحيم).
هذا هو غازي القصيبي المحامي، والأكادي، والشاعر، والأديب، والكاتب، والمثقف، والإداري، والوزير، والسفير، في كلمات لا توفيه حقه ولكنه يبقى داخل قلوب الناس محبوبا، وبقيوا هم محبوبين في قلبه حتى توفاه الله.



علي فقندش ـ جدة
لم يكن كلام وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبد العزيز خوجة عن الراحل غازي القصيبي سريعا وعاجلا، بل استمهل «عكاظ» بعضا من الوقت ليتمكن من استيعاب النبأ المفجع الذي انتشر كالنار في الهشيم.
وزير الثقافة ببالغ التأثر والحشرجة التي عكست مدى العلاقة بينهما قال بصوت حزين: «وفاة الأديب الشاعر والروائي الدكتور غازي القصيبي فقد وخسارة كبيرين.. فغياب الدكتور غازي عن المشهدين الثقافي والعملي يجعلني أكاد أشعر بنفسي ووجداني يعيشان تأثرا بأجواء رثاء أمير الشعراء أحمد شوقي وهو ينعي شاعر النيل حافظ إبراهيم:
«قد كنت أوثر أن تقول رثائي
يا منصف الموتى من الأحياء
لكن سبقت، وكل طول سلامة
قدر وكل منية بقضاء».
ومضى خوجة قائلا: «الرابط الوجداني الكبير بيني وبين أبي يارا كان أهم وشائجه تلك الروابط الإنسانية والأخوة والصداقة التي سأظل طوال العمر أعتز بها، إلى جانب العرى الثقافية والاهتمامات الشعرية التي ربطت بيني وإياه ــ رحمه الله ــ بعد مشوار الصداقة وزمالة العمل في خدمة الوطن».
ولفت إلى أن «تعايش القصيبي مع مرضه طوال الفترة الماضية دلل أيضا على قوة بأس وشكيمة الراحل.. فما أتصل به أثناء فترة العلاج في الولايات المتحدة إلا وأجدني التقي مع صوت كله ارتفاع في المعنويات ومطمئن عن حاله لي. ثم أن ذلك البأس كان مترجما في مواصلته خدمة الفكر والأدب، وهو يقدم آخر ثلاثة مؤلفات في الفكر والثقافة والأدب خلال مرضه، والتي كانت أشارت صحيفة الجزيرة في عددها أمس عن آخر إبداعاته «يعقوب العريان» الذي سيلتقي به محبو أدب غازي بعد أيام».
وخلص وزير الثقافة والاعلام للقول: «رحم الله غازي الجميل في كل شيء.. وأسأل الله جلت قدرته الرحمة والغفران للفقيد الذي اختار له الله جل علاه هذه الأيام المباركة من الشهر الكريم. وأتقدم أخيرا ببالغ العزاء إلى المقام السامي الكريم بفقد عزيز علينا جميعا وعلى الوطن، كما أتقدم بالعزاء لأسرته ــ رحمه الله ــ و أسكنه فسيح جناته «إنا لله وإنا إليه راجعون».
ولا شك أن العلاقة التي تربط الدكتور عبد العزيز خوجة بصديقه الراحل الدكتور غازي عبدالرحمن القصيبي هي علاقة شاعر وأديب ومفكر قبل أن تكون علاقة مسؤول بمسؤول تجمعهما مهمات العمل كوزيرين، فالصورة التي يؤطرها مشهد جمع خوجة والقصيبي طوال ما يقرب من نصف قرن كانت مشحونة بالإبداع في شتى مناحي الحياة الاجتماعية والثقافية. فالشعر كان أهم الروابط بين العلمين والبحث في شؤونه وفنونه من أسماء وأعلام في العالم الحديث عربيا وعالميا، إضافة إلى عالم الشعراء الكلاسيكيين في التراث.
بفقد القصيبي تكون الحياة الثقافية اجتماعيا فقدت توأمة أديبين يراجع كل منهما ذاكرة وتأريخ الآخر، أما عن عرى الصداقة والالتقاء الاجتماعي بينهما فليس من مشهد مثيل لصداقتهما وحرثهما في دنيا الإبداع وتحقيق مصالح الوطن اجتماعيا وثقافيا.



أرفع خالص التعازي لولاة الأمر ــ حفظهم الله ــ في فقيد الوطن معالي الأخ الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي.. وإلى جميع أفراد أسرته.. سائلا المولى أن يتغمده بواسع رحمته وأن يدخله فسيح جنته وأن يلهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان.
مما لا شك فيه أن الموت حق على رؤوس العباد لقوله تعالى: «إذا جاء أجلهم لايستأخرون ساعة ولا يستقدمون»، «وكل نفس ذائقة الموت».. كما يقول الشاعر
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوما على آلة حدباء محمول
ولذلك لا نملك إلا التسليم بقضاء الله وقدره.
ولكن هناك من الأمور في إطار العلاقات الإنسانية ما يدعو لاستشعار الحزن وذرف الدمع بسبب الفراق الذي يضغط بلواعجه لفقد قريب أو صديق وبخاصة عندما يكون هذا الفقيد له إرث حافل بكل ما يسمو بالإنسان في عالم الفكر والسياسة والإبداع وفقيدنا العزيز عالم بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى وله مواهبه المتعددة التي تحكي عنها إصداراته السياسية والإدارية والأدبية ودواوينه الشعرية التي ترجمت إلى العديد من اللغات.. بالإضافة إلى تواضع العلماء الذي يجعل سلوكياته وتعامله مع الآخرين وإنجازته على المستوى الأكاديمي والوزاري والدبلوماسي.. ولذلك كان من الطبيعي أن يحظى بكل هذا الاحترام والتقدير لشخصه ولإنجازاته المميزة وقبل ذلك لمثله الإيمانية ودماثه أخلاقه ولحسن صنيعه ولترفعه عن الصغائر.
وفي هذا السياق فإن ما أعبر عنه لاينطلق من فراغ وإنما يستند إلى زمالة مبكرة على امتداد عدة عقود من السنين منذ أن شغل ــ رحمه الله ــ منصب عميد كلية التجارة آنذاك بجامعة الملك سعود حيث كنت عضو هيئة التدريس بالكلية.. كما عملت في معيته وكيلا لوزارة الصناعة والكهرباء عندما شغل حقيبة هذه الوزارة فكان على الدوام خلال تلك الحقبة لم أجد فيه إلا كل ما يسر الخاطر ويشرح الصدر لزمالة أخوية لاتنسى والعمل الجاد المخلص بروح الفريق الواحد الذي يهمه بالدرجة الأولى هو الإنجاز المميز لمصلحة الوطن وفق ما تطمح إليه الحكومة الرشيدة.. هذا قليل من كثير مما رغبت أن أعرض له في هذا اليوم الذي نودع فيه هذا الرجل إلى مثواه الأخير.. إنا لله وإنا إليه راجعون.

د. فؤاد عبد السلام الفارسي
وزير الحج



محمد العنزي ـ بيروت (هاتفيا)
أبلغ «عكاظ» مدير دار بيسان للطباعة والنشر في بيروت عيسى أحوش أن كتاب غازي القصيبي الأخير (الزهايمر) سيطرح في الأسواق غدا، مؤكدا أن وفاة القصيبي تعتبر خسارة كبيرة على المملكة وعلى الفكر والأدب.
وزاد أحوش «الوزير غازي القصيبي اتفق معي على طباعة كتابه الزهايمر ولم نكن نعلم لا أنا ولا الوزير أن كتاب الزهايمر هو الأخير»، مشيرا إلى أنه تسلم الكتاب من القصيبي بخط يده وعدد صفحاته نحو 60 صفحة.
وتابع أحوش أنه صف الكتاب وأرسله إلى الوزير القصيبي للتصحيح خلال الفترة الماضية، حيث صححه وراجعه وأعاد إرساله، حيث سلم قبل 17 يوما من الآن.
وعن صدور كتاب الزهايمر بعد وفاة القصيبي وتأثير ذلك على سعر الكتاب وانتشاره، قال أحوش: «إن السعر ثابت ولن يتغير ومحدد من قبل وهو ستة دولارات (نحو 23 ريالا)»، مشيرا إلى أن أي كتاب لكاتب في مكانة الدكتور القصيبي هو ناجح للقيمة الأدبية العالية التي يمثلها الدكتور القصيبي.
ويدور كتاب الزهايمر حول قصة يعقوب العريان الذي نسي اسم العطر الذي يهديه عادة لزوجته التي تصغره بسنوات كثيرة وذلك بسبب المرض.. فيسافر إلى أمريكا للعلاج ويبدأ بكتابة رسائل عدة لزوجته، لكنه توفي بسكتة قلبية فجأة ليرسلها بعد ذلك دكتوره المعالج جميعا إلى زوجته نرمين.








معتوق الشريف ــ جدة
الوزير الراحل غازي القصيبي مثال المسؤول الذي ترجم توجهات القيادة الحكيمة في التجاوب مع وسائل الإعلام، فكان أكثر الوزراء دبلوماسية في التعامل مع وسائل الإعلام، ربما انطلاقا من شاعريته المرهفة، وأدبه الجم في التعامل مع شخصيات رواياته، ودبلوماسيته السياسية، التي شكلت زاوية هذا التعامل.
«عكاظ» التي تتذكر الوزير عبر رسومات الزميلين (حسين باسويد، سالم الهلالي)، شاهدة على التواصل الراقي للفقيد مع الإعلاميين، لا سيما محرري وكتاب الصحيفة وتجاوبه معهم («عكاظ» ـــ 10/11/1430 هـ).
الوزير القصيبي الذي تابع كافة وسائل الإعلام مسموعة ومقروءة ومرئية، كان له الفضل في دعم بعض البرامج لاسيما البرنامج الإذاعي (مباشر fm) الذي كان يبث من إذاعة البرنامج الثاني في جدة، وهنا يذكر معد ومقدم البرنامج سلامة الزيد أن الوزير القصيبي أبلغه بأنه نقل إعجابه بالبرنامج لخادم الحرمين الشريفين الذي شمله برعايته ووجه المسؤولين في شؤون المواطنين في الديوان إلى متابعة البرنامج ورصد الحالات التي ترد فيه.
الوزير القصيبي رغم ما تقلده من مناصب وزارية شائكة، ومتشابكة، مع خدمات ومطالب المواطنين إلا أنه كان على علاقة وثيقة بوسائل الإعلام، رغم انتقادات رسامي الكاريكاتير في الصحف المحلية التي كانت تنتقد وتنصف الوزير بتضمين رسوماتهم صورته المبتسمة، التي لازمته في زياراته المفاجئة وحضوره المناسبات الشعبية كالطبق السعودي، والجرسون السعودي، ودعمه لبائعي التجزئة من الشباب السعوديين، إضافة إلى الملف الشائك الذي كان شغله الشاغل وهو ملف «عمل المرأة» الذي ناضل الوزير الراحل من أجل ترجمته على أرض الواقع.



آخر قصائد غازي القصيبي
بمناسبة انتقال السيف التاريخي (الأجرب).. من عرين (الصخير) إلى عرين (الرياض)..

رفيق الرجــــــالِ!.. سلاح الأبي!
سلام على حــــــــدك اليعربي
سلام عليك دخـــــــلت الحـروب
وليدا.. ومـــــــــــا زلت لم تتعــب
تفرق حين تـــــــــــراك العــــداة
لذلك ســــــــــميت (بالأجــــرب)
لئن كنــت في كنــــــف طـــــيب
فقد صــــــرت في كنـــــف طيب
وإن كنت ذخر المـــــــليك الهمـام
فإنــــــك ذخــــر أبي مـــــــتـعب
تنقل في العــــز بين العــــــروش
من الأغـلب الحـــــــر.. للأغـــــلب
تقرب ــ لا مثـــــــل ــ باقي السيوف
وتدني القـــــــريب إلى الأقــــرب
ربـــــــــوع اللآلي! حـــــماك الإله
ولا زلــــــــت في هــامة الكوكب
ويا قلعــة الدين! لن تغــــــلبــي
فخيــر البــــــــلاد.. بـــلاد النبـــيِ



فارس القحطاني ـ الرياض
قال نائب وزير العمل الدكتور عبدالواحد بن خالد الحميد، إن وفاة الأديب والشاعر والوزير الدكتور غازي القصيبي تشكل صدمة كبيرة ليس لمنسوبي وزارة العمل فقط بل على مستوى أبناء الوطن.
وقال لـ «عكاظ» إن الوزير القصيبي رغم متابعتي لحالته الصحية خلال رحلة علاجه لم يكن بالبعيد عن واقع ما يحدث في البلد، وأنه كان دائم الاهتمام بما يدور في الوزارة، وما يحدث من قرارات وتوجيهات تعنى بها الوزارة.
وأكد أن وفاة الشاعر والأديب والدكتور القصيبي سيكون لها وقعها على مستوى الوطن العربي، لما للفقيد من لمسات وأعمال أدبية وشعرية في مجال الثقافة والأدب، وأنه كان يشار له بالبنان في التأليف والرواية والأدب والشعر في الوطن العربي.
وأضاف أن فقيد الوطن عمل في العديد من مناصب الدولة الوزارية، وفقدانه يشكل فارقا لأنه كان صانع قرار، وكان صاحب مواقف تسجل له في التاريخ من خلال توليه العديد من المناصب في الدولة.
وقال الحميد إن القصيبي رجل دولة استثنائي من الطراز الأول، لم يبعده مرضه ورحلة علاجه عن ساحة الوطن وهمومه، بل كانت تتمثل أمامه ويعيشها يوميا، كما لم يغب عن الساحة الأدبية والشعرية فقد صدرت له قصته الأخيرة الزهايمر،التي تمثل أحدث الإصدارات للوزير الفقيد عندما كان في رحلة العلاج.
وبين الحميد أن الفقيد كانت له إسهامات على الصعيد الثقافي خلال فترة حياته، إذ أحيا العديد من الأمسيات الأدبية والشعرية، ولم يمنعه العمل والحقائب الوزارية من القيام بمسؤولياته في تقديم العديد من الأعمال الأدبية في الساحة الأدبية السعودية.
نعي وزارة العمل
ونعت وزارة العمل فقيد الوطن الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي وزير العمل، الذي انتقل إلى رحمة الله صباح أمس عن عمر يناهز السبعين عاما.
وقالت الوزارة إنه برحيل الوزير القصيبي يفقد الوطن واحدا من أبنائه البررة الذين تشرفوا بخدمته على مدى عقود عديدة في مختلف المجالات كان آخرها وزارة العمل.
وتقدمت الوزارة إلى خادم الحرمين الشريفين وولي العهد والنائب الثاني بأحر التعازي، سائلة الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وأن يدخله فسيح جناته.
وصلي على فقيد الوطن بعد صلاة عصر أمس في جامع الإمام تركي في الرياض ثم ووري الثرى في مقبرة العود في الرياض.



فارس القحطاني ـ الرياض
أكد وكيل وزارة العمل للشؤون العمالية عبدالرحمن بن سعد البواردي أن تلقي خبر وفاة الشاعر والأديب الدكتور غازي القصيبي وزير العمل كان مأساة يعيشها جميع منسوبي الوزارة وكذلك جميع المواطنين في هذا الوطن. وقال لـ «عكاظ» إن وفاة القصيبي خسارة كبيرة على الوطن والوزارة، مشيرا إلى أن الفقيد كانت له جهود كبيرة في عمله في الوزارة وتطويرها والنهوض بأدائها وإدخال التقنية والتكنولوجيا إلى أروقتها، كما أنه ذلل عقبات السعودة وحارب المتاجرة بالتأشيرات ووضع رؤيته في نظام العمل الجديد.
وأضاف أن القصيبي لم يكن بعيدا عن الوزارة وما يدور فيها من قرارات، وما يصدر من توجيهات في داخلها بل كان يتابع العمل فيها بشكل يومي.
وأضاف البواردي أن الوزير القصيبي، ومن خلال حياته العملية وتوليه العديد من المناصب الوزارية والمهمات الكبيرة كان رجلا صانع قرار، وكان أداؤه في تلك الوزارات عبر السنين مميزا، وكانت له بصماته التي لم ينساها كل من عمله مع الوزير في تلك الوزارات.
وبين البواردي أنه وخلال سنوات العمل التي تزامل فيها مع الفقيد كان العديد من الجهود التي بذلها الوزير الراحل في وزارة العمل، والتي ساهم بشكل كبير في تذليل العقبات التي تواجه توظيف السعوديين في القطاع الخاص، وكذلك كانت له إسهاماته في مجال الحد من تجارة التأشيرات، كما كانت للفقيد بصمة كبيرة ومهمة عندما صدر عام 1426هـ نظام العمل الجديد والذي كان يمثل رؤية الفقيد في هذا النظام وآلياته ولوائحه.



حمدان الحربي ـ جدة
أعرب عدد من رجال الأعمال عن حزنهم لوفاة الوزير الدكتور غازي القصيبي الذي عمل في خدمة الوطن عبر العمل في ثلاث وزارات معنية بالشأن الاقتصادي، أولاها وزارة الكهرباء ثم وزارة المياه، وأخيرا وزارة العمل.
وقالوا إن الوزير القصيبي كانت له بصمات واضحة في كل الوزارات التي عمل فيها.
إرساء ثقافة العمل الشريف
عبر نائب رئيس الغرفة التجارية الصناعية في جدة مازن محمد بترجي عن حزنه الشديد لوفاة وزير العمل الدكتور غازي القصيبي، داعيا الله له بالرحمة والمغفرة وأن يسكنه فسيح جناته.
وأكد بترجي أن الراحل له بصمات واضحة في توظيف الشبان، مضيفا «لقد كنت ملتصقا به في صندوق تنمية الموارد البشرية وقد كان يدير الصندوق بكفاءة عالية ويضع الحلول لكافة المشكلات والمعوقات التي تواجه الصندوق، وكانت له مشاركته الكبيرة في منتدى جدة الاقتصادي، ويحسب له أنه أول من خطى بسعودة القطاعات خطوات كبيرة إذ أنه وضع الحلول المناسبة لطالبي العمل وكذلك وضع حلول مناسبة لأصحاب الأعمال من خلال دراسة كل قطاع على حدة وتحديد احتياجاته بنسبة محددة وعدم الوقوف عند نسبة الـ30 في المائة التي كانت قد وضعت في فترة سابقة.
ولا يخفى على الجميع الدور الكبير الذي كان يقوم به في صندوق تنمية الموارد البشرية فقد تجاوزت موجودات الصندوق أثناء ترؤسه له الـ7 مليارات ريال ووصل حجم الصرف من الصندوق 2 مليار ريال سنويا وهو ما يعني الآلاف من فرص العمل للسعوديين».
من جهته عبر المهندس سليم الحربي عضو مجلس إدارة ا الغرفة التجارية الصناعية في جدة عن حزنه الشديد لوفاة وزير العمل الدكتور غازي القصيبي داعيا الله له بالرحمة والمغفرة وأن يسكنه فسيح جناته.
وأضاف الحربي أن الراحل أرسى الدعائم لكثير من المهن التي لم يكن للشاب السعودي منها أي نصيب من قبل، ولعل من أبرزها مهنة النادل، ويذكر الجميع عندما فاجأ القصيبي رواد أحد المطاعم وهو من يقدم لهم الوجبات، ليرسي بذلك ثقافة العمل الشريف لكل شاب سعودي.
إنجازات أكثر من أن تحصى
وعبر عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية في جدة الدكتور عبدالله مرعي بن محفوظ عن حزنه الشديد لوفاة وزير العمل الدكتور غازي القصيبي، وقال إن الوزير القصيبي كان رجل دولة من الطراز الأول، أعطى وأفنى حياته في خدمة دينه ووطنه ومليكه، لأجل كثير من المواطنين يدعون له بالخير على ما قدم لهم.
وأشار إلى أنه لا يمكن حصر الإنجازات الكبيرة التي حققها الوزير القصيبي في عجالة من القول، فإنجازاته منذ توليه وزارة الصناعة والكهرباء التي خطى بها خطوات كبيرة، ثم انتقاله إلى وزارة الصحة التي كان يقوم بالجولات التفتيشية المفاجئة على كافة المستشفيات، ثم دوره البارز في الدبلوماسية حين كان سفيرا لدى بريطانيا وأخيرا الإنجازات الكبيرة التي حققتها في وزارة العمل ولعل من أبرزها صندوق تنمية الموارد البشرية الذي دعم الكثير من المنشآت ولبى حاجات كثير من طالبي العمل.
في دفاتر المواطنين
«فقدنا علما من أعلام الفكر والثقافة والاقتصاد والتنمية»، بهذه الكلمات عبر رئيس مجلس إدارة شركة الغذائية ورجل الأعمال الدكتور تركي مسعود الحيدر، عن حزنه لرحيل الدكتور غازي القصيبي، الذي انتقل إلى جوار ربه أمس. وقال الحيدر، ترك غازي القصيبي وراءه إرثا سيجعل اسمه مخلدا في دفاتر المواطنين عموما والأدباء والمفكرين خصوصا، عرفناه رجل تنمية من الطراز الأول وهو الذي تقلد عددا من الوزارات واستطاع أن يحقق للمواطن والمقيم من خلالها الكثير من الخدمات الضرورية.
وأضاف الحيدر، كلنا نتذكر جهوده عندما تقلد مهمات وزارة الكهرباء آنذاك، وكيف استطاع وفي فترة قصيرة أن يخطط لإيصال الكهرباء إلى أعالي الجبال، والقرى والهجر، يتتبع المواطن أينما كان مسكنه، بعد رحلات مكوكية كان ينام خلالها في الصحراء ليلبي الاحتياجات ويقضي على الظلام الدامس الذي أرق كثيرا من السكان في أطراف المملكة.
وأوضح الحيدر، أن الكلمات تعجز عن أن تفي غازي القصيبي حقه وقدره، وهو الذي قدم حتى آخر أيام حياته للوطن والمواطن الكثير من الإنجازات في مختلف المجالات، وترك في النفوس أثرا عميقا بعد أن ترك في العقول بصمة عنوانها «الكفاح من أجل الوطن»، رحم الله غازي القصيبي رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، إنه سميع مجيب.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 10:02 AM
رسالة مؤلمة من إعلامية سعودية للقصيبي في يوم رحيله

كنت تناهز الموت وأنت تسعى في إجراءات زواجي
عبد الله عبيان ـ جدة

لم تقتصر إبداعات غازي القصيبي وجمالياته على نتاجه الشعري والروائي ولم يختصر الراحل تميزه في مجال عمله الإداري والسياسي بل إن شخصيته الفذة وإنسانيته لا تقل تميزا وإثارة عن نتاجه الإبداعي الفريد.
بهذه الكلمات استهلت الإعلامية ميساء غنيم حديثها عن الدكتور غازي القصيبي، مستحضرة أحد المواقف الإنسانية للراحل، عندما تقدم لها شاب بريطاني برغبة الزواج الذي أصبح فيما بعد رغبة مشتركة من الطرفين، بيد أن هذا المشروع الثنائي المدعوم بموافقة الأسرتين، سرعان ما تعطل لعدم وجود تصريح رسمي، ولكن تدخل الدكتور غازي القصيبي بإنسانيته وتفهمه ذلل الصعوبات.
ميساء عبرت لـ «عكاظ» عن حزنها لرحيل القصيبي، مستحضرة موقفه النبيل ووجهت له رسالة بللتها دموع الأسى، قائلة: «لم أكن أعلم يا دكتور غازي أنك كنت تناهز الموت، وأنت تسعى في إجراءات عرسي من صديق ابنك نجاد، ولم أكن أعلم أنك عندما علمت مدى حبي لروايتك (شقة الحرية)، وأني في المرحلة الإعدادية أجريت بحثا عنها من شدة إعجابي بها ،أخذت النسخة الأصلية من مكتبتك وكتبت عليها (إهداء خاص لابنتي ميساء) ليقينك أن هذا يسعدني، وأنت تتألم وتصارع المرض».
وزادت ميساء بألم «لم أكن أعلم أنك عندما استضفت خطيبي في بيتك وكنت تنصحه بكيفية إنشاء حياة سعيدة، وأن عليه أن يحسن عشرتي ولم تبخل عليه بنصائح عن السعادة الزوجية، كنت تغادر الحياة».
واستمرت الإعلامية ميساء غنيم في رسالتها مجسدة إنسانية الراحل وهي تروي بعض التفاصيل الدقيقة في تلك القصة، وأضافت «حتى عندما اشتد عليك المرض وساءت حالتك الصحية ومكثت لفترة في مستشفى في لندن، وكنت أنتظر وأسأل عن أخبارك الصحية، وعلمت أن حالتك خطرة، وأجلت التفكير في إجراءات عرسي، لأن صحتك كانت الأهم وكنت أدعو الله لك بالشفاء وأتابع أخبارك الصحية ولكنك فاجأتني بسؤالك فور خروجك من المستشفى .. ماذا حدث في إجراءات عرس ميساء؟.. أنت من بادر بالسؤال عني، لم أكن أعلم أنك كنت على مشارف الموت وأنت تسعى لتحقق السعادة لي».
ولفتت ميساء غنيم إلى أن إيمان القصيبي القوي يعد درسا في الحياة، وقالت موجهة كلماتها للراحل «أنت لم تجزع من خطورة المرض، وقضيت أيام مرضك ساعيا في قضاء حوائج الناس، ربما كان يقينك بأن الله سخر أناسا لقضاء حاجات أناس آخرين جعلك تشعر أنك لن تبدد يوما دون أن تقضي فيه حاجات الناس للحظة الأخيرة».
واختتمت ميساء رسالتها للدكتور غازي قائلة: «كنت أول من سيحضر عرسي يا دكتور غازي، ولكن قدر الله وما شاء فعل، ونحن لا نعلم أين الخير، لكني متيقنة أن وجود شخص مثلك نادر جدا في الحياة، ولن أنسى فضلك يا دكتور غازي، وأنا على يقين أني واحدة من آلاف الأشخاص الذين مددت لهم يد العون والمساعدة، سأدعو لك ما حييت، وبإذن الله سأسمي ابني غازي وسأربيه ليصبح غازيا للقلوب مثلك.. رحمك الله يا دكتور غازي».

عبدالله الصغير
08-16-2010, 10:03 AM
وزراء زاملوا الفقيد لـ «عكـاظ»:

القصيبي ترك لنا كتابا مفصليا في علم الإدارة
حازم المطيري ـ الرياض

قال الدكتور علي طلال الجهني وزير الاتصالات الأسبق، إنه عاصر الفقيد الدكتور غازي القصيبي، ووصفه بأنه أحد المقربين له، وقال «كانت علاقتي به علاقة أخوية امتدت لـ 30 سنة مضت، كنا خلال هذه السنين متفقين في الآراء والترابط الموجود بيننا في النظرة للخدمة العامة، والقوة في إصدار القرارات ونظرتنا أيضا للنزاهة في العمل الخدمي، مشيرا إلى أن الأماكن التي تحتاج مثل هذه الصفات يتطلب لها رجل قوي الشكيمة وغير متردد في قراراته ولا تهمه المصالح الشخصية، وهذا ما رأيناه في الوزير غازي القصيبي غفر الله له، مشيرا إلى أن الفراغ الذي سيتركه الفقيد سيملؤه كتابه (حياة في الإدارة)، الذي أصبح كتابا مفصليا في علم الإدارة وعلى مستوى الخدمات .
وأضاف أن الفقيد كان يتميز بالكثير من الصفات التي كان يعمل بها دائما؛ منها النخوة والصدق والنزاهة والوفاء والإنسانية المتدفقة، وقال «إن غازي شخصية وطنية لو قارنته بالأدباء لوجدته أكبر منهم، كنا متفقين فيما نقرأ من كتب وروايات فقد كان يزودني بالكتب الجديدة، إنه رجل نخوة يحب أصدقاءه ومن أوفى الناس معهم، يحب أبناءه. مضيفا أن الفقيد كان يردد دائما بأن الإنسان (محل ما يموت يجب أن يدفن).
من جانبه أوضح محمد أبا الخيل وزير المالية الأسبق الذي عاصر الفقيد في مجلس الوزراء، أن ما حققه الوزير الشاعر والأديب والأخ غازي القصيبي في حياته من إنجاز وإبداع وخدمة خالصة لبلاده ما هي إلا صفات الشخصية القيادية القوية التي تمنح العمل الخدمي مكانة ليصل إلى الناس، مشيرا إلى أن الفقيد منحه الله سبحانه وتعالى مقدرة فائقة في مجالات متعددة استخدمها كلها على أحسن وجه في سبيل الخدمة الوطنية العامة والإنجاز الفكري. وقال أبا الخيل إن الله منح الفقيد محبة الناس، وفوق ذلك كان إيمانه ثابت وحريص على العمل الصالح، رحم الله غازي وأثابه على ما حققه في حياته من إنجاز وإبداع وخدمة خالصة وناجحة لبلاده.
وقال محافظ هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات الدكتور عبدالرحمن الجعفري إن وفاة الوزير والشاعر والأديب والأخ غازي القصيبي مصاب جلل ألم بنا جميعا، استقبلت خبر وفاته بأسى، حيث كان هذا اليوم مغلوبا بالحزن والدموع.
وأضاف القصيبي علم من أعلام هذه الأمة، قطع حياته في خدمة وطنه وأمته، بفقده فقدت صديقا عزيزا، وفقد الوطن رجلا نذر حياته لخدمة وطنه. مشيرا أن الدكتور كان واضعا بوصلة فكره في كل ما قام به من عمل لرفعة المملكة في إطار أمته العربية والإسلامية، دوّن بقلمه الكثير من مراحل مخاض أمته العربية، كان مثالا لروح الأمة المتجددة التي تسير نحو الأفضل والطامحة إلى أن تكون بين الأمم أمة ذات مكانة رفيعة جديرة تستحقها. مضيفا أن الوزير القصيبي هو رجل سوف نفتقده في المملكة وسوف تفتقده الأمة وسيخلد في التاريخ، غفر الله له ورحمه.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 10:04 AM
سفراء سعوديون في الخارج لـ «عكـاظ» :

دافع عن قضايا المملكة في المحافل الدولية
فهيم الحامد ـ جدة
اعتبر عدد من السفراء السعوديين في الخارج أن الفقيد غازي القصيبي كان من الدبلوماسيين المحترفين واللامعين، حيث ساهم بشكل كبير في الدفاع عن قضايا المملكة، ودعم القضايا العريية والإسلامية في المحافل الدولية.
وأفادوا في تصريحات لـ «عكاظ»، أن القصيبي لعب دورا إيجابيا في توضيح مواقف المملكة الإيجابية إزاء تعزيز الأمن والسلم، ليس في المنطقة وحسب، بل في العالم، فضلا عن دوره في تكريس ثقافة الاعتدال والتعايش السلمي والسلام وحوار الحضارات.
وأوضح السفير السعودي في بيروت علي عسيري أن القصيبي ــ رحمه الله ــ كان من السفراء السعوديين الذين مثلوا المملكة خير تمثيل في المحافل الدولية وشارك بإيجابية في دعم مواقف المملكة في تعزيز السلام في الشرق الأوسط وتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني ومكافحة الإرهاب داخليا وخارجيا.
وتابع قائلا إن الفقيد يعتبر من أخلص رجالات المملكة، وبوفاته خسرنا شخصية لامعة ومهمة، مؤكدا أن حالة الحزن على وفاته ليست للمملكة فقط، بل هناك حالة حزن عربية.
وأشار أن الفقيد كان له فضل كبير في تطوير وتدعيم العلاقات السعودية البريطانية إبان تقلده منصب سفير المملكة في لندن، موضحا أن القصيبي خدم بلاده بكل إخلاص وتفان، ولقد كان ــ رحمه الله ــ شخصية محنكة من طراز فريد.
من جهته، أفاد السفير السعودي في بنجلاديش الدكتور عبدالله البصيري أن الفقيد كان من الدبلوماسيين المحنكين، وترك بصمات إيجابية في مجال السلك الدبلوماسي وساهم في توضيح مواقف المملكة الداعمة للحق على المستوى العربي والإسلامي والدولي.
وأضاف أن الفقيد تقلد منصب السفير السعودي في بريطانيا في حقبة تاريخية مهمة، وحظي بفائق الاحترام والتقدير في محيط السلك الدبلوماسي لجهوده في دعم قضايا الأمتين العربية والإسلامية في المحافل الدولية. وقال إن الفقيد كان علما من أعلام الدبلوماسية السعودية في الخارج، ومشهودا له بالتفاني والحكمة والإخلاص والسداد والرؤية الثاقبة. أما السفير السعودي في نيودلهي فيصل بن طراد قال لقد قدم الفقيد ثمرة شبابه ورهن حياته لخدمة بلاده وتحمل المسؤوليات الجسام خلال مشواره السياسي الطويل، مدافعا عن وطنه وأمته العربية والإسلامية، موضحا أنه كانت للفقيد مساهماته الواضحة والجلية في إرساء السلام والحرص على تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني المشروعة، ودعم مواقف المملكة في المحافل العربية والدولية.
وقال لقد فقدنا الدبلوماسي والأديب والإنسان والشخصية التي جمعت مابين الثقافة والأدب والدبلوماسية والإدارة. وقال لقد فقدنا صديقا وأخا عزيزا وواحدا من أبناء المملكة المخلصين والذي سيفتقده الوطن. وعزاؤنا أنه في المثوى المعد للرجال الصالحين الذين تبقى ذكراهم حية في القلوب.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 10:05 AM
معاصرو القصيبي في الصحة: لم يكن مركزيا
محمد داوود ـ جدة
أبرز الأطباء الذين عاصروا وزير الصحة الأسبق الدكتور غازي القصيبي الجهود التي بذلها في نقل الصحة إلى عالم الإنجازات أثناء توليه مهام الوزارة، وتمكنه في الوقت نفسه من قتل الروتين في أروقة المستشفيات.
ولفتوا إلى أن أهم ما كان يتميز به القصيبي هو عدم المركزية في إدارة الأمور أو اتخاذ القرارات، فكان يرحب بآراء من يعملون حوله.
نقلة نوعية
رأى مدير عام المكتب التنفيذي لصحة الخليج الدكتور توفيق أحمد خوجة أن رحيل وزير الصحة الأسبق غازي القصيبي خسارة كبيرة، فقد كان الوزير الإنسان يتمتع بفكر إداري، حيث استطاع من خلال الوزارات التي تولاها الصحة، الصناعة، المياه والكهرباء، والعمل أن يضع بصماته، وأخص بالذكر الصحة التي شهدت الكثير من الإنجازات واللبنات الأولى.
خوجة أكد أن الوزير كان يتمتع بروح مرحة في التعامل مع الآخرين وخصوصا المرضى، وحريصا على استقبال المراجعين في مكتبه، كما أن مخاطباته الرسمية مع الإداريين كانت تحمل الطابع الأدبي الراقي بعيدا عن التوبيخ أو الشدة في اللهجة.
إعادة الهيكلة
وقال الدكتور أحمد عاشور، أحد الذين عاصروه في وزارة الصحة، إن علاقة القصيبي مع الوسط الطبي لم تكن علاقة رسمية بل علاقة أبوية وأخوية، حيث كان حريصا على كسب محبة الناس من خلال دماثة أخلاقه وتعامله الراقي.
وأضاف «شهدت الصحة إبان توليه مهام الوزارة انطلاقة تحول كبيرة، ولا أخفي إن قلت إن الصحة آنذاك كانت تعاني من وجود الكثير من التحديات أبرزها الروتين الممل، والحاجة إلى إعادة ترتيب هيكلة المستشفيات، وخلال فترة زمنية قصيرة استطاع الوزير الإنسان أن يترك بصمة كبيرة في الصحة، حيث نقلها إلى عالم الإنجازات وأعاد ترتيب أوراق الهيكلة ووضع الكثير من الخطط التطويرية التي تحسب له».
وأشار عاشور إلى أن القصيبي كان يحرص على الجولات الميدانية للوقوف على متطلبات الصحة، وكان همه الوحيد هو قتل الروتين، وأن يجد المرضى كل رعاية واهتمام والعلاج اللازم، وبالطبع استطاع من خلال شخصيته الإنسانية والاجتماعية وهيبته في إدارة الأمور أن ينقل الصحة نقلة جذرية، فكان يشجع ويقدر الأعمال الفردية التي تخدم مصلحة الصحة، وأهم صفة تميز بها أنه لم يكن مركزيا، بل كان يشارك الآخرين في آرائهم، كما كان يمتلك البعد المستقبلي في إدارة الأمور.
بصمة إنجازات
وفي السياق نفسه قال مدير عام المركز السعودي لزراعة الأعضاء الدكتور فيصل عبدالرحيم شاهين، الوزير الإنسان غازي القصيبي لم يكن وزيرا فقط بل إنسانا بمعنى الكلمه، والفترة الذهبية التي قضاها في الصحة سجلت بصمة واضحة لإنجازاته، فكان همه الوحيد في تلك الفترة هو نقل الصحة من الحالة المتواضعة إلى حالة أفضل، وبالطبع استطاع الوزير أن يعيد هيكلة الصحة بتعاون الجميع، وبدأت بعد ذلك الانطلاقة الحقيقية للصحة. وأكد شاهين، أن القصيبي كان يرحب بأي اقتراحات أو أعمال يتقدم بها الأطباء والإداريون من شأنها تطوير المستشفيات أو المراكز الصحية أو أقسام المستشفيات طالما أن العمل يخدم المصلحة العامة.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 10:25 AM
http://www.aawsat.com/details.asp?section=1&issueno=11584&article=582560

عبدالله الصغير
08-16-2010, 10:30 AM
الوزير الذي خرج من مكتبه الفاخر إلى ساحات العمل





عبد العزيز الفكي من الدمام
رحل الدكتور غازي بن عبد الرحمن القصيبي عن عمر يناهز 70 عاما وفي جعبته كثير من الطموحات والآمال التي كان يحلم أن يقدمها لأبناء شعبه الباحثين عن فرص العيش الكريم. رحل الدكتور القصيبي بعد أن منح أبناء هذا الوطن القوة والثقة بالنفس وطريق أبواب الرزق الحلال من أضيق أبوابه. ولعل وجود القصيبي بين الحين والآخر بين أبنائه في مواقع عملهم في المطابخ والورش والصناعات الحرفية البسيطة، دليل على حرصه على تمكين أبناء شعبه من فرص العيش الكريم.

لم يحل الدكتور غازي القصيبي بمكان أو موقع، وزاريا كان أو أكاديميا إلا وترك بصماته واضحة بفضل حنكته الإدارية ودبلوماسيته الرصينة في معالجة الأمور والقضايا. عرفته القاعات العملية والأكاديمية بثرائه العلمي الفياض وأسلوبه المميز، وربطته علاقات وطيدة وممتدة مع طلابه.

أحدث نقلة نوعية في جميع المواقع التي عمل فيها وتولى مهام تسيير شؤونها، لكن ما أحدثه في وزارة العمل منذ توليه مقاليدها عام 2005م يستحق الوقوف عنده، فمن منا لم ير الدكتور غازي القصيبي وهو بين أبنائه السعوديين الباحثين عن فرص العمل الشريف ـــ الذي كان حتى سنوات قريبة عيبا اجتماعيا في نظر المجتمع السعودي.

كان ـــ رحمه الله ـــ حريصا على غرس حب العمل في نفوس الشباب السعودي؛ فتجده يوميا بين شباب سعوديين انخرطوا في مجال الطبخ والنجارة والصناعات البسيطة.

يقضي يومه بين هؤلاء الشباب الراغبين في طرق أبواب الرزق الحلال، سعى جاهدا ـــ رحمه الله ـــ إلى تطبيق سياسة سعودة الوظائف الإدارية والفنية والمالية، وظل دوما يضع ثقته في الشباب السعودي ويؤكد مقدرتهم على العطاء في جميع المجالات التي يقتحمونها ليثبتوا أنهم سواعد الوطن.

لم يتسمر القصيبي ـــ رحمه الله ـــ في مكتبه عندما عمل وزيرا للعمل، بل خرج للشباب تلمس همومهم ومشكلاتهم، وعرف حينها أن الشباب السعودي مكافح يحرص على العمل الشريف. لم يتركهم وحدهم يواجهون مصيرهم، بل سعى معهم جنبا إلى جنب للبحث عن فرص العمل فطرق أبواب شركات القطاع الخاص واستطاع أن يستميل كثيرا من هذه الشركات حتى تحرص على توفير فرص عمل كريم لأبناء هذا الوطن المتطلع إلى مستقبل مشرف. كان في بعض المرات يتبع أسلوب الشدة في حال لمس هنالك تراخيا من قبل هذه الشركات تجاه أبناء الوطن فيصدر القرارات لا ليضيق بها الربح على هذه الشركات، بل حتى يضمن فرص عمل لأبناء الوطن. لم يبتعد بساسته الحكمية واللينة وهو يخطو كل خطوة تجاه شركات القطاع الخاص، فكان نصيرا لها إن هي اهتمت بأبناء وطنها ووفرت لهم سبل العيش الكريم، فتجده مكرما لهما حريصا على مشاركتها جميع الفعاليات التي تدعم قطاع السعودة.

يبقى ألا نغفل للدكتور غازي القصيبي إسهاماته عندما كان أستاذا مشاركا في كلية التجارة بجامعة الملك سعود في الرياض وعميد كلية التجارة بجامعة الملك سعود والمؤسسة العامة للسكك الحديدية ووزيرا للصناعة والكهرباء ووزيرا للصحة، إلى جانب إنجازاته المقدرة في السلك الدبلوماسي حيث عين سفيرا للمملكة في البحرين وسفير المملكة في المملكة المتحدة.

وإن كان للقصيبي ـــ رحمه الله ـــ كثير من الإسهامات والإنجازات في المناصب التي عمل فيها، فهنالك إسهامات تقف شاهدة على إبداعه الأدبي والشعري والثقافي، فلديه مؤلفات في الشعر والرواية ومؤلفات وكتب أخرى متنوعة في كثير من المجالات الأدبية والثقافية.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 10:30 AM
انخرط في العمل في سن الـ 25 وتقلد أول وزارة وعمره 37 عاما
القصيبي من أستاذ في كلية «التجارة» إلى وزير 4 مؤسسات حكومية وسفير





فهيد الغيثي من الرياض
عرفه السعوديون رجل دولة خدم على مدى أربعة عقود وأربع سنين في أربع وزارات كان شبه المؤسس لها، وسفيرا بنى للمملكة علاقات متميزة في الدوائر الغربية، ليس ذلك فحسب بل عرفه السعوديون أديبا وشاعرا ومفكرا صنع "شقة الحرية" وراويات أبو شلاخ البرمائي.

تقلد وزارة الصناعة والكهرباء فأسس بنيانها وهي تخطو خطواتها الأولى، وأضاء بخططه المستنيرة شوارع وطرقات ومنازل السعوديين. وكان ذلك في بدايات السبعينيات الميلادية، ثم تسنم حقيبة الصحة، فحاصر الأمراض وطور المستشفيات، ونشر مراكز الرعاية على جغرافية المملكة الممتدة، ثم مالبث أن تسلم مهمة العلاقات الدولية سفيرا للمملكة في لندن، عاد بعدها وزيرا للمياه والكهرباء، فساعد على بناء السدود وتطوير خطط استخراج المياه، ليقف الزمن به أمس وزيرا للعمل وأبا لمشروع وطني أطلقه عام 2005 وهو " السعودة".

عرفه السعوديون أيضا رجل إدارة ومؤلف كتب وله في ذلك "التنمية وجها لوجه"، وعشرات المؤلفات في الشعر والنقد والنثر .. اتسم بالجرأة في طرح الرأي والسجالات الصحافية فكتب الكثير وأزعج القليل.

بدأ الدكتور والشاعر والمؤلف الروائي والأديب غازي بن عبد الرحمن حسن القصيبي وزير العمل، مسيرته العملية بالعمل كأستاذ مساعد في كلية التجارة في جامعة الملك سعود في الرياض، وهو في عمر 25 عاما، وذلك في عام 1385 (1965) ميلادية، إذ قضى في السلك التعليمي ـ وخصوصا كلية التجارة ـ نحو خمسة أعوام كان حينها أستاذا وموجها وتربويا، شهدت له ردهات وجنبات الكلية التي عمل فيها أستاذا مساعدا آنذاك، قبل أن يتوجه إلى العمل كمستشار قانوني في مكاتب استشارية خاصة، ليواصل بذلك عمله كمستشار في وزاراتي الدفاع والطيران والمالية، إضافة إلى معهد الإدارة العامة.

في عام 1391 (1971) ميلادية عمل القصيبي عميدا لكلية العلوم الإدارية في جامعة الملك سعود وهو لم يكمل 31 عاما. أسهم في تلك الفترة في تعزيز المفاهيم الإدارية من خلال تطوير المناهج والمشاركة في الندوات والمؤتمرات التي كان لها الدور الكبير في إثراء كلية العلوم الإدارية آنذاك، إلا أن التطوير والتميز الذي حظيت به الكلية آنذاك لم يدم طويلا، حيث انتقل القصيبي عنها بعد أن قضى فيها نحو ثلاثة أعوام ليعمل بعد ذلك كمدير للمؤسسة العامة للسكك الحديدية عام 1393 (1973) وعمره 34 عاما، حيث عمل فيها ثلاثة أعوام. واختير خلال فترة إدارته للسكك الحديدية سكرتيرا للمجلس الأعلى للبترول، كما اختير نائباً لرئيس المجلس البلدي في الدمام، وعضواً في مجلس إدارة صندوق التنمية العقارية، كما عيّن عضواًَ في مجلس إدارة الشركة العربية للاستثمار، إضافة إلى تعيينه عضواً في المجلس الأعلى للشباب والرياضة.

بعد ذلك تقلد القصيبي وزارة الصناعة والكهرباء عام 1396 (1976 ) وعمره 37 عاما، قدم خلالها مشروع نظام الشركة السعودية للصناعات الأساسية وأصبح أول رئيس لمجلس إدارتها، كما قدم مشروع نظام المؤسسة العامة للكهرباء وأصبح أول رئيس لمجلس إدارتها.

في عام 1982 عين القصيبي وزيرا للصحة، وكان عمره آنذاك 44 عاما، قدم خلال تلك الفترة مشروع المركز السعودي لزراعة الأعضاء، وكان أول رئيس لمجلس إدارته، كما أنشأ جمعية مكافحة التدخين، وكان أول رئيس لمجلس إدارتها، كما تولى رئاسة مجلس إدارة الجمعية السعودية للهلال الأحمر، في حين شارك في مؤتمر قمة عربي، ومؤتمر قمة خليجي، كما أسهم في تأسيس لجان " أصدقاء المرضى " وأشرف على نشاطاتها.

ولم يمكث القصيبي في وزارة الصحة سوى عامين، بعدها انتقل للعمل كسفير للمملكة في البحرين عام 1984، وشارك خلال تلك الفترة في مؤتمر قمة خليجي، وفي مؤتمرين لوزراء خارجية الدول الإسلامية.

في عام 1992 عين الوزير الأديب سفيرا للمملكة لدى بريطانيا، وظل سفيرا فيها أكثر من عشرة أعوام، حيث تعد أطول فترات عمله المختلفة. وقام خلال تلك الفترة بتمثيل المملكة في مؤتمرات لندن وجنيف الدولية المتعلقة بالبوسنة، فيما عين أستاذاً فخرياً زائراً في جامعة إكستر، كما اختير عضواًَ فخرياً في معهد الأمير تشارلز للعمارة. وإضافة إلى مهامه في السفارة، تولى رئاسة مجلس أمناء أكاديمية الملك فهد، كما عيّن عضواً في مجلس إدارة المعهد الدبلوماسي في وزارة الخارجية السعودية، حيث اختير أيضا كعضو لمجلس إدارة جمعية الصحة النفسية " سين ". وأخيرا تولى رئاسة جمعية الصداقة البريطانية السعودية.

في عامي 2002 و2003 عين القصيبي بعد عودته من لندن، وزيرا للمياه آنذاك. وتولى خلال فترة عمله تلك رئاسة مجلس إدارة المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة، إلى أن ضمت وزارتي المياه والكهرباء لتصبح وزارة واحدة حيث أصبح وزيرا عليها بالاسم الجديد بين عامي 2003 و2004، وتولى خلال تلك الفترة رئاسة مجلس إدارة المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة، رئاسة مجلس إدارة الشركة السعودية للكهرباء، ورئاسة مجلس إدارة هيئة تنظيم الخدمات الكهربائية.

من عام 2004 وزيرا للعمل وحتى رحيله إلى مثواه الأخير أمس (الأحد)، حيث رأس خلال فترة حياته: مجلس إدارة المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، مجلس إدارة المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني، مجلس إدارة صندوق تنمية الموارد البشرية.

وحصل الوزير الأديب على أوسمة عالية من 12 دولة عربية وأجنبية هي: السعودية، الكويت، قطر، البحرين، المغرب، ألمانيا، فرنسا، إسبانيا، السويد، فنلندا، إندونيسيا، فنزويلا.

الجدير ذكره أن الوزير الراحل ولد في الأحساء 2 آذار (مارس) 1940م، ومتزوج منذ عام 1968 ميلادية ولديه يارا وسهيل وفارس ونجاد.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 10:31 AM
ورحل فارس الكلمة.. نزيه اليد ونظيف القلب





رحل أمس غازي القصيبي وزير العمل والشاعر بعد حياة مهنية وصفها نعي بيان الديوان الملكي بـ"المخلصة"، دفن في مقبرة العود، بعدما أديت الصلاة عليه في جامع الإمام تركي بن عبدالله في الرياض، تقدم المصلين الأمير سطام بن عبدالعزيز أمير الرياض بالإنابة وحشود من المصلين.

بدأ الدكتور و الشاعر والمألوف الروائي والأديب، مسيرته العملية بالعمل كأستاذ مساعد في كلية التجارة في جامعة الملك سعود في الرياض وهو في سن الـ 25 عاما وذلك في عام 1385 (1965) ميلادية ، إذ قضى في السلك التعليمي، وخصوصا كلية التجارة، نحو خمسة أعوام كان حينها أستاذا وموجها وتربويا.

تقلد القصيبي وزارة الصناعة والكهرباء عام 1396 (1976 ) وعمره 37 عاما، قدم خلالها مشروع نظام الشركة السعودية للصناعات الأساسية وأصبح أول رئيس لمجلس إدارتها، كما قدم مشروع نظام المؤسسة العامة للكهرباء وأصبح أول رئيس لمجلس إدارتها.

في عام 1982 عين القصيبي وزيرا للصحة، وكان عمره آنذاك 44 عاما، قدم خلال تلك الفترة مشروع المركز السعودي لزراعة الأعضاء، وكان أول رئيس لمجلس إدارته، كما أنشأ جمعية مكافحة التدخين وكان أول رئيس لمجلس إدارتها، كما تولى رئاسة مجلس إدارة الجمعية السعودية للهلال الأحمر، في حين شارك في مؤتمرات قمة عربية وخليجية ومثل المملكة في محافل دولية، كما ساهم في تأسيس لجان "أصدقاء المرضى" وأشرف على نشاطاتها.

عندما تقلد وزير العمل في عام 2005 لم يستمر في مكتبه، بل خرج للشباب تلمس همومهم ومشكلاتهم وعرف حينها أن الشباب السعودي مكافح يحرص على العمل الشريف. لم يتركهم وحدهم يواجهون مصيرهم، بل سعى معهم جنبا إلى جنب للبحث عن فرص العمل، فطرق أبواب شركات القطاع الخاص واستطاع أن يستميل كثير من هذه الشركات حتى تحرص على توفير فرص عمل كريم لأبناء هذا الوطن المتطلع إلى مستقبل مشرف. كان في بعض المرات يتبع أسلوب الشدة في حال لمس هنالك تراخيا من قبل هذه الشركات تجاه أبناء الوطن، فيصدر القرارات لا ليضيق بها الربح على هذه الشركات، بل حتى يضمن فرص عمل لأبناء الوطن.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 10:57 AM
رحيل عراب الأدب والوزارات السعودية
الآلاف شيعوا غازي القصيبي في الرياض
إيلاف - عبدالله آل هيضه من الرياض
gmt 17:30:00 2010 الأحد 15 أغسطس


شهادات كتَاب وشعراء ونقّاد لبنانيين في معالي الشاعر د.غازي القصيبي

المنامة تبكي تلميذها وسفيرها غازي القصيبي

وفاة الأديب غازي القصيبي بعد معركة مرهقة مع السرطان

مثقفون ومفكرون وأدباء يتحدثون عن رحيل الأديب الاستثنائي

شيع السعوديون الأديب الدكتور غازي القصيبي الذي توفي صباح اليوم الأحد مع رحلة طويلة ومضنية مع مرض سرطان المعدة. وصلى على روحه الآلاف من السعوديين في جامع الأمام تركي وسط العاصمة السعودية الرياض وسط حضور رسمي يتقدمهم أمير منطقة الرياض بالنيابة الأمير سطام بن عبد العزيز وأم الصلاة مفتي السعودية عبدالعزيز آل الشيخ.

الرياض: حملت مغادرة الوزير السعودي غازي القصيبي ردود فعل متباينة من أوساط الشارع السعودي بكل أطيافه من نخبه وبسطائه ووصلت هذه المشاعر إلى قطاعات التلفزة والإذاعة التي بدأ العديد منها بنشر لقاءات وندوات ومحاضرات أجريت للفقيد القصيبي.

وحملت عدد من المواقع الإليكترونية والمنتديات ردود الفعل بعد وفاة الأديب والوزير السعودي وهو الذي تدرج من الوزارة إلى السفارة والعكس، أولى هذه الردود ما سجله وزير الثقافة والإعلام السعودي عبدالعزيز خوجة الذي قال في صفحته عبر (الفيس بوك) متأثرا بهذا الخبر الذي لم يستطع أن يكمل تعليقه " اليوم خسرنا فريقاً من الرجال اجتمعوا في رجل واحد هو غازي القصيبي: غازي الإنسان.. غازي الإداري.. غازي الدبلوماسي..غازي الأديب. وداخل غازي الأديب خسرنا أكثر أديب: غازي الشاعر.. غازي الكاتب.. غازي الروائي.. غازي الساخر. إنني لا أستطيع أن أكمل. إنا لله وإنا إليه راجعون".


مآثر وإنجازات الراحل القصيبي يتذكرها السعوديون بكافة أجيالهم فهناك من يستذكره إبان عمادته لكلية التجارة بجامعة الملك سعود بالرياض ودوره الكبير في تخطيطه الرئيسي لإعادة النهوض بهذه الكلية حين يتذكرها أحد دارسيها الذي يقول أن القصيبي دائما ما كان يردد عبارة (إذا أردت أن تقتل مسئولا فأعطه كرسيا بلا صلاحيات) ويقول الدكتور الذي داهمته عبرته في حديثه "لإيلاف" أن أبا سهيل من الذين عانوا وتجرعوا مرارة البيروقراطية الحكومية منذ وقت طويل وحاول بقدر استطاعته أن يتجاوزها أحيانا.


القصيبي الذي تجرع مرارة بعض التيارات في الأوساط السعودية خصوصا تلك التي تناديه دائما بالرجل التغريبي إلا أنه كان دائما ما يود إنشاء ساحات الحوار وتوفير الأرضية المشتركة للتعايش مع كل الاختلافات حسب ما قاله أحد المقربين له في حديثه "لإيلاف" وأضاف أنه كان يود الوصول إلى القصيبي الذي تم منع الزيارة أثناء وجوده بالمستشفى التخصصي منذ أكثر من شهر الا أنه كان يسهب بالحديث عن أعماله الخيرية التي رسمت البسمة خصوصا من أولئك الذين يعدون من أصحاب الاحتياجات الخاصة الذين يتربعون على مقاعد في قلب الراحل القصيبي.

وأضاف أن القصيبي رجل صنع التاريخ واستطاع أن يصل إلى أعلى المراتب من خلال أدائه وجهده وعمله وحبه الكبير لوطنه رغم الانتقادات التي توجه إليه إبان عمله بالعديد من الوزارات ومنها وزارة المياه والكهرباء وآخرها وزارة العمل التي أرقته كثيرا على حد وصفه، وأضاف مفضلا عدم ذكر اسمه أن القصيبي رحل بهدوء تاركا أعماله الكبرى تحكي قصصا لأجيال عن أديب وإداري فذ.

العديد من المدونين السعوديين حفلت مدوناتهم بذكر مآثر هذا الرجل الكبير بأعينهم وقال أحدهم أن القصيبي الذي رحل رحلت معه أجيال من الإبداع والتأثير وأضاف آخر في مدونة أخرى أن القصيبي هو المسئول الوحيد الشجاع الذي يقول رأيه بكل جرأة وقوة وإن حدث التقصير فهو أول من يعترف به.

ويبدو أن وزارة العمل السعودية التي كانت هما كبيرا للوزير المغادر وزارته بأمر من الأقدار التي قادته للمغادرة وهو على رأس العمل كأول الوزراء السعوديين الذين يغادرونها بهذه الطريقة هي الوزارة التي لقي فيها الكثير من المؤيدين والعديد العديد من المعارضين خصوصا من بعض التجار الذين أرادوا التكسب بطرق عديدة من خلال تأشيرات العمالة وهي الهدف الذي رمى القصيبي إليه سهامه لإبطاله وأسماها حرب التأشيرات وقام معها هؤلاء التجار بالمطالبة بإقالة القصيبي لتعارض خططه مع المصلحة العامة على وصفه إلا أن الشاكرون لعطائه تجاوزا منتقديه.

المرافق الخاص للوزير والأديب القصيبي عبدالحميد عبده قال في حديث "لإيلاف" أنه لم ير بحياته مثل هذا الإنسان الذي يهتم به وبغيره من العاملين لديه اهتماما كبيرا وهو الذي ينفق دون أن تعلم يمينه ما تنفقه شماله على حد وصفه. وقال في حديثه بنبرة صوت متحسر على ضياع أساسه كما قال "هو العظيم بكل شيئ حتى أنني أتلذذ بكلماته حين أقدم له كأس الماء أو الشاي الذي غالبا ما يتحفني بدعواته ومرحه" وقال عبده الذي قضى أكثر من 26 عاما برفقة القصيبي أن الجلوس مع الراحل غازي طول هذه الفترة ليست سوى ساعة لما لها من أنس ومحبة يغمر بها قلوبنا.

رحيل القصيبي حرك أرشيفا كبيرا لدى العديد من القنوات التلفزيونية والإذاعية بدأتها القناة الثقافية السعودية بحديثها عن القصيبي من خلال حلقة لأكثر من ساعتين تحدث فيها العديد من الكتاب والروائيين والأصدقاء المقربين من القصيبي وأعادت بعض المحطات حلقاتها التسجيلية التي تم إجراؤها خلال الأعوام الماضية مع الوزير والأديب غازي القصيبي.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 10:58 AM
غازي القصيبي ... آخر المهمات
الرأي الكويتية
gmt 0:00:00 2010 الإثنين 16 أغسطس


الرياض - صبحي رخا

توفي أمس، وزير العمل السعودي غازي القصيبي عن عمر ناهز الـ 70عاما... رحل الوزير والشاعر وفارس الكلمة في صمت، وسكت القصيبي أخيرا عن الكلام المباح بعد حياة حافلة ملأها صخبا وضجيجا بقصائده التي تجاوزت أحيانا حدود المباح والمسموح وأحدثت جدلا كبيرا، خصوصا قصائدة السياسية والتي أغضبت إحداها الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز.
رحل الوزير والشاعر والديبلوماسي السابق منصبا، وقبل كل ذلك وبعده، سفير الكلمة التي كانت منصبه الحقيقي وعرشه على قلوب الناس، بعد معاناة مع المرض استمرت خلال الأشهر الستة الماضية إثر إصابته بجلطة في المخ عولج منها لفترة في الولايات المتحدة.
وبعد تعافيه من آثار الجلطة، توجه القصيبي الى البحرين قبل نحو شهر لقضاء فترة نقاهة، وعاد الى الرياض أخيرا حيث أدخل الى مستشفى الملك فيصل التخصصي بعد تراجع حاله الصحية، ووافته المنية في المستشفى صباح أمس.
يشار إلى أن الوزير والشاعر غازي القصيبي من مواليد مدينة الهفوف في المنطقة الشرقية في 2 مارس 1940 وهو وزيرا للعمل منذ 2005، وتولى قبلها ثلاث وزارات، هي الصناعة - الصحة - المياه، كما تولى عددا من المناصب الأخرى.
اشتهر القصيبي وعرف على نطاق العالم العربي، بسبب أدبه وقصائده قبل توليه أي مناصب رسمية، فهو أولا وأخيرا أديب وقاص وشاعر وله منشورات عدة، ويعد كتابه «حياة في الإدارة» أشهر ما نشر له، وتناول سيرته الوظيفية وتجربته الإدارية حتى تعيينه سفيراً في لندن، ووصل عدد مؤلفاته إلى أكثر من 60.
قضى القصيبي في الأحساء سنوات عمره الأولى. انتقل بعدها إلى المنامة، ليدرس فيها مراحل التعليم. نال ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، ثم حصل على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا. أما الدكتوراه ففي العلاقات الدولية من جامعة لندن والتي كانت رسالتها فيها حول اليمن كما أوضح ذلك في كتابه الشهير «حياةٌ في الإدارة».
ومن أبرز أعماله الروائية «شقة الحرية» و«دنسكو» و«أبو شلاخ البرمائي» و«العصفورية» و«سبعة» و«سعادة السفير» و«الجنيّة».
أما في الشعر فلديه دواوين «معركة بلا راية» و«أشعار من جزائر اللؤلؤ» و«للشهداء» و«حديقة الغروب».
وله إسهامات صحافية متنوعة أشهرها سلسلة مقالات «في عين العاصفة» التي نُشرَت إبان حرب الخليج الثانية كما أن له مؤلفات أخرى في التنمية والسياسة وغيرها منها «التنمية، الأسئلة الكبرى» و«عن هذا وذاك» و«باي باي لندن ومقالات أخرى» و«الأسطورة ديانا» و«أقوالي الغير مأثورة» و«ثورة في السنة النبوية» و«حتى لا تكون فتنة».
مُنح وسام الملك عبد العزيز وعدداً من الأوسمة رفيعة المستوى من دول عربية وعالمية. ولديه اهتمامات اجتماعية مثل عضويته في جمعية الأطفال المعوقين السعودية وهو عضو فعال في مجالس وهيئات حكومية كثيرة.
ومن المفارقات المثيرة، أن القصيبي الذي عانى قبل وفاته من جلطة في المخ ستدور روايته الأخيرة عن مرض الزهايمر، وفق مانشرت صحيفة «الجزيرة» امس. وكتبت إنه بعد أيام قليلة ستصدر النسخة الأولى من قصة «الزهايمر» للقصيبي، وهو ثالث عمل يصدر له هذا العام.
ونقلت عن عيسى أحوش صاحب «دار بيسان» اللبنانية، انّ القصيبي كتب وصحّح مسودة الأقصوصة- كما وسمها- بقلمه وراجعها في شكل نهائي، وهي الآن في الطريق للقارئ.
يذكر ان وزارة الإعلام السعودية وجهت اخيرا بفسح جميع كتب القصيبي، بعد ما بادر عبد العزيز خوجة، وزير الإعلام، بإصدار قرار يقضي برفع الحظر المفروض على مؤلفات القصيبي المثيرة للجدل، والتي واجه بسببها نقداً واسعاً، من أبرزها رواية «شقة الحرية».

عبدالله الصغير
08-16-2010, 11:03 AM
المنامة تبكي تلميذها وسفيرها غازي القصيبي
سارة رفاعي من المنامة
gmt 16:21:00 2010 الأحد 15 أغسطس


تبادل البحرينيون رسائل الحزن لرحيل الأديب ووزير العمل السعودي غازي القصيبي .


القصيبي في احد آخر لقاءاته الرسمية مع قيادة البحرين
كحزن أهل الخليج والعالم العربي لوفاة دكتور الشعر والأدب غازي القصيبي كان للمنامة غصتها وحزنها وألمها هي الأخرى التي كانت تحظى بمكانة في قلب شاعر لم يجد راحة باله بعد عناء المرض إلا في هواها وأراضيها ليسكن أخر أيامه في ربوعها بعد أن قضى أول أيام حياته في ربوعها طالبا العلم في مدارسها.

رسائل الحزن والأسى تطايرت عبر الهواتف النقالة والمنتديات والصحف الالكترونية في البحرين بين ومصدق ومكذب مستذكرين في ذات الوقت مناقب الفقيد الأديب والشاعر والمفكر والوزير الذي سيظل اسمه عالقا في أذهان الصغار قبل الكبار.

نبيل بن يعقوب الحمر مستشار ملك البحرين لشؤون الإعلام الذي شكل خبر وفاة القصيبي صدمة كبيرة له ولأهل البحرين أكد في اتصال مع إيلاف أن البحرين فقدت ابناً وأخا وصديقا، وأديب ، مؤكدا أن القصيبي " الرجل الصادق مع نفسه ومع الآخرين، سوف تخلو الساحة من رجل مثله لما يتمتع به من حكمة ومكانة ليس في بلده فقط وإنما على المستوى الخليجي والعربي والعالمي".
وقال الحمر ان الأديب والمفكر الراحل ملء الدنيا بفكره ونشاطه وصراحته المعهودة، مؤكدا أن الحرية بوفاته فقدت احد دعاتها، مضيفا " لا يسعنا إلى أن نترحم على شخصية أحبها الجميع وعملت بإخلاص لوحدة الخليج منذ البداية وحتى مماته".

الوزير القصيبي حظيت المنامة بقسم كبير من حياته بعد توجها إليها يتيما فاقدا والدته ولم يكمل عامه الأول بعد، ليدرس في مراحلها التعليمية الأولى إلى أن أنهى دراسته الثانوية ليعود إلى السعودية ويكمل مسيرة حياته حتى عاد إليها مرة أخرى كسفير لخادم الحرمين في المنامة، ولعل اختياره للبحرين بعد عودته من رحلة المرض للنقاهة اكبر دليل على تلك المكانة.

عبدالله الصغير
08-16-2010, 11:09 AM
قصيدة كتبها غازي القصيبي في رثاء نفسة..

الله يرحمة ويغفر له




خمسٌ وستُونَ.. في أجفان إعصارِ
أما سئمتَ ارتحالاً أيّها الساري؟


أما مللتَ من الأسفارِ.. ما هدأت
إلا وألقتك في وعثاءِ أسفار؟


أما تَعِبتَ من الأعداءِ.. مَا برحوا
يحاورونكَ بالكبريتِ والنارِ


والصحبُ؟ أين رفاقُ العمرِ؟ هل بَقِيَتْ
سوى ثُمالةِ أيامٍ.. وتذكارِ


بلى! اكتفيتُ.. وأضناني السرى! وشكا
قلبي العناءَ!... ولكن تلك أقداري

***

أيا رفيقةَ دربي!.. لو لديّ سوى
عمري.. لقلتُ: فدى عينيكِ أعماري


أحببتني.. وشبابي في فتوّتهِ
وما تغيّرتِ.. والأوجاعُ سُمّاري


منحتني من كنوز الحُبّ.. أَنفَسها
وكنتُ لولا نداكِ الجائعَ الع اري


ماذا أقولُ؟ وددتُ البحرَ قافيتي
والغيم محبرتي.. والأفقَ أشعاري


إنْ ساءلوكِ فقولي: كان يعشقني
بكلِّ ما فيهِ من عُنفٍ.. وإصرار


وكان يأوي إلى قلبي.. ويسكنه
وكان يحمل في أضلاعهِ داري


وإنْ مضيتُ.. فقولي: لم يكنْ بَطَلاً
لكنه لم يقبّل جبهةَ العارِ

***

وأنتِ!.. يا بنت فجرٍ في تنفّسه
ما في الأنوثة.. من سحرٍ وأسرارِ


ماذا تريدين مني؟! إنَّني شَبَحٌ
يهيمُ ما بين أغلالٍ.. وأسوارِ


هذي حديقة عمري في الغروب.. كما
رأيتِ... مرعى خريفٍ جائعٍ ضارِ


الطيرُ هَاجَرَ.. والأغصانُ شاحبةٌ
والوردُ أطرقَ يبكي عهد آذارِ


لا تتبعيني! دعيني!.. واقرئي كتبي
فبين أوراقِها ت لقاكِ أخباري


وإنْ مضيتُ.. فقولي: لم يكن بطلاً
وكان يمزجُ أطواراً بأطوارِ

***

ويا بلاداً نذرت العمر.. زَهرتَه
لعزّها!... دُمتِ!... إني حان إبحاري


تركتُ بين رمال البيد أغنيتي
وعند شاطئكِ المسحورِ.. أسماري


إن ساءلوكِ فقولي: لم أبعْ قلمي
ولم أدنّس بسوق الزيف أفكاري


وإن مضيتُ.. فقولي: لم يكن بَطَلاً
وكان طفلي.. ومحبوبي.. وقيثاري


***

يا عالم الغيبِ! ذنبي أنتَ تعرفُه
وأنت تعلمُ إعلاني.. وإسراري


وأنتَ أدرى بإيمانٍ مننتَ به
علي.. ما خدشته كل أوزاري

أحببتُ لقياكَ.. حسن الظن يشفع لي
أيرتُجَى العفو إلاّ عند غفَّارِ؟

عبدالله الصغير
08-16-2010, 11:15 AM
جامعة الدول العربية تنعي وزير العمل السعودي
وكالة الأنباء الكويتية - كونا
gmt 19:51:00 2010 الأحد 15 أغسطس


القاهرة: نعت جامعة الدول العربية وزير العمل السعودي الدكتور غازي القصيبي الذي وافته المنية صباح اليوم بمستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض. وأعرب الامين العام للجامعة عمرو موسى في بيان صحافي عن تعازية ومشاطرته أسرة الفقيد والأمة العربية والإسلامية احزانهم داعيا الله عز وجل أن يسكن الفقيد فسيح جناته.

وتقلد القصيبي مناصب حكومية عديدة منها وزارة الصحة والمياه والكهرباء والعمل اضافة الى انه عمل سفيرا للسعودية في عدد من الدول فضلا عن كونه واحدا من أبرز الأدباء السعوديين الذين كتبوا الدواوين الشعرية والرواية.

جود الفرح
08-17-2010, 09:14 AM
الإثنين 06 رمضان 1431هـ - 16 أغسطس 2010م

تحدث في حوار مع "العربية" عن مراسلاتهما الشعرية
د.سلمان العودة: تمنيت لو كان القصيبي وزيراً للأمل بدلا عن "العمل"



"رجل موسوعي"
مراسلات شعرية




الداعية السعودي المعروف د. سلمان العودة

دبي- العربية.نت

تمنى الداعية السعودي المعروف د. سلمان العودة لو كان الراحل د.غازي القصيبي "وزيرا للأمل" بدلا من كونه وزيرا للعمل، وجاء ذلك في معرض تصريحات لقناة "العربية"، معبرا عن حزنه الكبير برحيل صديقه الغالي الذي وافته المنية عن عمر ناهز 70 عاما بعد معاناة مع المرض.

وقدم العودة عزاءه لخادم الحرمين وأسرة الفقيد وأصدقاءه ومحبيه، مشيرا إلى أن الفقيد الكبير كان موسوعة شاملة في الأدب والشعر والثقافة والإدارة ومجالات كثيرة أخرى.

وأثنى على تسجيل القصيبي لتجربته في كتابه "الوزير المرافق" أخيرا، كما سجل جزءا منها من قبل في كتاب "حياة في الإدارة"، مشيدا بشغف الراحل في البحث والقراءة، فذكر أنه كان باحثا يهتم بمتابعة القضايا، وكثيرا ما يكون بينهما اتصال، ليجده في كل مرة مهموما بحديث نبوي معين، ليسأل هل هذا الحديث ضعيف، وهل هذه اللفظة زائدة في تفاصيل ربما لا يتقنها إلا أهل التخصص، بحد وصفه.


"رجل موسوعي"


غازي القصيبي متحدثاً في مؤتمر جدة الاقتصادي



وقال العودة إن "قراءة رواياته توحي بأن الرجل موسوعي في معارفه واطلاعه"، معتبرا أن جدله مع بعض مخالفيه أمر طبيعي لأنه "كان مجموعة من النجاحات، والنجاح دائما يكون مصحوبا بقدر من الرضا كبير وقدر آخر من النقد، وهذا من طبيعة الحياة فالناس يختلفون، وما يضير فعلا هو أن يكون الإنسان عاديا نكرة لا يلتفت إليه الناس".

وذكر أن الواقع يشهد للراحل بأن الإخلاص والقصد الحسن كانا عنوانين في أعماله، مبينا أنه كان "شفافا بعيدا عن المصالح الذاتية،، فهو تقلب في العديد من المناصب ومع ذلك كان كل ما يهمه هو أن يقدم الشيء الجميل والشيء الجيد".

وكشف العودة عن حرص صديقه الراحل على البقاء مع نفسه، واستغلال أوقات فراغه بعيدا عن الناس، ولم يكن حريصا "على العلاقات مع الناس لأنه يرى أنها مقتلة للوقت"، مشيرا إلى أنه قام بعدة مداخلات في برنامجه "حجر الزاوية" مبديا تشجيعه لأفكار البرنامج.

ووروى العودة قصة زيارة الراحل له في منزله بمعية نائبه في وزارة العمل السعودية د.عبدالواحد الحميد، وذكر أن من الأشياء الجميلة أنه سأل القصيبي عن مدى تفاؤله على أرض الواقع، فأجاب وهو مشارف على السبعين حينها، بأن عنده أمل كبير، وخطر في بال الدكتور سلمان حينها مازحا أن يكون القصيبي وزيرا للأمل، بدلا من وزارة العمل التي يتسنمها.

وعن علاقاته ببعض أهل العلم الشرعي والفقه الإسلامي، سأله العودة ذات مرة عن الشيخ الدكتور محمد أبو زهرة، والذي ذكره في روايته شقة الحرية، وقال إنه فعلا تعلم على يديه الشريعة والقانون وجلس إليه واستفاد منه.

وقال العودة إن الأديب الكبير حكى له عن محمد أسد المستشرق النمساوي الذي أسلم، وكيف التقى به الراحل مع مجموعة من الشباب في المدينة المنورة، وسألوه عن كتابه (الطريق إلى المدينة)، وكيف كان محمد أسد في غاية البهجة والسرور أن يجد شبابا من الجزيرة العربية يقرأون كتبه بلغتها الأصلية.


مراسلات شعرية

ومن آخر ذكريات العودة مع القصيبي حين مرض، والأيام التي سبقت مرضه بفترة قصيرة، حيث بدأ القصيبي مراسلات بينهما بعدد من الأبيات، وفي أحد الأعياد أرسل الراحل تهنئة تعبر عن طبيعته كشاعر قال فيها :وإن كنت أظهر بعض الوداد .. فما لست أظهره أكثر .. وإني عجزت فما أقدر

وفي رسالة أخرى قال:
أغالب الليل الطويل الطويل ..
أغالب الداء الدوي الوبيل..
أغالب الآلام مهما طغت..
بحسبي الله ونعم الوكيل..

وعلق العودة "بأن هذه روح المؤمن، وهذا واضح في قصيدته حديقة الغروب، وفي عدد من النصوص الأخرى التي تنضح بإيمان عميق وإنسانية صادقة".
وكانت آخر المراسلات بينهما قصيدة قبل أن يعود إلى بلده، قال فيها:
أسائل الركب قبل الفجر هل آبوا..
الركب عاد ومافي الركب أحباب ..

وكأنه يعتب على أناس في مقام الأصدقاء يشعر أنهم قد تخلوا عنه، وأيضا كان يتحدث عن الأيام الأخيرة، يقول:
بعض الدروب إلى الأوطان سالكة..
وبعضها في فضاء الله ينساب..

فكتب له العودة جوابا على هذه القصيدة محاولا أن يقدم له الدعاء والتصبير:
ضياء عينيك عبر الأفق ينساب..
تئن من حزنه المكظوم أهداب..
طابت لياليك والرحمن ينعشها ..
وجاد بالروح والتسكاب وهاب..

جود الفرح
08-17-2010, 09:16 AM
الإثنين 06 رمضان 1431هـ - 16 أغسطس 2010م

"العربية.نت" ترصد ما عبَّر عنه محبوه في "الفيسبوك" و"تويتر"
الشبكات الاجتماعية تتفاعل مع وفاة "القصيبي" بحزن عميق



صفحة خاصة بمعجبي "القصيبي" على "الفيسبوك"
الوزير "خوجة" ينعى الراحل على صفحته في "الفيسبوك"
قناة خاصة بالراحل على "تويتر" للحديث عنه
قصيدة "القصيبي" الأخيرة




صورة لصفحة معجبي القصيبي على الفيسبوك

دبي - محمد جمال

انهال خبر وفاة غازي القصيبي كالفاجعة على محبيه ومتابعيه في مواقع الشبكات الاجتماعية على الإنترنت. ومنذ اللحظة الأولى للأنباء غير المؤكدة لوفاته في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض وحتى تأكيد خبر الوفاة، تسابق أعضاء هذه الشبكات إلى الكتابة عن القصيبي وأفضاله ومآثره والدعاء له، ناهيك عن إيراد مقطوعات من قصائده ومأثوراته التي ضمتها دفتي ما يربو على 60 كتاباً ألفها في حياته الحافلة.


صفحة خاصة بمعجبي "القصيبي" على "الفيسبوك"


غازي القصيبي متحدثاً في مؤتمر جدة الاقتصادي



ومن خلال رصد "العربية.نت" لصفحة معجبي الفقيد على موقع "الفيسبوك"، التي تضم أكثر من 8.526 مُعجباً، عبَّر المئات عن حزنهم العميق لوفاة القصيبي. "أحمد الوزقار" كان من الذين تألموا لرحيل القصيبي، ذاكراً المناقب والمناحي التي أبدع فيها الفقيد، فكتب تحت خبر وفاة القصيبي في صفحة معجبيه: "رحمك الله أبا يارا. لقد فقدت شخصياً رجلاً أمتعني في العديد من الأيام والليالي كاتباً وشاعراً وروائياً بكتبه وأفكاره وشعره ورواياته الجميلة".

أما "فارس المطيري" فعلَّق: "إلى جنة الخلد إن شاء الله. رجل قدم الكثير والكثير لوطنه ويكفينا فكره التنويري. رحمك الله يا أبا يارا". ومن جهته، أشاد "إبراهيم أ. م." بالقصيبي وزير العمل الذي غير ثقافة العمل في أوساط الشباب السعوديين، وقال: "رحمك الله وغفر لك. أفعالك في الدنيا الكل يشهد لها القاسي والداني. رفعت علم الوطن في الكثير من المجالات وغيرت ثقافة العمل. رحمك الله يا أبو يارا".

ولمَّح "تركي الخليوي" في صفحة معجبي "غازي القصيبي" إلى مناقب الفقيد السفير، مُعدداً جوانب مشرقة من شخصيته عرفها الجميع قائلاً: "تبكيك الديار يا غازي من المنامة للهفوف مروراً بالرياض وجدة ولندن والمغرب وليس انتهاءً بكاليفورنيا. لقد فقد المجتمع السعودي أباً حانياً وأخاً مناضلاً وابناً باراً. لن ننساك يا دكتور غازي وستبقى في مخيلاتنا مثالاً وقدوة عليا للطموح والنجاح والتسامح والعمل الدؤوب".

أما الكاتب الصحفي والروائي السعودي "أشرف فقيه" فقد كتب على صفحته في موقع "الفيسبوك": "كان داعماً كبيراً للشباب والمبتدئين.. رحمة الله عليه". وأضاف لاحقاً: "مات غازي القصيبي.. وطويت معه صفحة من تاريخ هذا البلد".


الوزير "خوجة" ينعى الراحل على صفحته في "الفيسبوك"


صفحة عبد العزيز الخوجة على موقع فيسبوك



وزير الثقافة والإعلام في السعودية الدكتور عبدالعزيز خوجة كان من الذين أجزلوا للفقيد الثناء والدعاء، فعبر عن ألمه للوفاة في صفحته الخاصة على "الفيسبوك"، ولم يستطع أن يُكمل تعداد مناقب القصيبي! فقال: "اليوم خسرنا فريقاً من الرجال اجتمعوا في رجل واحد هو غازي القصيبي: غازي الإنسان.. غازي الإداري.. غازي الدبلوماسي.. غازي الأديب. وداخل غازي الأديب خسرنا أكثر من أديب: غازي الشاعر.. غازي الكاتب.. غازي الروائي.. غازي الساخر. إنني لا أستطيع أن أكمل. إنا لله وإنا إليه راجعون".


قناة خاصة بالراحل على "تويتر" للحديث عنه


تفاعل على موقع تويتر



وفي موقع التدوين المُصغر "تويتر"، وعبر القناة (هاش تاغ Ghazi#) التي خُصصت للحديث عن الفقيد، أبدى "وليد الخضيري"إعجاباً شديداً بالقصيبي، حيث قال على صفحته في "تويتر": "رحمك الله يا غازي.. هذا يوم حداد الوطن على فقيده الراحل.. وعلى مثلك فلتبك البواكي.. اللهم اجبر المصاب.. وأسكن فقيدنا الفردوس الأعلى".

ولم تخفِ "وعد" من الجبيل الصناعية ألمها على وفاة الراحل، وقالت: "من دفترنا المسكون بالضجة والأحياء، نودعه ذاكرة الأشياء، وفجأة نذرفُ دمعتين لأننا ندفن من نحب مرتين".

وحول القرار الذي أصدرته وزارة الإعلام قبل أيام، والذي يقضي بالسماح ببيع كُتب الراحل في السعودية بعد أن كان دخولها ممنوعاً، قال "هادي فقيهي" من الظهران عن الراحل: "فكره كان سابقاً لعصره.. احتاجوا ثلاثين عاماً حتى يقروا بفضله ثم فسحوا كتبه..! فتركهم شامخاً حراً ورحل".

من جهته، تفاعل عضو "تويتر" الذى يُدعى "جُندبي" واسمه الحقيقي "رائد" مع خبر وفاة القصيبي بأن يورد بيتاً شهيراً للراحل، وذكر أن هذا البيت ورد في قصيدة أوصى الراحل أن تقولها زوجته للناس إذا رحل: "وإنْ مضيتُ.. فـقولي: لم يكن بَطَلاً لكنه لم يقبّل جبهة الـعارِ"، ثم أردف "هادي فقيهي مُجدداً: "رحمك الله غازي.. لن يفعل بك الموت أسوأ مما صنعت الحياة".

من جهته، أظهر الإعلامي السعودي تركي الدخيل على صفتحه في "تويتر" ألمه الشديد بوفاة الفقيد غازي القصيبي، وآثر أن يورد شيئاً مما قاله "القصيبي" في آخر أيامه: "الأوقات التي أقضيها في دراسة القرآن وتأمله من أكثر الأوقات ثراءً في حياتي. غازي القصيبي في آخر مقابلة صحافية.

أما عضو "تويتر" الفعَّال "أحمد قوشماق" فقال: "في روايات الأديب غازي نهج يتميز به هو وحده، حتى أنك تميز إن حاول أحد "المتسلقين" لحصن الأدب استنساخ منهجه. لا أملُّ من قراءة (العصفورية)". وأضاف "قوشماق": "أظن أن الأحزان على وفاة غازي القصيبي لا تقتصر على السعودية بل تمتد لتشمل البحرين وبريطانيا ومعظم الدول العربية نظراً لسمعة الفقيد".

وكان لأقوال الإعلاميين العرب في الراحل ظهورها في "تويتر". الصحفي السعودي "عبدالله مغلوث" أورد عبارة لأحدهم حول القصيبي، رحمه الله، فقال: "غازي القصيبي، وزير العمل السعودي: الرجل العظيم الوحيد في السعودية.


قصيدة "القصيبي" الأخيرة

أما قصيدة الفقيد الأخيرة "أغالب الليل الحزين الطويل" فكان لتداول أجزاء منها على "تويتر" نصيب كبير. "ناصر البقامي" كان من الذين نشر بيتيها الأخيرين، وأعاد عدة أعضاء بدورهم إعادة نشر هذين البيتين المحزنَيْن. يقول الفقيد: "هديل بنتي مثل نور الضحى... أسمع فيها هدهدات العويل... تقول يا بابا تريث فلا... أقول إلا سامحيني .. هديل".

جود الفرح
08-17-2010, 09:26 AM
الثلاثاء 07 رمضان 1431هـ - 17 أغسطس 2010م

فقدت الساحة روحها






عبد الرحمن الراشد

يحتار كثيرون في سر شعبية الراحل غازي القصيبي، الرجل الذي ملأ السعودية وأشغلها على مدى ثلاثة عقود، لأنه لم يكن أعظم شاعر، ولا أبرز روائي، بل ولا أهم وزير!

سر غازي في شخصية غازي، كان الروح المحركة للمجتمع السعودي، ومن دونه ربما عاشت البلاد ردحا أطول من الرتابة التي اعتادت عليها. هو الذي فجر فيها الكثير من الأفكار والقضايا والجدل بشجاعة لا تبارى، في الاختلاف مع المتطرفين، أو مسائل التنمية والإدارة، أو في مقارعته للدعاية العراقية إبان محنة السعودية والكويت، أو في خروجه على المألوف الدبلوماسي بقصيدة سياسية عندما كان سفيرا لدى بريطانيا.

باختصار شديد، غازي القصيبي كان أكثر مثقف له شعبية، وشعبيته كان يصنعها بشكل جيني تلقائي، ولدت معه، وبعضها صنعه، وتعب كثيرا من أجلها. ويندر أن تجد شخصا بلا قصة مع القصيبي، وأنا واحد من عشاقه كإنسان ومفكر أثر في تفكيري الليبرالي كما أثر في تفكير أجيال متعاقبة. فهو بعد أن عين وزيرا في الحكومة لأول مرة في السبعينات صرنا نراه كمسؤول حكومي يضيق ذرعا بنقدنا في الصحافة، حينها كنت صغيرا ومراسلا محليا في صحيفة «الجزيرة»، أعمل بعد الدراسة اليومية. وقد كتبت فيه نقدا قاسيا، من دون أن أسميه، ملخصه أن هناك مثقفا صار مسؤولا، انقلب من ناقد إلى كاره للنقد، ومن مدافع عن الفقراء إلى خادم للأغنياء، ومن محب للمتنبي إلى عاشق لجرير. لاحقا فاجأني برسالة يهاجمني فيها لأنني لم أكن شجاعا وأنتقده بالاسم، وأنه يعرف أنه هو المقصود بالهجوم المبطن. فاجأني باهتمامه بواحد من صغار الصحافيين الذين لا يلقى لهم البال عادة. أجبته بقسوة بأنه ما كانت تنقصني الشجاعة لولا أن نظام النشر آنذاك يمنع نقد الوزراء وبالتالي يستحيل أن ينشر الموضوع. وقد اجتهد القصيبي وبعث لي بكل ما يؤكد أنني كنت على خطأ فيما كتبته، وكنت بالفعل مخطئا، ومن حينها صرت واحدا من جمهوره العريض. حدث هذا قبل نحو ثلاثين عاما تقريبا واستمر يتابع صغار الصحافيين والأدباء ويهتم برأي عامة الناس ويراسل كل الناس ويناقشهم، ويجتهد لإقناعهم وكسبهم إلى صفه، حتى إنه أرسل هدية ذات مرة لمخرج الجريدة الذي لم يلتقه في حياته عندما عرف أنه رزق بمولودة.

وخارج إطار التواصل والعلاقات العامة كان يملك الكثير ويقدمه، وكان طرفا في كل القضايا الرئيسية التي بسببها انقسمت الناس حوله. ولا شك أن الساحة السعودية بوفاته خسرت ما هو أكثر من أديب آخر، خسرت روحها، وفقدت إنسانا عظيما بمواصفات استثنائية، ولا أعرف أحدا في ساحة المبدعين والمثقفين يملك الحب والتقدير والإعجاب كما ملكه غازي، حتى عند خصومه الذين اجتهدوا كثيرا لتشويه صورته، وكان في كل مرة أقابله وهو حانق بسبب مقالات تنشر ضده، يردد كلمته: يا أخي ما أعرف لماذا يصنفونني معكم. فأجيبه: حتى تعرف أنهم يكرهون كل الناس.

ولا شك أنه كان يحب إثارة الآخرين حتى إن أحد كبار كتاب «التايمز» البريطانية أفرط في غضبه من غازي وكتب مقالا بذيئا تندر كتابته حتى بالمقاييس الغربية، وهو عندما جاء إلى لندن سفيرا كتبت الصحافة البريطانية قصته عندما وقع في مسبح المياه أمام الجمهور الكبير الذي جاء على شرفه، وبعد أن خرج مبللا بالمياه، وقف أمامهم مرتبكا ومبتسما وقال: إنني هنا، أي كسفير، لأحرك المياه!

*نقلا عن "الشرق الأوسط" اللندنية

جود الفرح
08-17-2010, 09:31 AM
الإثنين 06 رمضان 1431هـ - 16 أغسطس 2010م

ملأ الدنيا وشغل الناس
غازي القصيبي.. من الهفوف إلى الرياض رحلة السبعين



مقالات سابقة للكاتب






أحمد محمد الطويان

ويا بلاداً نذرت العمر .. زهرته ** لعزها.. دمتِ إني حان إبحاري

بهذا البيت رثى غازي عبد الرحمن القصيبي نفسه.. غادرنا العلم الكبير بعد سبعين عاماً كان فيها طفل الوطن ومحبوبه وقيثاره. رحل رجل الدولة الذي رثى الديوان الملكي إخلاصه وتفانيه ليهتز بنبأ رحيله طود البلاد الكبير وتبكيه العيون حسرة على فراق فارس السياسة والشعر والوطن.

لم يكن غازي بدعاً من رجالات الدولة السعودية الأفذاذ، فكم أنجبت هذه البلاد وأعطت، ولم تكن سيرته إلا حبراً من قصة "السعودي" مع التنمية. إلا أن "غازي" كان قد أعيى قوالب التصنيف وحارت بشأنه كل التراجم. مزج القصيبي أطوار السياسة بالشعر، والشعر بالدبلوماسية، والدبلوماسية بالفكر، والفكر بالإدارة، فكان جامعاً لعلوم شتى وشاغلاً لقلوب شتى.


شرب غازي كأس اليُتم في الهفوف وانتقل بعدها إلى البحرين فكانت "دلمون" المدرسة التي قرأ فيها مبادئ العلوم وعاش فيها أطوار السياسة الملتهبة، وتشرّب العروبة في البحرين، فكان لزاماً أن يشد الرحال إلى "بيت العرب الكبير". اختار دراسة الحقوق في جامعة القاهرة العريقة، ونال منها الليسانس سنة ١٩٦١م.

غادر غازي القاهرة إلى الولايات المتحدة ، أو "إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد" كما وصفها في أحد لقاءاته الصحافية، وكان لقاؤه الأول مع حضارة جديدة، نقطة تحول كبيرة ومفصل تبخر حماسات "تجارب الشباب العابرة". كان اللقاء الأول مع نيويورك التي قال عنها القصيبي : إنها "سيارات يسكنها بشر".

انتقل القصيبي إلى كاليفورنيا ليكمل في جامعة جنوب كاليفورنيا دراسة الماجستير في العلاقات الدولية، وتفتحت أذهان القانوني على عوالم السياسة، وتزامن وجوده في أميركا مع اغتيال الرئيس الأميركي آنذاك جون كيندي، فوصفها بأنها درس سياسي وموقف جعله يتعرف على ما لم يعرفه.

وبعد الولايات المتحدة ولقائه بالقيادة والإدارة لأول مرة برئاسته للنادي الطلابي بالجامعة، عاد القصيبي إلى الرياض عازماً الدخول في المعترك الأكاديمي ليكون من المؤهلين السعوديين الذين لم يتجاوز عددهم آنذاك أصابع اليد، وفتحت له جامعة الرياض "الملك سعود لاحقاً" أبوابها، ويصف القصيبي تلك المرحلة بقوله في كتاب "حياة في الإدارة": استقبلني الدكتور عبد العزيز الخويطر وكيل الجامعة آنذاك "الوزير حالياً" وقال لي : للأسف لا يوجد مكتب لك حالياً، ويضيف: توجهت إلى المكتبة الجامعية لأتخذها مكتباً!! ويذكر القصيبي أنه التقى في المكتبة بالأمير سلطان بن عبد العزيز، ولي العهد الحالي، أثناء جولته في الجامعة، فيقول: إن معرفتي بالأمير لم تكن لتتحقق لو كنت متكئاً على مكتبي.

المحاضر القصيبي بدأ رحلة الجامعة ليعاصر البدايات الصعبة، في قاعات الدرس كان يبني رؤية تنموية في خياله شاهدها ماثلة أمامه في روحه وفي عيون أبناء تلك المرحلة من طلابه، بعد عام حافل اختير القصيبي ليبدأ المهمة العملية الأولى في حياته، حيث حظي بالثقة ليكون عضواً في لجنة ترأسها السفير عبد الله العبد العزيز السديري لمحاولة فض النزاعات في اليمن المضطرب آنذاك، بين الثوار والقبائل وقوات عبد الناصر والملكيين. نجح المحاضر الجامعي في مهمة سياسية استثنائية. انطلق إلى حلم الدكتوراه وبداية رحلة "الألقاب السحرية" كما يطلق عليها.

لندن أواخر الستينات استقبلت طالباً طموحاً اتخذ شقة متواضعة سكناً، وكان فيها يمر من أمام دارة السفير السعودي، وقد أنهكه السير راجلاً تحت الأمطار اللندنية التي لا تهدأ، يمر وفي نفسه إعجاب بالدار الفخمة، ولم يدُرِْ بخلد طالب الدكتوراه أنها ستضمه بين أركانها سفيراً يوما ما. المرحلة اللندنية مرت سريعة وحصل غازي على الدكتوراه وموضوعها "حرب اليمن" التي عايشها بجراحها ومآسيها.

عاد القصيبي إلى الوطن ليواصل المشوار في الجامعة وتحديداً في كلية التجارة التي أصبح عميدها، واستطاع في المرحلة الجامعية الثانية أن يوثق علاقته مع القطاع الحكومي الذي كان يستفيد من القصيبي في أعمال إدارية متفرقة.

عن تلك المرحلة يقول القصيبي : "تنبأ الأمير سلمان بن عبد العزيز بأن أصبح وزيراً". وفي تلك المرحلة تلقى عروضاً مغرية للعمل، منها عرض من أحد الوزراء ليشغل منصب مدير عام في وزارته إلا ان العرض لم يناسبه، ليجد نفسه مذعناً لرغبة وزير المواصلات آنذاك عمر توفيق الذي رشحه لمنصب مدير عام المؤسسة العامة للسكة الحديد "مدرسة الوزراء" كما يطلق عليها، فلم يمر عليها مدير إلا ودخل التشكيل الوزاري.

استمر البذل بجد وجهد، وفرض سطوة الإدارة التنموية وإن صادفته الكثير من العوائق نتيجة أفكاره التي لم تكن تحظ تحظ بشعبية أحياناً مثل إيمانه بضرورة وقف الانتساب في الجامعة "التعليم عن بعد"، ولكنه استمر في عمله الدؤوب للوصول إلى أهدافه. اللقاء الأول مع الملك فيصل كان مختلفاً وكان في رحلة بالقطار بين الدمام والرياض، وقتها يصف القصيبي الموقف : "كان الملك فيصل صامتاً يتأمل الطريق طوال الرحلة لم ينطق بكلمة واحدة، على عكس ولي العهد الأمير (الملك) خالد الذي توطدت علاقتي به أثناء تلك الرحلة".

بعد وفاة الملك فيصل قرر الملك خالد، الذي تولى مقاليد الحكم، إعادة تشكيل مجلس الوزراء، وكان القصيبي عضوا في التشكيلة الوزارية لحكومة (الدكاترة)، ليتولى وزارة تخوض تحدي التنمية مع شقيقاتها الوزارات الخدمية الأخرى. في وزارة الصناعة والكهرباء كان للقصيبي حراك فاعل أرسى به معاقل الصناعة الحديثة في البلاد، بدءا بأثيرته (سابك) وانتهاء بعملاقي الصناعة (الجبيل وينبع). طلب ولاية (الصحة) بعد سنين النجاح في الصناعة، حيث قادته محادثة في الطائرة مع الملك فهد لأن يطلب منه تكليفه بوزارة الصحة، عله يحمل هماً سكن الفهد وأرقه. في وزارة الصحة، عرفه الناس وزيراً شعبياً وصارماً. حقق بدعم الرائد الملك فهد (رحمه الله) نقلات في القطاع الصحي، وقادته جولاته التفقدية لأن يكون ضيفاً عزيزاً في الصحفات الأولى من الصحف، عرف وزيراً نشطاً في أدائه وزائراً ثقيلاً للمقصرين في أداء الواجب المقدس في مواقع عملهم. كأستاذه (المتنبي)، حمله قلمه لمغادرة الموقع بعد سنوات قلائل ليطير في مهمة جديدة نحو البحرين، سفيراً لدى الجار العزيز. في البحرين، لعب القصيبي دوراً نشطاً في كشف ظلامات زمرة صدام، فأقسم (شعراً) بأن الكويت ستعود، فكان القصيبي الأكثر فرحاً بنصرة الحق على الباطل، ولم يخش محاولات الثأر والاغتيال، إلا أن قلب الأمير (الملك) عبد الله كان أرحم عليه من نفسه، فأرسل الأمير سيارته الخاصة ووجه بحماية سفير بلاده في البحرين.

طار غازي للندن سفيراً، فحمل معه فكره وشعره وإبداعه، فكانت سفارة المملكة قبلة للمثقفين والشعراء. نال في لندن تكريماً من كلية لندن الجامعية، التي منحته زمالتها الفخرية تقديراً لمسيرته الحافلة في الخدمة العامة، وما زالت الجامعة تشير إلى طالبها بكل فخر واعتزاز، وتورد - على موقعها على الإنترنت - اعتزازها بغازي الوزير والإنسان والمثقف. جلبت صرخة "غازي الشاعر" في وجه المحتل المغتصب لفلسطين الكثير من المتاعب لـ"غازي السفير"، فعاد مرفوع الرأس وزيراً للمياه، فوزيراً للمياه والكهرباء، وما لبث أن تسنم موقعه الأخير في الدولة (وزارة العمل) سنة ٢٠٠٤م ليقود حرباً ضد البطالة، بدأها وما قدر له أن يتمها. في خضم كل هذه المواقع، كانت روح "الشاعر" الألصق بغازي، وكان دائماً ما يردد أن سيرته الإدارية ستطوى كما طويت سير من سبقوه، إلا أن شعره سيظل شاهداً عليه، وهو القائل لطيفِ خيالٍ مر به ذات يوم:

لا تتبعيني دعيني واقرئي كتبي ** فبين أوراقها تلقاك أخباري

كان غازي، علماً ملهماً لم يصنع مجده من شعارات زائفة أو مطامع زائلة، نال العلا من بابه، فآثر أن يخلص في خدمة دينه ومليكه ووطنه وأن يرحل في صمت الكبار.

عندما يقدر للباحثين دراسة قصة التنمية في المملكة، فإنهم لا محالة سيجدون في سِفرها صفحات لغازي، سيقرأون فيها الكثير عن منجزات الوزير والإداري المحنك، ولكنهم لن يعرفوا عنه ما نعرف، لن يرووا ظمأهم عن تلك الشخصية الجامعة كما روينا نحن أبناء هذا الجيل، ذلك غازي الذي انتفضت لوفاته قلوب الملايين، وذلك غازي الذي رحل من دون أن نقول له: شكراً فقد أتممت.

جود الفرح
08-17-2010, 09:32 AM
الإثنين 06 رمضان 1431هـ - 16 أغسطس 2010م

عن غازي القصيبي رحمه الله



مقالات سابقة للكاتب






رجاء الصانع

كنت في الثامنة من عمري عندما دخلت أمي إلي المنزل وهي تبكي على كتف أخي الأكبر، وعندما سألت أخي الثاني عن سبب دموعها التي لم أرها قبل ذلك اليوم قال لي: بابا توفى الله يرحمه، قد يقول الناس أن طفلة في الثامنة لاتفهم معنى الموت، إلا أنني التفت إلى أصغر إخوتي والذي يكبرني بثلاثة أعوام والتقت أعيننا للحظة وكأننا نسأل بعضنا عن التصرف اللائق في مثل هذا الموقف، اندفعنا بعدها أنا وهو نبكي كما بقية الأسرة ونحن لا نعي تماماً مقدار الألم الذي يحيط بنا.

اليوم وبعد عشرين عام، دخلت أمي إلى غرفتي لتوقظني من نومي وتقول لي: غازي القصيبي توفى الله يرحمه. هذه المرة لم أحتج لمن يشرح لي حجم الفجيعة، أو أن يعلمني كيف علي أن أتصرف في مثل هذا الموقف، أنا الخبيرة في شؤون الفقد منذ الصغر.

بكيت ومازلت أبكي وسأظل أبكيه مع الباكين طويلاً. وجدت نفسي أدعو له بالشفاء وأنا ممسكة بتمرتي عند الإفطار مثل كل يوم فبكيت أكثر. تذكرت وقتها دعائي اليومي وأنا في أمريكا أن لا يفجعني الله بفقدانه وأنا في الغربة لا حول لي ولا قوة، وكأنما استجاب الله دعائي وتوفاه بعد أربع أيام فقط من عودتي للرياض بعد إنهائي دراستي في أمريكا، ليمحو حزن فقدانه كل فرحة بالتخرج والعودة إلى الوطن.

كنت أستعد لامتحان مهم في نوفمبر الماضي عندما جاءني خبر مرض أبي الروحي معالي الدكتور غازي القصيبي، فخانني تركيزي ولم أوفق في امتحاني من شدة خوفي عليه. ولم أخبر أحداً سواه فيما بعد بهذا الأمر. ولأنني أعرف حسرة المشاعر التي تتأخر عن الوصول في وقتها، صرت أكتب له أثناء رحلة علاجه الطويلة والصعبة لأنقل له محبة جيل ووطن وأمة، عل ذلك يخفف من آلامه، هو الذي لم يكن يشكو ولم يتوقف يوماً عن ذكر الله وحمده. كنت أستمد من صوته المبهج الرخيم الذي يهطل علي مطمئناً بين الحين والآخر القوة والصبر والمرح في أحلك الأوقات وأشدها ألماً.

غازي القصيبي الذي أشاع كثيرون أنه خالي أو قريبي أو كاتب روايتي الحقيقي لم يسمع باسمي قبل أن تصله مسودة روايتي يوم الخميس الثالث والعشرين من نوفمبر عام ٢٠٠٤. عندها اتصل بي على الرقم المكتوب على المسودة لأجيبه ببرود (كنت مشغولة حينها بالتجهيز لمحاضرة طبية): نعم مين معي؟ وعندما قال معك غازي القصيبي توقف الكون عند تلك اللحظة، سكتتُ لثوانٍ ثم طلبت منه بكل هدوء أن يتصل بعد خمس دقائق لأنني بحاجة لأن أصرخ فرحاً، أيقن عندها معاليه أنه بصدد (مرجوجة) وبالفعل أقفل الخط وذهبت للقفز على سرير الوالدة وأنا أبكي فرحاً باتصال قدوتي ومثلي الأعلى ومن سعيت سنيناً للوصول إليه قبل أن أعرف بأنه يقرأ كل بريده الخاص في الوزارة بنفسه! واتصل بي الدكتور بعد دقائق ليسألني من أنا وكم عمري ومتى بدأت الكتابة، وهل ماكتبته يحدث في الواقع في الرياض.

سجلت في ذلك اليوم التاريخي شريطاً صوتياً (آنذاك كنت أسجل أفكار الرواية صوتياً عندما لا أجد الوقت لتدوينها) عندما فاق الرضا والسعادة بعد اتصال معاليه حدود الكتابة. في ذلك اليوم وأثناء ذلك الاتصال أخذت على نفسي عهداً بأن أتذكر سعادتي تلك في أي يوم تعيس يمر بي فيما بعد، وهأنا أتذكرها الآن وأتوقف عن البكاء.

أتذكر تفاصيل تلك المكالمة بحذافيرها وأتذكر كل ما تلاها من حلم. أتذكر كيف قرأ معاليه أول مائة صفحة من الرواية في ساعة وكيف أنهى الرواية رغم مشاغله آنذاك في أسبوعين، ثم كيف قرأها مرة ثانية ليضع ملاحظاته مؤكداً أنه لم يفعل ذلك لأحد من قبل إلا أنه أعجب بالرواية وتوسم في كاتبتها الخير. أتذكر أنني اختلفت معه حول أجزاء أشار علي بحذفها فعملت برأيي في النهاية لا برأيه ولم أحذفها فغضب من عنادي لكنه نسي أو تناسى الأمر كالأب الحنون بعد انتشار الرواية.

قلت له في رسالة فاكس بتاريخ ٤/٣/٢٠١٠: بالنسبة لي، أن نصبح أصدقاءً، وأنتَ أنت! وأنا أنا الطالبة "اللي ماحيلتهاش حاجة" كان ومايزال أروع مافي حياتي.. إيمانك بي عندما كنتُ "لاشيء" يضعك في مرتبة تقف فيها وحدك. فأهلي يؤمنون بي لأنهم أهلي، وأصدقائي لأنهم أصدقائي.. أما أنت.. أنت! لماذا وكيف؟ وهل كنتَ أكيداً مما سأفعل؟ هل رأيت في علم الغيب أن روايتي ستُتَرجم إلى ثلاثين لغة؟ أنا لم أكن لأصل إلى ما أنا عليه لولا عاملين مهمين.. إلهامك لي قبل أن أعرفك عن قرب.. بسبب نجاحاتك وشخصيتك وانبهاري بكل ما أنت عليه حتى أنني كنت أقول لمن يسألني ماذا تريدين أن تكوني عندما تكبرين؟: أبغى أصير غازي القصيبي "بس ربك ستر!".. والعامل الثاني هو قربك مني منذ 23-11-2004 وحتى صدور الرواية في سبتمبر ٢٠٠٥ قبل أن أصبح شيئاً يُذكر..

أحمل بداخلي الكثير عن غازي القلوب، غازيها بالبهجة الخالصة في حياته وبالحزن الموجع جداً بعد وفاته. الرجل الحلم بالنسبة لجيلي بأكمله، الإنسان الذي لايعرفه الكل كما يستحق أن يُعرَف. الرجل الخدوم فاعل الخير الذي تعلمت من أخلاقه أكثر مما علمتني حياته في الإدارة والوزارة والسفارة، ورواياته وأشعاره، وهي علمتني الكثير. عندما أتذكر الآن كيف كان الدكتور يكتب عن رحيل أصدقائه الذين اختارهم الله إلى جواره قبل أن يختاره، كيف كنا نقرأ مايكتب ولا نشعر بما يشعر به من ألم وهو يرثي أصحابه ورفاق دربه، أشعر بأن من واجبي أن أكتب عنه حتى وإن لم أكن بقوته وصلابته التي تجعلني أتمالك نفسي في مثل هذا الموقف الصعب لأكتب بهدوء في رثاء أبي الذي أعرفه وتيتمت بوفاته للمرة الثانية في حياتي.

عزائي الحار لحرم معاليه ورفيقة دربه، واخوانه وأخواته، ولأبنائه سهيل ويارا وفارس ونجاد، وأسرهم. تعجز الكلمات عن مواساتكم في فقيدكم وفقيدنا الغازي الغالي، الذي رحل إلى جوار ربه الكريم في أفضل الشهور وترك القلوب مكلومة والألسنة تلهج له بالدعاء.. أنتم عزاؤنا ونحن مدينون لكم بكل وقت قضاه والدكم رحمه الله في خدمتنا في مناصبه العديدة عبر السنين وبكل سطر خطه في كتاب وبكل عطاءاته التي شاركناكم فيها، مدينون لكم حتى في الحزن الذي سمحتم لنا بأن نتقاسم بعضه وإياكم مدعين بأننا نشعر بما تشعرون به لفراق الوالد الغالي ومعزين بعضنا بعضا" فيه.

عزائي موصول لأسرة القصيبي كافة، ولأبي غازي الأستاذ هزاع العاصمي مدير مكتب معاليه، وللأخ نواف المواش سكرتيره الخاص، ولمنسوبي وزارته وأصدقائه ولكل من حظي بالقرب من معاليه في حياته ولكل من دمعت عيناه لفراقه، لكل من تألم لألمه على سرير المرض وابتهل لله بالدعاء في جوف الليل وآناء النهار حتى يكشف بأسه، ربي إن لي والدَين اليوم تحت الثرى، ارحمهما يا واسع الرحمة وأكرم نزلهما واجعل قبريهما روضتان من رياض الجنة وأسكنهما الفردوس الأعلى يامن وسعت رحمته كل شيء.

وددت لو أني سبقت الردى
إليك. لو أني حرست السريرا
لو أني قبلت ذاك الجبين
يرش ضياءً ويندي عبيرا
لو أني لثمت يديكَ. انحنيت
عليكَ شهدت الوداع الأخيرا
غازي القصيبي - قصيدة أبي - ١٩٧٦ - ديوان أنتِ الرياض

*الرياض في ١٥ أغسطس ٢٠١٠

جود الفرح
08-17-2010, 09:59 AM
غازي القصيبي تعدد الجهود.. تعدد الجماليات
تركي عبدالله السديري

لست أدري من أي مواقع تقديره أقدم شخصيته المتناهية صعوداً في حجم ما لَه من جماعية إكبار..

في أي الوديان الخضراء التي جرت فيها منطلقات مجالاته في الشعر والثقافة والرأي والمسؤولية فجعلها جميعاً امتدادات اخضرار دائم.. يزدهر بالتواضع والابتسام والاقتراب من كل عواطف تقارب إنسانيته.. في أي هذه الوديان التي ليس لها صيف وبها كل زخات العواطف ورياح دفع الناس نحو التآلف..

غازي القصيبي..

الرجل الذي تستطيع أن تقول عنه صديق الجميع فلا تكون قد أخطأت في أي حرف..

الرجل الذي ضرب أمثلة حيوية متتابعة في كيفية أن يكون الوزير معتدلاً ونزيهاً ومتابعاً لكل ما يُراد منه..

من أكبر إيجابيات غازي القصيبي - رحمه الله - ظاهرتان مهمتان في حياته:

الأولى: أنه في مسؤوليته الوطنية وإخلاصه لدولته ومجتمعه عندما كان يقوم بممارسة دور الإخلاص الصادق لكل من الدولة والمجتمع لم يكن موقع مسؤوليته هو الذي يُملي عليه نوعية السلوك، فسواء كان وزيراً أو سفيراً أو خارجهما تجد أنه ذلك المتواجد الحيوي إلى جانب كل حقيقة وكل توجه يخدم مساعي الدولة واحتياجات تطور المجتمع..

رغم وجوده في البحرين واقتراب المكان جغرافياً من رصاص صدام حسين الذي كان يسعى لالتهام الخليج وليس الكويت فقط ومع ذلك كان غازي - رحمه الله - أجرأ صوت ارتفع يعلن الرفض ويسفّه حماقات التسلط والعداوات..

الظاهرة الثانية في حياته: تعدد ثقافته.. هو كاتب الشعر المبدع، وفي الوقت نفسه هو كاتب الرواية الرائعة وهو راصد الثقافة المتميز..

هنا ظاهرة ثالثة لافتة للانتباه وهي وجود تنافس في الجماليات من النادر أن يحدث في شخصية رجل واحد.. جماليات ما كان يقوم به من مسؤوليات كوزير أو كسفير التي لم تتعطل أو تضعف لأن مَنْ يتحمّل مسؤوليتها قد استولت عليه جماليات الثقافة التي هي الأخرى حين أبدع في تعدد قدرات بروزه فيها وتواجده كرجل ثقافة متميز لم يكن هذا أيضاً في بروز الجماليات إلا رافداً ومتكاملاً مع جمالياته الأخرى.. رحمه الله رحمة واسعة.. الرجل الرمز في نزاهة المسؤولية، والرجل الرمز في كفاءة الثقافة..

جود الفرح
08-17-2010, 10:07 AM
أبو سهيل: قفوا لهذه الجنازة
حين ألححت عليه في السؤال قبل أشهر من مفارق الطريق، كان يجيبني بصوت كأنه خارج من القبر: علي... احفظ سرِّي إن قلت لك لقد أزف الرحيل



كل هذه الحياة... هذا الصخب الهادر، وكل تلك الأساطير، كل هذا التكرار من كاريزما الشخصية وضخامة الاسم.... كلها.... كلها.... كلها، انتهت إلى مجرد كفن، هو ذات (البشت) الذي حمل صاحبه إلى طاولات الملوك ومكاتب الزعماء، وإلى منابر الشعراء، وإلى بروتوكولات السفراء وموائد الأثرياء: هو ذات العباءة التي تكومت فوق صاحبها جنازة على سلم خشبي. هو ذات كل (الشخوص) التي لم تترك من سلالم الحياة درجة واحدة إلا صعدت بها أو صعدت إليه. هي كل الحياة التي انتهت كل (سلالمها) وأخيراً تذهب الجنازة إلى رمضاء الرياض، ومرة أخيرة فوق سلم خشبي لم تعد بإمكانها أن تصعد فيه درجة. عاش غازي القصيبي عبرة، وانتهى عبرة. هو المجد والسؤدد والعصامية التي أخذته إلى كل سلالم الارتقاء فلم تترك في السلم درجة، مثلما هو النهاية الحزينة ممدداً فوق سلَّم المغسلة، هامداً بارداً بلا حراك. هنا حفلة الألقاب في سلالم الحياة: الطفل الثري، ابن عوائل الكافيار والمحار والبحار. أستاذ الجامعة، يوم كان الأستاذ الجامعي نبرة صوت بندرة الكربون النقي. معالي الوزير حين تتدثر الوزارة بثوب وزيرها الفضفاض الضخم. معالي السفير الذي اختصر أركان السفارة في بدلة أنيقة. كبرياء الشاعر الذي تململ على إمارة الشعر العربي مؤمناً أن الشعر لم يكن رتبة عسكرية. هدير الروائي الذي آمن أن الإبداع يبدأ من ثقب صغير في أبواب الشقة إلى الحرية. هو حتى صدفة – الارستقراط – وهو يدرس طالباً على يد – جونثاو – في عاصمة الدنيا بأسرها ثم يعود بعد عقود للشارع الذي يليه وهو – يحاور – أميرة ويلز جداراً بجدار وهنا تكتمل فصول القصة. سبعون عاماً بسبعين درجة تطبع سبعين كتاباً لسبعة ألقاب لا تجتمع إلا نادراً في رجل: الوزير، السفير، الشاعر، الروائي، الدكتور، الكاتب، المفكر. هل أخل غازي القصيبي بوظيفة واحدة من تلك الألقاب أو بالأصح: هل ترك درجة واحدة من أعلى السلم لكل لقب وصل إليه؟
لا يبرهن غازي القصيبي من كل حقائق الحياة إلا على حقيقة واحدة: هي حقيقة الموت. الموت هو من يقبر كل الأوراق والألقاب والذكريات مثلما يقبر كل القصائد، مثلما يقبر رفاق العمر. لم يكتب غازي القصيبي، لنفسه ومن أجل نفسه، شيئاً بأجمل من بكائيته في (حديقة الغروب) ودعك عن كل ما كتبه من أجل الناس وانتبه لما كتبه من أجل نفسه. كان يكتب – الموت – فكأنه يكتب كل تفاصيل ليلة ما قبل البارحة. (خمس وستون في أجفان إعصار/ أما سئمت ارتحالاً أيها الساري؟) هو هنا لا يكتب الألقاب، ولا المجد الذي تأبطه، قدر ما يكتب الضعف والتعب، بمثل ما يكتب خوف الخطوات الأخيرة، بمثل ما يستسلم المرء حين يشاهد أشعة الشمس الصفراء ذابلة على ارتفاع متر من مغيب الشمس. (أما تعبت من الأعداء ما برحوا/ يحاورونك بالكبريت والنار) هو هنا لا يكتب لذة الانتصار بقدر ما يصف رايته البيضاء بلقبها مستسلماً على المتر الأخير من نهاية الطريق. (إن ساءلوك فقولي كان يعشقني/ بكل ما فيه من عنف وإصرار). هو هنا لا يكتب الحب، بل يكتب الأطلال مثل فارس صار لا يرى إلا حين يرفع حاجبيه عن جفنيه من الهوان والضعف. (وإن مضيت فقولي لم يكن بطلاً/ لكنه لم يقبل جبهة العار). هو هنا لا يكتب الفروسية والنبل وإنما يقف على آثار معركته وأماكنها وشخوصها بعد أن خارت القوى ولم تعد في الأعصاب من قدرة للدخول إلى (عين عاصفة) جديدة. (هذي حديقة عمري في الغروب كما / رأيت مرعى خريف جائع ضار/ الطير هاجر والأغصان شاحبة/ والورد أطرق يبكي عهد آذار). هو هنا يحاول أن يستعيد ربيع آذار من شرفة زمهرير كانون، وهو هنا يختصر كل فواجع العقود والسنين في مسافة بضعة أشهر. انظروا إليه وهو يحاور ابنته: (لا تتبعيني... دعيني واقرئي كتبي/ فبين أوراقها تلقاك أخباري/ وإن مضيت فقولي لم يكن بطلاً/ وكان يمزج أطواراً بأطوار). هو هنا يصارع الموت واليأس بالأمل الكاذب وسراب القيعان. وهو هنا مازال يصارع الحقيقة بالشك لتخدعه ذائقة الشعر وهو يقول (وإن مضيت) فكأنه يشك أن (لا يمضي). وكل الفارق المخيف أننا نعلم أنه قد مضى، ولربما هو لا يعلم. انظروا إليه في خديعة حديقة الغروب وهو يخاطب وطنه: (ويا بلاداً نذرت العمر زهرته/ لعزها! دمتِ إني حان إبحاري/ تركت بين رمال البيد أغنيتي/ وعند شاطئك المسحور أسماري/ إن ساءلوك فقولي: لم أبع قلمي/ ولم أدنِّس بسوق الزيف أفكاري/ وإن مضيت فقولي لم يكن بطلاً/ وكان طفلي ومحبوبي وقيثاري).
هنا كان يود غازي القصيبي لو أنه (سيهزم) حقائق الرحيل ومرة أخرى بالعودة إلى الشك في المحتوم وهو يردد (إن ساءلوك. وإن مضيت) وهنا انتقل غازي القصيبي من حديقة الغروب إلى حقيقة الظلام والعتمة وإلى ليل طويل... طويل... طويل.
رحم الله أبا سهيل: لم أكن أبداً من أصدقائه الخلص ولا من جلسائه ولكن: حين ألححت عليه في السؤال قبل أشهر من مفارق الطريق، كان يجيبني بصوت كأنه خارج من القبر: علي... احفظ سرِّي إن قلت لك لقد أزف الرحيل، هكذا قال لي الأطباء. كان شجاعاً حتى وهو يفشي إلي (بشائر) الموت. قفوا لهذه الجنازة، بل قف لها... أنت... يا أبا سهيل.



علي سعد الموسى

جود الفرح
08-17-2010, 10:16 AM
ابحثوا عن الوطن في أوراق غازي القصيبي

جمال أحمد خاشقجي
هذا رجل سنفتقده، ونتذكره في ليلة ظلماء نرجو ألا تكون، سيفتقده الباحثون عن الرأي الآخر بعدما يملون من أصحاب الرأي الواحد.
لقد خط غازي القصيبي مدرسة جديدة في العمل الحكومي، هو أن تعمل من داخل الحكومة وكأنك مختلف، وبالتالي تفكر خارج الأطر فتقدم الحلول المختلفة والمميزة التي يبحث عنها ولي الأمر. عندما فعل ذلك ألغى عبثية الانتقاد دون علم وعمل، ودون معلومات ودون خبرة بما هو جار على أرض الواقع.
كان أمينا مع رؤسائه ولكن لم يكن يوما من الرجال الذين يصمتون حني ينطق المسؤول فيعرفون رأيه فيعززونه بما لديهم من خبرة وعلم وإنما كان يقول ما يؤمن به ويصدق به النصيحة.
حضرت أكثر من اجتماع عمل معه وهالتني صراحته فتعلمت منه بعدما أمضى سنوات وسنوات في دائرة المسؤولية، إن أولياء الأمر في وطني يحبون الصادق الأمين الصريح. صراحته قد تجعله .. يحلق بعيدا أحيانا ولكنها كانت هي دوما من تعيده من منصب إلى آخر.
يظلمه من يجعل رحيله خسارة تيار، إنه خسارة لوطن، ما كان القصيبي ليبراليا أو قوميا أو يمينا أو يسارا، وإنما سعودي معتدل وطني مسلم، إنه تيار الاعتدال لم يبحث عن نموذج للاعتدال والوسطية، حتى وهو يجادل، ويخاصم، كان معتدلا. لقد تمثل في شخصه «المواطن السعودي الطموح التواق» المستشرف لمستقبل، الفخور بماض، الغيور على دين، كانت محبته للدين تتمثل في غيرته عليه من اعتساف التشدد الذي يشوه الدين فيصرف عنه الأخيار من المجتمع، فصنف مؤلفا جامعا في سماحة الإسلام.
خالف الحزبيين وصادمهم من أجل الوطن، فزعموا إنه يصادم الدين.
أراد أن يعز المرأة التي تحتاج إلى عمل، فيصونها بوظيفة ترفع بها رأسها وتقيم بها بيتها فلا تخضعها حاجة، فقالوا مشروع تغريبي وعجزوا عن تقديم حل عملي.
شجاعته وصراحته أغضبت صناع الكوابيس والجامدون قليلو الحيلة ضيقو الأفق، المتوجسون، الذين يحسبون كل صيحة عليهم، ولكن كان مستعدا أن يخاصم ويتحدى لأن قضيته دين ووطن.
ظل مشغولا بهذا الوطن حتى آخر لحظات عمره، وسط هموم الوزارة، ومعركة قيادة العاطلين إلى ما ينفعهم، محاطا بضغوط المتسترين، وتجار التأشيرات، ودسهم، وجد وقتا لآخر همومه هو أن يبحث في الإرهاب، ذلك الداء الذي أصاب مجتمعنا في مقتل، فكاد أن يعطل تنمية ومستقبلا، فنوى أن يؤلف عنه كتابا يعتمد فيه على رأي الإرهابيين والمتطرفين أنفسهم، اتصل بي، إذ يبدو أن لي سمعة فيما يخص «الإرهاب والتطرف» وطلب ما عندي من معلومات ونصوص ذات علاقة، خاصة تلك التي تكون على لسان المتطرفين أو كتب لهم ورسائل.
جمعت بعضا مما عندي وأرسلتها له، اتصل شاكرا وقال إنها عين ما أراد، وأضاف بحكمة أننا لن ننتصر على الإرهابيين ما لم نفهمهم، رأي سديد وافقته عليه فقلت له، مار أيك إذن أن تسعى للقاء هؤلاء في معتقلهم، فأرافقك فنجلس معهم ونسمع منهم، ضحك واتهمني أنني أريد أن استخدمه كي استفيد وأحقق سبقا صحفيا.
لعله فعل وأخذ بنصيحتي فالراحل كان على ما كثر عليه من أعمال وهموم شعلة نشاط، فابحثوا في أوراقه فثمة كنز من المعلومات هناك، ليس أدبا وشعرا فقط وإنما وطن متناثر في كل ورقة وفي ثنايا كل سطر.
معلومة أخيرة : أعتقد أن لغازي القصيبي الفنان اهتماما بالكاريكاتير، ربما يرسمه أيضا، ولكنه بالتأكيد كان جامعا للرسوم الكاريكاتيرية، أثناء عملي رئيسا لتحرير الوطن، كان كثيرا ما يرسل خطابا يطلب فيه رسما كاريكاتيرا نشر في الصحيفة يعلق على بعض هموم وزارته، غازي كان من القلائل الذي لا يضيرهم تصويره في رسم ساخر، بل كان يحب ذلك.

جود الفرح
08-17-2010, 10:17 AM
للحروف لسان

الرحيـل

سعد عطية الغامدي
لـم يكن وزيرا فحسب ولا شاعرا فحسب ولا سفيرا فحسب ولا أستاذا جامعيا فحسب ولا أكثر من ذلك، بل كان كل ذلك في تكامل إنساني لا يتوفر إلا لنوادر من الرجال.
كان راحلا في كل حياته نازعا إلى التغيير باعثا على الحياة بما في الحياة من صخب وسكون ومن تقارب واختلاف، ولم يكن يعبأ كثيرا بردود الفعل إلا في النادر جدا.
سوف يظل غازي في ذاكرة من عاصروه في كلية التجارة، وفي بيوت نائية ومصانع شامخة في الأرياف والمدن، لأنه سخر لهم مواهبه في سبيل حياة أكثر رفاهية، فنعموا بالكهرباء .. ونعموا بأن تكون في البلد صناعة ذات شأن، وسوف يظل في ذاكرة كثيرين ممن رأوا النقلة النوعية في تعامل الصحة بالمرض والمرضى.
إنه الإنسان بكل ما في الإنسان من حيوية وانطلاق، ومن رغبة في أن تكون الحياة هي الميدان المشترك الذي تلتقي فيه المواهب وتنطلق منه الكفاءات وتتصارع عبره الإرادات والملكات، ولذلك اختلف معه البعض وحاربه البعض، لأن الحياة لها قوانينها وتلك من قوانينها، وكان هذا على أشده حين امتطى صهوة «العمل» لأن المصالح المتضاربة فيها كثيرة والمخالفات أكثر من أن يحتويها أكثر الناس ذكاء وطاقة واقتدارا.
سيظل رحمه الله في قلوب الذين أحبوه والذين اختلفوا معه وربما لم يحبوه، لكنهم احترموه وحسبك بإنسان أن ينال الحب والاحترام من كثير من الناس لأنه الدلالة على أنه يملأ الحياة ويملأ السمع والبصر.
اللهم ارحمه واكتب له جنات النعيم.

جود الفرح
08-17-2010, 10:19 AM
تلميح وتصريح

وكان طفلي.. ومحبوبي.. وقيثاري

حمود أبو طالب
مأزق متعب حين يكون الحديث مشكلة، والصمت خطيئة.. الحديث عن الاستثنائي في زمن العاديين ليس سهلا، فكيف إذا كان الحديث بعد فقده.. صعب أن تتحدث عن رمز وهو يسمعك، والأصعب أن تتحدث عنه وأنت متيقن أنه لن يسمعك.
وإذا كان الصمت هو البديل تعبيرا حين تتعطل اللغة فإنه في بعض الحالات ذنب كبير. كيف يمكن الصمت حين يرحل من لا تنجب الحياة شبيهه إلا نادرا..
كيف يمكن الحديث عن من إذا تحدث لا يأتي بمثل حديثه أحد، وكيف يمكن الصمت حين نعرف أن قد صمت للأبد.. ماذا نفعل يا سيد الكلام؟؟ ما سنقول إذا تحدثنا؟؟ وكيف نتخيل أنك ستسامحنا إذا صمتنا وأنت تلوح لنا التلويحة الأخيرة؟؟
أنت تضعنا أمام خيارين كلاهما مر.. لكن شفقتك بنا ونحن نتلعثم فيك أهون علينا من عتب التاريخ إذا صمتنا عنك..
لقد أتيت في زمن يكتظ بالنسخ المكررة المتشابهة.. زمن أتعبنا بالانتظار الطويل الثقيل لكي يمنحنا رمزا يضيء بين الركام..
أتيت في زمن الاستكانة والخنوع والمداجاة والخوف، لتضيء شعلة الإقدام والمبادرة والوضوح والشجاعة، وتعلمنا كيف يمكن أن يكون للإنسان موقف أخلاقي في الحياة، وكيف يلتزم به مهما كان حجم المعاناة في سبيله، ومهما كان ألمها قاسيا ولئيما..
أتيت لتدشن زمنا جديدا مختلفا.. كنت رمزه وعرّابه وفارسه..
وأبيت أن تتزحزج خطوة إلى الوراء مهما كانت شراسة المواجهة .. أردت أن تعلمنا بذلك أنه لا قيمة للإنسان حين يقايض أو يتنازل أو يهادن عندما يكون مؤمنا بعدالة قضيته تجاه إنسانيته، ووطنه، ومجتمعه..
أحببت وطنك كما يكون الحب.. نزهته ورفعته فوق كل ما له علاقة بذاتك من مواجع تحملتها من أجله.. حتى في أقسى لحظات الشعور بفجيعة الخذلان كان أغنيتك الأثيرة، وقيثارتك التي نسجت أوتارها من قلبك وروحك وضميرك:
ويا بلاداً نذرت العمر.. زهرته .. .. لعزها!... دمت!... إني حان إبحاري
تركت بين رمال البيد أغنيتي .. .. وعند شاطئك المسحور.. أسماري
وحين أبحرت ذات يوم منخورا بالأسى لم تعتب عليها ولم تلمها ولم تقس عليها. كل ما رجوته منها ألا تسمح للانتهازيين والأفاكين بنسج حكايات الزور والبهتان. وكنت نبيلا فلم تطلب منها سوى أن تقول الحقيقة إذا لزم الأمر:
إن ساءلوك فقولي: لم أبع قلمي .... ولم أدنس بسوق الزيف أفكاري
وإن مضيت.. فقولي: لم يكن بطلا .... وكان طفلي.. ومحبوبي.. وقيثاري
يااااه يا أبا يارا.. كيف لا يكون بطلا من لا يبيع قلمه أو يدنس أفكاره بالزيف؟؟
كيف لا يكون بطلا وهو يقف وحيدا، يأنف الدخول بين الحشود التي يكتظ بها سوق البائعين؟؟
كيف لا يكون بطلا وهو يعف عن الخوض في تجارة الزيف المربحة، الضامنة لحياة بلا قلق وصداع وأوجاع؟؟
كيف لا يكون بطلا وهو يدفع ثمنا باهظا كان تفاديه سهلا جدا، مجرد الإيماء بالموافقة على دخول هذا السوق..
كيف لا يكون بطلا من يصر على أن تستمر رائحته زكية بين الروائح التي تزكم الأنوف، وكيف لا يكون بطلا من يستطيع الحفاظ على إهابه نقيا وهو يقفز بشموخ فوق مستنقعات الأوحال؟؟..
لقد استطعت ذلك لأنك كما قالت ذات يوم شاعرتنا الجميلة أشجان هندي:
غازي الذي شهد الزمان وأهله .... أن ليس كاستثنائه استثناء..
أفلا تكون بطلا يا حبيبنا غازي وأنت استثناء في زمن يندر فيه الاستثناء؟؟
عانيت بسبب الشعر الفخم.. تعبت بسبب الفكر المستنير..
تألمت بسبب المبادرات الخلاقة وشجاعة القرار..
تهاوت عليك السهام بسبب مواقفك الناصعة من أجل الوطن..
احترقت إخلاصا في جامعتك وإدارتك ووزارتك وسفارتك، وكل مهمة أخرى تحملت عبئها.. اتفقوا عليك واختلفوا عليك..
مدحوك وذموك، فلا زادك المدح ولا أنقصك الذم..
أمعن البعض في محاولات النيل منك حين خاصموك، لكنهم لم يتنبهوا إلى ما عبرت عنه أيضا شاعرتنا أشجان بقولها:
غازي الذي أثنى عليه خصومه .. .. والقدح لو تدري الخصوم ثناء
مضيت تصهل في دروب الحق والخير والعمل المخلص غير آبه بكل الزوابع والمكائد والمنغصات، لأنك خلقت من أجل حياة منتجة مبدعة، لا حياة خاملة مستكينة.. وحياة صاخبة كحياتك لا بد أن يدركها التعب، لكنك كنت دائما تقاومه ببسالة.. هذه المرة دخل معك في معركة غير نبيلة حين هاجمك وجسدك مثخن بحرائق سبعين عاما..
في المواجهة الأخيرة أدركت قبلنا أنه كان أقوى منك..
أدركت أن يد القدر بدأت تقترب، لكنك أيضا كنت شجاعا كعادتك..
مضيت ترتل نشيدك الأخير بهدوء.. تسامت روحك وشفت، وأبكيتنا وأنت تتهدج قائلا:
أغالب الليل الحزين الطويل .. .. أغالب الداء المقيم الوبيل
أغالب الآلام مهما طغت .. .. بحسبي الله ونعم الوكيل
ثم مضيت شجاعا مؤمنا لتعلن أنت رحيلك قبل أن يعلنه أحد:
هديل بنتي مثل نور الضحى .. .. أسمع فيها هدهدات العويل
تقول يا بابا تريث فلا .. .. أقول إلا سامحيني.. هديل
وداعا أيها الفارس النبيل .. وداعا في زمن عز فيه مثلك.

جود الفرح
08-17-2010, 10:20 AM
ورحل العملاق

عيسى الحليان
وأخيرا آن لهذا العملاق الكبير أن يريح ويستريح..
ماذا يمكن للمرء أن يستحضر من كلمات في رثاء شخصية أسطورية تجمعت فيها حزمة من المواهب، التي لا تجتمع إلا لدى العمالقة..
رحل غازي القصيبي وقد ترك وراءه إرثا لا يضاهى من المواهب والفعل الإنساني المخلص.. رحل هذا العملاق ولم يترك خلفه إعجابا بشعر، أو تجليا في إدارته، وإنما ترك خلفه ثقة الناس وحبهم الكبير، وهنا تكمن عظمة الرجال وتختبر معادنهم..
رحم الله غازي.. فقد كان من جيل الرواد الذين ساهموا بشرف في بناء هذه البلاد منذ بواكير التنمية الأولى، وكان نسيج وحده من الرجال المعدودين الذين أبلوا بلاء حسنا، وتركوا بصمة لا تنسى في كل ما أسند لهم من أعمال ومسؤوليات..
كان القصيبي مدرسة إدارية متموجة تجلت فيها قدراته ومواهبه، وترك لنا سجلا لا يضاهى.. لا يتركه إلا الخالدون..
رحل القصيبي لكن مدرسته في النزاهة والإخلاص ستبقى خالدة متوهجة في زمن قل فيه المخلصون وكثر فيه الفاسدون..
نم قرير العين أيها العملاق.. فقد عشت زكي النفس صادق النية نظيف اليد..
نم قرير العين أيها الرجل الكبير فسوف ينصفك التاريخ ويضعك في مصاف الشرفاء والخالدين.
وأنت أيها الملك الكبير، أنت يا عبدالله بن عبدالعزيز، لقد كرمتنا وكرمت الوطن كله وكنت نعم الرجل الوفي بكل ما فعلته مع هذا الرجل المخلص الذي ظل ضميرا لهذا الوطن ورمزا لكل الشرفاء والمخلصين.

جود الفرح
08-17-2010, 10:22 AM
أفيـــــــاء

رجل لايتكرر ..

عزيزة المانع
يا عالم الغيب، ذنبي أنت تعرفه
وأنت تعلم إعلاني، وإسراري
وأنت أدرى بإيمان مننت به
عليّ، ما خدشته كل أوزاري
أحببت لقياك، حسن الظن يشفع لي
أيرتجى العفو إلا عند غفار؟
رحم الله غازي القصيبي وأسكنه فسيح جنته. لقد كان رجلا نادرا، لا يتكرر مثله. وفاة القصيبي لم تكن مفاجئة فقد ظل لفترة طويلة يصارع المرض المفترس، لكني، مع ذلك، شعرت بصدمة وأنا أتلقى خبر نعيه، أكاد لا أصدق أن تأتي النهاية بهذه السرعة، في لحظات! تحول ذلك العملاق الشامخ إلى جمود وبرود وغياب! غلبني الذهول، كيف لمن كان رمزا للقوة في مختلف صورها المادية والمعنوية، أن يغيب في مثل لمح البصر مثله مثل أي رجل عادي!
ويهمس الناس: أمر الله، حكمته،،، مصيرنا الموت، هذا درب من خلقوا ما أقصر هذه الحياة وما أسرع ما نصل إلى النهاية، تلك النهاية التي تلتقي عندها كل الطرق، وتصب في قاعها كل الجداول، وتتجه نحوها كل الخطى، تلك النهاية التي تتمثل فيها الحقيقة الوحيدة في هذه الدنيا حيث لا أحد يملك تغيير خط سيره، ولا أحد يملك رفض اللقاء، فلا عملاق ينجو، ولا مفكر يسام، ولا فنان يفلت، ولا ذا مال محتم بماله ولا ذا سلطة بذابة عنه سلطته، ولا ذا جاه بمتق لها بجاهه، الجميع مساق إليها يلتقمه فاهها بلا فرق، وهي منتصبة صامدة لاتشبع ولا تتعب ولا تمل.
إن كان ثمة اختلاف بين الناس، فهو في نوع الحياة التي يعيشونها قبل أن يبلغوا تلك النهاية الموحدة التي يتشاركون فيها. هناك بين الناس من يكون مروره بهذه الحياة عابرا، يحل بها ويرحل عنها لم يسمع عنه أحد ولم ينتفع به أحد، فوجوده وغيابه سواء. وهناك من الناس من تخلد حياته في هذه الدنيا بما يحدثه من تغيير وما يتركه من أثر، فيغيب عنها ولا يغيب، ويختفي ولا تختفي آثاره.
وآثار الرجال إذا تناهت
إلى التاريخ خير الحاكمينا
غازي القصيبي، رحمه الله كان من القلائل الذين تناهت آثارهم إلى التاريخ فحكم لها بالخلود، فلم يغادروا دنياهم إلا بعد أن أخذوا من فمها ثناء وتركوا في مسامعها طنينا. كان رجلا نادرا يغبطه كثيرون على تعدد مواهبه، وتوقد نشاطه، وتأجج حماسته. رحمه الله وغفر له وجزاه خيرا بكل عمل طيب قدمه لوطنه وأمته.

جود الفرح
08-17-2010, 10:22 AM
وترجل الفارس النبيل

عبدالله زينل
فجعنا بخبر وفاة معالي الدكتور غازي القصيبي الوزير والدبلوماسي والأديب ورجل الدولة بعد صراع طويل مع المرض، حيث بوفاته، رحمه الله، فقدنا أحد أبرز القيادات الإدارية الفذة المبدعة، وعلما بارزا من أعلامها. فقد كان رحمه الله، مثالا للمسؤول المخلص لدينه ثم لمليكه ووطنه، يتمتع بقبول واحترام الجميع، متواضعا.
ولعلي هنا لا أستطيع أن أعبر عما يختلج في صدري، حيث لا تكفي الكلمات لسرد محاسن ذلك الرجل وأخلاقه، كان -يرحمه الله- صاحب فكر نير وحضور مميز يثري كل لقاء يحضره من خلال أطروحاته التي تتميز بالإبداع والرؤية الثاقبة وقدرته العالية على استشراف الكثير من الأمور بكل جدارة واقتدار، ولهذه الصفات أولته قيادتنا الرشيدة مناصب عدة مهمة كان منها وزيرا للصناعة والكهرباء خلال الفترة من 1975-1982م، حيث أسس البنية التحتية الضخمة للصناعة والكهرباء وشهد قطاع الصناعة الكثير من التطور والتقدم وتحديث العديد من الأنظمة الصناعية والحوافز لتواكب التطور المتسارع في العالم، كما أسس نظام الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) وأصبح أول رئيس لمجلس إدارتها، وتولى رئاسة مجلس الإدارة في مركز الأبحاث والتنمية الصناعية وتولى رئاسة مجلس الإدارة في عدد من شركات البتروكيماويات.
ورغم ارتباطاته العملية إلا أنها لم تثنه عن عمل الخير، فقد أسس الجمعية السعودية للأطفال المعاقين وكان أول رئيس لمجلس إدارتها وأولاها الكثير من اهتمامه ووقته جعلها الله في ميزان أعماله ورحمه رحمة واسعة وغفر له، وفي الختام أقدم عزائي ومواساتي لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين والنائب الثاني ولعائلته الكريمة وأبنائه وبناته وأسرة القصيبي كافة. «إنا لله وإنا إليه راجعون».
* وزير التجارة والصناعة

جود الفرح
08-17-2010, 10:24 AM
لنا لقاء

فقدنا أديباً وابن وطن

عبد الرحمن بن عبد العزيز الهزاع
بتسليم بقضاء الله وقدره فجعت، كما فجع غيري بوفاة فقيد الوطن معالي الدكتور غازي القصيبي وزير العمل رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته. انطفأت شمعة أضاءت سماء الوطن، والأدب، والفكر، والسياسة سنين طويلة. من منا لا يتذكر الدكتور القصيبي حين صال وجال في ميادين الصحة، والصناعة، والسياسة، والعمل، وأحدث نقلات في النوع والأداء لا يزال المواطن يلمس آثارها إلى اليوم. كان يترجل من مكتبه ويقوم بجولات مفاجئة للقطاعات الصحية يتلمس فيها الاحتياجات من أرض الواقع، ويحاسب المقصر جراء ما عمل.
يذكر عن المرحوم القصيبي أنه كان يحتفظ في مكتبه عندما كان وزيرا للصناعة والكهرباء بفانوس كي يذكره بأن لا عودة إلى الوراء، وأن مصابيح الكهرباء يجب أن تضيء كل بيت.
فقيدنا أثرى المكتبة العربية، وعلى مدى عقود من الأزمان بروائع في الأدب، والقصة، والشعر أمتعت كل من طالعها، ومن كتابه (حياة في الإدارة) تعلمت الكثير من الأساليب الإدارية الناجحة في التعامل مع الوظيفة والموظف، ومواجهة الأزمات، وكسب ثقة الآخرين ومحبتهم. من منا لا يردد إلى اليوم (أجل نحن الحجاز ونحن نجد ...هنا مجد لنا .. وهناك مجد)، إنها كلمات ترسم في عمقها الانتماء والحس الوطني الرفيع الذي يؤكد على تخطي كل نعرات أو انتماءات في سبيل الوطن. لقد أكد الدكتور القصيبي هذه الحقيقة الراسخة في فكره ولمستها واضحة عندما عرضت له أمس إحدى القنوات التلفزيونية لقاء، قال فيه «إنني على استعداد لأن أفدي الوطن بروحي».
أبى الدكتور القصيبي لقلمه أن يترجل حتى وهو يعاني تباريح الألم. استمر يكتب ويكتب إلى آخر لحظة، وجاء كتابه (الوزير المرافق) ليضيف إلى باقته الشعرية، والروائية، والسياسية طرحا جديدا في أدب المواقف الشخصية، والحديث عن الآخر، حيث أفاد وأمتع بما كتبه عن عدد من الشخصيات العالمية التي أتيحت له مقابلتها ضمن الوفد الرسمي المرافق لخادم الحرمين الشريفين أو سمو ولي عهده الأمين حفظهما الله.
لن نكتفي بالبكاء عليك يا فقيد الوطن، فالدمع لن ينسينا ما قدمت، ولكن ستظل ذكراك نجمة ساطعة في سماء بلادنا، وسيظل ما قدمت من خدمات وإنجازات للوطن شاهدا على أنك رمز من رموزه، كما ستظل مكتباتنا تضم في ثناياها نتاجا قل أن يجود بمثله الآخرون فكرا وثقافة وإمتاعا.
من شكك في وطنيتك فليقرأ قولك في رائعتك (خمس وستون):
ويـا بـلادا نـذرت العمر.. زهرته
لعزها!... دمت!... إني حان إبحاري
تـركت بـين رمـال الـبيد أغنيتي
وعـند شـاطئك المسحور. أسماري
إن سـاءلوك فـقولي: لـم أبع قلمي
ولـم أدنـس بـسوق الزيف أفكاري
وإن مـضيت .. فـقولي: لم يكن بطلا
وكـان طـفلي.. ومحبوبي.. وقيثاري.
نسأل الله أن يغفر لك ويرحمك وأن يستجيب دعواك حين قلت في القصيدة نفسها:
يـا عـالم الـغيب! ذنبي أنت تعرفه
وأنـت تـعلم إعـلاني.. وإسـراري
وأنــت أدرى بـإيمانٍ مـننت بـه
عـلي .. مـا خـدشته كـل أوزاري
أحـببت لقياك .. حسن الظن يشفع لي
أيـرتـجى الـعفو إلا عـند غـفار؟.

جود الفرح
08-17-2010, 10:33 AM
غازي القصيبي يرحل عن 70 عاماً بعدما ملأ الساحة العربية أدباً وثقافة
الإثنين, 16 أغسطس 2010
Related Nodes:
081614b.jpg
*فطرة سلفه المتنبي (محمد علي فرحات)

تلك الهامة لا تُنسى

غازي عبدالرحمن القصيبي بطوله الفارع وحضوره الآسر، لا الطاغي، رأيناه علامة في الوسط الديبلوماسي في بريطانيا. سفير المملكة العربية السـعودية، لكنه في معظم الأحوال وزير إعلام العرب والمسلمين على شاشة التلفزيون، خصوصاً القناة الرابعة، قناة المثقفين. يحضر الى شبه فخّ ليدافع عما يصعب الدفاع عنه، صورة العرب المسلمين السلبية كما عممها متعصبون هامشيون يسهل عليهم تكفير الآخر والانكفاء عنه ونسبة سلوكهم الى الاسلام.

بتفاؤله وثقافته الشرقية - الغربية كان القصيبي قادراً على إقناع النخبة البريطانية، ولكن، أنّى لرجل وحيد مثله أن يمسح أخطاء عشرات المتعصبين الذين تروج صورتهم السلبية في الإعلام البريطاني، لغاية في نفس يعقوب.

سفير ومبدع في الشعر والرواية والمقالة. وفي جلسات الأصدقاء يألف المخاطبة «غازي» لا «الدكتور» ولا «سعادة السفير»، يحملنا على المساواة إذ نقف جميعاً أمام نار الإبداع ونجهد لتحويلها نوراً لا يحرق. ذلك الجهد يساوي بيننا أياً كانت فروق النجاح.

معه تذكرنا حقيقة بديهية هي أن البلاد التي أتى منها حاملاً أنفاسها (السعودية) هي مهد العرب والإسلام، وفي نصوصه تلك الفطرة تذكرنا بفطرة سلفه المتنبي حين أنهى «وورك شوب» لغوياً في بادية السماوة. غازي القصيبي جدول كلام رقراق لا تعوقه حصوات الجمل الطويلة والضمائر المعقدة.

شعره يذكّر برومنطيقيي ما بعد النهضة مع احساس خاص بالمجالسة كأنه يقرأ لمستمع واحد من أجل الإلفة. وفي نثره، خصوصاً الروائي، شفافية تجعل اللغة مرآة للأشياء ولأحوال النفوس.

ولطالما أسرتني استطراداته الحية، خصوصاً في رواية «العصفورية»، تلك الجاحظية الحديثة تستحق مكانة مميزة في لغة الرواية العربية الحديثة.

السفير المبدع، لكن القصيبي قبل ذلك وبعده، الإداري ذو الحركة الإيجابية، تشهد على ذلك بصماته في غير وزارة سعودية.

لقد ترك فراغاً.

*علامة الإحياء الشعري (جابر عصفور)

غازي القصيبي هو واحد من أصحاب الشعر الصافي والموهبة الأدبية الأصيلة، وكان متعدد الاهتمامات الأدبية، إذ كتب الرواية والشعر وكان فيهما نمطاً فريداً بذاته، وظل يجمع بين الحرص على التقاليد الرصينة والحداثة. هو علامة على الإحياء الشعري المحدث والكتابة الروائية الرصينة. وستظل روايته «شقة الحرية» فريدة في بابها من حيث هي رواية سيرة ذاتية تتحدث عن شبابه وترصد التيارات القومية التي تأثر بها في مختلف أرجاء الوطن العربي وصعود القومية العربية وسط تيارات متصارعة. رحم الله غازي القصيبي الذي سيظل قريباً إلى قرائه عبر شعره وأعماله الأدبية التي تعد أثراً باقياً يدل على حضوره.

*ضميرنا الثقافي (عبد الله الغذامي)

هو رمزنا الذي يسبقنا إلى كل بقعة من بقاع العالم، فما يذهب أحد منا إلى مكان إلا ويجد غازي قد سبقه إليه فيزين هاماتنا ويعمق قيمتنا في وجوه الآخرين. هو غازي الذي كان يعيد صياغة أحاسيس كل مواطن ومواطنة حتى كان كل فرد منا يشعر أن غازي، هو حقه الخاص وأنه غازيه هو أو هي.

حتى أن الناس كبار السن، كانوا يتحدثون عن غازي (باسمه المجرد لأنهم يشعرون ألا فاصل بينهم وبينه)، لأنه لم يكن وزيراً ولم يكن وجيهاً ولم يكن من عائلة عالية المقام، وإن كان يبدو كذلك، ولكنه كان رمزاً وجدانياً للجميع مثلما هو رمز ثقافي للمثقفين وسياسي للسياسيين، وإداري للإداريين ورجل عمل وأعمال لمن يعملون. تنوعت مواهبه وتعددت وتبعاً لهذا تنوعت محبته وتعددت، حتى مع خصومه وكنا نعرف الكتب الخمسة عن المشايخ الخمسة، الذين صارت بينه وبينهم حروب ضروس، وكان قوياً وواضحاً في قول رأيه وفي مواجهة من واجهوه وهو بهذا لم يعمق الخصوم ولكنه فتح أبواباً للفهم ومعرفة الرأي والرأي الآخر، إلى حد تحول معه خصومه إلى أصدقاء، خذ مثلا الشيخ سلمان العودة والشيخ عائض القرني اللذين صارا يتبادلان الأشعار والقصائد في المحبة معه بعد حرب في الأشرطة والكتب.

هو غازي كل واحد منا، فرداً فرداً، وهو لهذا غازي الوطن وغازي ضميرنا الثقافي، هو الذي ملأ حياته بالعمل الدؤوب الذي لم يكل قط، وكنا نغبطه ونتعجب منه على قدراته الهائلة في سيطرته على الوقت، وعدم السماح للمشاغل الكبرى في أن تزاحم مهاراته التأليفية والإبداعية، أو تحول بينه وبين التواصل مع الناس، وكلنا نعرف أنه يتابع الخطاب الإعلامي بكل مفرداته ويتواصل مع الإعلاميين في شكل يومي ومباشر ومستمر.

*رائد "شقة الحرية" (طالب الرفاعي)

من أين يمكنني أن أمسك بخيط الكتابة عن غازي القصيبي، وهو الإنـسان والشاعر والروائي والمـسؤول الرفـيع، وقـبل هـذا وذاك الـصديق المـخلص، الذي يخجلك بتواضعه ووصله ونبل أخلاقه؟ وكيف لي أن أكتب عن غازي القصيبي في لحظة انتقاله إلى البارئ الأعلى؟ ولكن، هي الدنيا لا تعبأ بشيء سوء سيرها في رحلتها الأبدية.

أعلم تماماً، أن اللحظة لا تتسع للوقوف عند أعمال وسيرة غازي القصيبي، ولكني سألمح إلى روايته الأهم «شقة الحرية»، وهي الأهم بنظري لأنها، تشكل رواية فتح وسبق على ما جاء بعدها. فهي رواية فتح بمعنى جرأة المؤلف المسؤول على ارتياد عوالم الكتابة الروائية من جهة، وعلى الخوض في البوح المحذور من جهة ثانية، وهي في نهاية المطاف رواية تأريخية، تؤرخ روائياً لأبناء الخليج في رحلتهم العربية، وتعلقهم بالشعارات العربية، في مرحلة من أهم مراحل الأمة العربية في تاريخها الحديث. وهي رواية تقدم صورة ناطقة لحياة أبناء الخليج في انتقالهم من مجتمعاتهم إلى مجتمع مصر أم الدنيا، أيام كانت انتقال الخليجي من بلده إلى القاهرة، بمنزلة انتقاله إلى عالم آخر، جديد عليه، ومليء بحياة أقرب إلى الحلم.

(شقة الحرية) كانت الرواية السعودية الفتح، حين قالت بإمكانية أن تكون الذكريات الشخصية الخاصة، التي تقارب الوثائقية، مادة خصبة للرواية. وهي بذلك حركت وجرّأت أجيال روائية شابة من خلفها، كي تقول كلمتها الروائية، في تجربتها الإنسانية الخاصة، متجاوزة ومخترقة كل المحظورات، في مجتمع ما زال يمارس حياته تحت شعار «استر على ما واجهت».

إن جرأة مسؤول رفيع في الدولة، على الكتابة عن ذكرياته وأفكاره عبر شخصيات الرواية، كانت بمثابة القول بعجز المنصب الحكومي عن إسكات الكاتب حين يريد قول كلمته، ولهذا شكّلت (شقة الحرية) الشرارة الخفية التي حركت كتابات، ما زالت تتوالى، ويقف القارئ مشدوهاً أمام، حبكتها الروائية، وجرأتها الصادمة. نعم، لقد حرك غازي القصيبي بروايته «شقة الحرية» سواكن كثيرة كانت كامنة في المجتمع السعودي.

إن الحديث عن غازي القصيبي الروائي، لا يمكن أن يمرَّ من دون التعرض إلى حماسته الكبيرة للأصوات الروائية الشابة، وتبنيه لبعضها، وبما يؤكد على أن الفن الروائي، من دون غيره من الأجناس الأدبية، كان متمكناً من عشق غازي القصيبي.

يمثل غازي القصيبي، نموذجاً نادراً لشخصية متعددة المواهب، تنقلت في شتى بقاع الأرض في مناصب كبيرة، ولكنه على رغم كل ذلك ظل غازي الإنسان، عاشق الفن والأدب. لك الرحمة الواسعة أيها الصديق الوفي.

*رجل التجارب (اسماعيل سراج الدين)

رحل عن دنيانا، إلا أنه لم ولن يرحل عن ذاكرتنا، إنه الأكاديمي والشاعر والأديب والديبلوماسي والوزير والإنسان غازي القصيبي الذي ننعى وفاته ببالغ الحزن والأسى. عرفته قويّ الشكيمة، طويل الباع، لا يحيد عن هدفه، واضح الحجة، منطقي التفكير. مر الرجل على مدار حياته بالكثير من التجارب الحياتية التي لم تزده إلا شجاعة وثباتاً، إذ أحدث معظم مؤلفاته الأدبية ضجة كبرى عند طبعها، ومُنع كثير منها من التداول في بلده، وهاجمه ضيقو التفكير والمتسلطون الذين نصبوا أنفسهم قضاة على الفكر والإبداع.

تميز الراحل في المواقع كافة التي تولاها، تعاونّا سوياً حينما كان وزيراً للصناعة من خلال عملي في البنك الدولي فكانت ثمرة هذا التعاون الكثير من المشاريع التنموية، كما أنه ذو شخصية متعددة المواهب، وهو ما يظهر جلياً في تنوع المواقع التي شغلها. كانت بيننا منافسة على منصب مدير الـ «يونيسكو» على رغم كونها معركة انتخابية إلا أنها لم تمس صداقتنا الوطيدة بل تقابلنا بعدها في لندن في جلسة مطولة كانت صريحة إلى أبعد حد. أكدت هذه الجلسة مدى ما يجمعنا سوياً من الحرص على الثقافة المعاصرة الحيوية التي تعطي العرب الكثير. إنني إذ أنعى هذا الرجل المستنير، أؤكد أن إرثه سيظل باقياً في وجدان هذه الأمة وعقلها.

*المتفوق على الألم (ياسين رفاعية)

لم يواجه أحد الموت بشجاعة كما واجهه غازي عبدالرحمن القصيبي، ذلك السرطان في الأمعاء، كأنه مجرد صداع، فإيمان القصيبي بالله جعله يسخر من الموت الذي هو تحصيل حاصل لكل البشر... وهو يعاني على سرير المرض كان شغفه بالإبداع يتفوق فيه على الألم، فكتب قصته الطويلة «ألزهايمر» ما بين حقنة وأخرى أتجاوب مرضه معها أم لا؟

وفي هذا الوقت صدر قرار عن وزارة الإعلام السعودية بتوقيع وزيرها الشاعر عبدالعزيز خوجة برفع المنع عن روايات الراحل التي كانت ممنوعة من التداول في المملكة، كأنها هدية والقصيبي على الرمق الأخير.

في «ألزهايمر» التي لم يرها القصيبي مطبوعة والتي ستصدر بعد أيام في بيروت عن دار بيسان، يتحدث فيها عن الموت: الموت البطيء «موات كل لحظة... بل هو أسوأ من الموت».

كتب لي القصيبي بعد وفاة أمل جراح معزياً ببيت من الشعر للإمام الشافعي يقول فيه:

«فلا المعزّي بباقٍ بعد صاحبه / ولا المُعزّى... وإن عاش إلى حين» فكأنه يقول ويتوقع، وكما نقول جميعاً ونتوقع «وإن عاش إلى حين» أو في القول المأثور لعمر بن الخطاب: «الموت باب، كلٌّ منا عابره» فهم السابقون ونحن اللاحقون.

في: «ألزهايمر» يقول القصيبي: «ما بين فقدان الذاكرة وبين إصرارها على التذكر فالمرء من دونها إنسان ميت وإن كان حياً بين الأحياء» هذه الرواية المختزلة في سبعين صفحة، فاجعة قاسية، كتبها في اللحظة الساخنة من حياة القصيبي، ما يعني ان الراحل الكبير أراد الإمساك بالحياة ما وسعه الى ذلك، فالحياة هي الأجمل من الموت، خصوصاً الموت البطيء الذي يأكل ذكريات المبتلى بألزهايمر كأنه يموت ولا يموت...

ويسأل في هذه الرواية، التي ستكون علامة فارقة في أعماله: «سبحان الله: هل للذكريات حياة؟ هل لها روح؟ هل لها عقل؟ هل تشعر أنها، بعد حين لن تجد ملجأ. هل هذه الذكريات كالأرواح المنكودة التي غادرت أجسادها ولم تـسـتطع الـتـحرر من سجن الأرض فأصبحت أرواحاً ضائعة لا يؤويها أحد؟».

عندما انتقل القصيبي من البحرين الى لندن سفيراً للمملكة فوق العادة (خضّ) المدينة الكبيرة من عاليها الى سافلها... فلم يجلس مثل بقية السفراء العرب وراء مكتبه يوقّع هذه الأوراق أو تلك، بل أشعل المدينة بالثقافة العربية، وجعل من مبنى الإعلام العربي السعودي في لندن خلية ثقافية، من محاضرات وأمسيات شعرية وندوات ومعارض وفنون، بل شجع على إقامة معارض للفنانين العرب وكان أول من يشتري لوحاتهم. إضافة الى ذلك قارع الصهيونية في صحافتها حتى ضجّت منه إسرائيل وكتبت الى وزارة الخارجية البريطانية الاحتجاج تلو الاحتجاج على تصريحات السفير وكتاباته وقصائده.

عشر سنوات من النشاط. لم يسبق لأي سفير عربي آخر أن قام بمثله، حتى شبّهه أحد الكتّاب بسفير الدول العربية كلها. كان صديقي رحمه الله، بل صديق العائلة، زارنا في منزلنا بلندن مراراً، وقدم لأمل لوحة من الصدف المقدسي. اشتراها من معرض للفنون الفلسطينية الحرفية، وهي عبارة عن آية الكرسي في سورة البقرة في القرآن الكريم، وهي لوحة طولها متر وعرضها نصف متر. فكانت أجمل هدية لنا على الإطلاق.

كتبت له قبل نحو شهر رسالة أطمئن عليه فيها، فرد برسالة طيبة ورائعة يطلب مني ان «أدير بالي على صحتي» وأنه حالياً في حالة استقرار مع المرض... لم يتخلَّ عن واجباته تجاه أصدقائه، حتى وهو في ذروة هذه المحنة، فقد كان ذروة بالوفاء لأصحابه ومبادئه وقيمه العليا.

من الصعب جداً ان نلتقي برجل من هذا النوع، رجل مميز ومبدع وكبير، وكان من أنقى الوجوه الثقافية قدّم لبلده صورة عن الإشعاع الحضاري العربي العظيم. رحم الله الرجل.

*وداعاً أيها الفارس (أحمد الصياد)

كثيرة هي الأعمال الإبداعية المتنوعة التي أمتعنا بها الدكتور غازي عبدالرحمن القصيبي، وكثيرة هي المواقف السياسية المتميزة التي اتخذها، متجاوزاً التزامات الأنظمة وحذلقة الحكومات. كل هذه الأعمال والمواقف لا بد وأن يتطرق اليها بعمق ومعرفة كل من عرف القصيبي وتابع أعماله وإبداعاته من رجالات الفكر والسياسة.

اكتفي في هذه الأسطر العاجلة بذكريات من لقائي الأول ثم الأخير بالدكتور غازي القصيبي. فقد كان لقاؤنا الأول عندما ترشح لمنصب مدير عام الـ «يونيسكو» عام 1999. فقد علم أن اليمن كان قد أعلن ترشيحي لهذا المنصب الدولي بموافقة جامعة الدول العربية. ولهذا بادر شخصياً بالاجتماع بي في باريس، وبلباقة الديبلوماسي وبلاغة الشاعر وبراعة المثقف أقنعني بدعم ترشيحه، قبل أن تتمكن المملكة من إقناع اليمن بذلك.

وقد أقدمت على ذلك حباً وتقديراً لفارس الكلمة وصاحب المواقف، الرجل الذي لا يمكن إلا التسليم بحججه وتقدير مواقفه، واحترام مثله وأخلاقه، والتأثر بتواضع شخصه. كل ذلك على الرغم من ادراكي أن هناك عوامل موضوعية، ليس لها دخل بمواقف الشاعر والمثقف والديبلوسي، تقف حائلة دون وصوله لذلك المنصب رغم الوعود الرسمية، وهذا ما أوضحه الكاتب في روايته الخاصة بهذه التجربة اليونيسكوية التي سماها «دنيسكو».

وأتذكر أن نقاشنا عن الـ «يونيسكو» لم يستمر سوى دقائق معدودة، أما بقية النقاش فقد تناول قضية الحركة القرمطية في العراق والبحرين ثم اليمن. وأعتقد جازماً أن القصيبي قد أثار هذه المسألة لعلمه أنني متأثر بعض الشيء بأفكار هذه الحركة. غير أن النقاش أوضح أن الدكتور قرمطي حتى العظم ولهذا أجادني شرحه عن الواقع التاريخي لنشوء الحركة القرمطية وبعدها الاجتماعي والسياسي.

أما لقائي الأخير مع فقيدنا فقد كان أيضاً في الـ «يونسكو» قبل شهر، حول أمسيته الشعرية الرائعة وسرده المتميز «لسميم» قبل أن ننتقل الى منزل السفير والكاتب السعودي زياد الدريس. وهناك كانت الـ «يونيسكو» حاضرة، وترشيح الصديق فاروق حسني موضوع النقاش. وقد شعرت في تلك الليلة الرائعة وعلى الرغم من دعم القصيبي للأستاذ فاروق حسني الا أن تجربته الماضية لا زالت ماثلة أمامه ولهذا قال كلمته «لا تثقوا بوعود الدول ولو كتبت».

*المثقف الرحب (محمد سلماوي)

غازي القصيبي مثقف عربي كبير تتخطى أهميته محيط الأدب والشعر إلى الثقافة الرحبة. كنت أعرفه معرفة شخصية وأحترمه احتراماً كبيراً؛ لأنه أضاف مسحة تنويرية واضحة على وجه الثقافة العربية بخاصة في ما يتعلق بالسعودية، فكان رمزاً للتنوير والانفتاح على الثقافات العالمية من موقعه المتجذر في الأدب والثقافة العربية. كان ذلك يجعله عرضة لهجوم من جانب العقول المنغلقة في الوطن العربي وخارجه؛ لأن من يقف موقف الحق، عادة ما، يتحالف عليه أصحاب النفوس الضيقة والرؤى الملتوية. عانى القصيبي هجوم تيارات تريد الانحراف بالدين الإسلامي إلى ما هو ليس منه، وعانى كذلك من المتعصبين ضد الثقافة العربية خلال ترشحه لمنصب مدير عام الـ «يونيسكو». سيظل يذكر للقصيبي محاولته الفوز بهذا المنصب الرفيع رغم عدم تأكده من نجاحها، وسنظل نذكر له مواقفه المتقدمة جداً في مجال الثقافة والحياة العامة وإنجازه الأدبي والشعري المتميز.

*التجربة المختزلة (صلاح فضل)

يمثل غازي القصيبي واحداً من طليعة المثقفين العرب الذين اختزلوا تجربة التحول الفكري والايديولوجي والثقافي في أعمالهم الابداعية خلال نصف قرن، ولم يكن موقفه في هذا المعترك الثقافي والفكري موقف المتفرج بل كان المشارك النشط، وتجسدت بداياته طبقاً لإيقاع الثقافة في العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين في عطائه الشعري أولاً، حيث مثل أحد الأصوات الصافية الغنائية البديعة التي عبرت عن الوجدان العربي والإنساني بقصائد رائعة توفرت على الغزل وتتبعت في نسيجها وصورها وتجربتها الكلية رؤية تتواصل إلى حد كبير مع أشهر مدرسة غزلية ازدهرت في النصف الثاني من القرن العشرين وبلغت ذروتها عطاء في نزار قباني.

وفرت له تجربته الدراسية الأولى في مصر ومقامه الطويل بعد ذلك في البحرين فرصة لاستخلاص هذه الرؤية الشعرية وتقديمها بنبرة غنائية صحيحة استطاعت ان تقدم إنجازاً شعرياً حقيقياً في الجزيرة العربية، وعندما احتدمت عواصف السياسة منذ مطلع التسعينات في حربي الخليج الأولى والثانية شارك بعنفوان لا نظير له شعرياً بهذه القصائد منحازاً لارتباطه الملتزم بسياسة بلاده ومعبراً عن ولاء حقيقي لنظام الحكم فيها لكنه عندما بدأ يمارس تجربته الروائية محدداً بذلك مؤشرات التحول لدى كثير من المبدعين العرب من الشعر إلى الرواية، قدم في «شقة الحرية» نموذجاً أيديولوجياً عاكساً رؤيته ذات الطابع الرسمي التي اشتملت على خطين متجاورين: الخط الاجتماعي الذي قدم فيه القاهرة في العهد الناصري باعتبارها ميداناً مفتوحاً يمارس فيه الشباب العرب غواياتهم العاطفية ومغامراتهم الجنسية ويرتفع سقف الحرية لديهم إلى أقصى درجة ممكنة تخالف بالضرورة ما كانت عليه عواصم الخليج في الفترة ذاتها من محافظة متزمتة وتقييد للحريات الشخصية والاجتماعية.

الى جانب آخر بحسب رؤيته للصراع الأيديولوجي بين ثلاث تيارات: الماركسي والقومي العربي والتيار الملكي الذي يحافظ على ولائه لنظمه السياسية، محاولاً أن يبرز إفلاس التيارين الأولين والصدقية التاريخية للتيار الثالث الذي كان ينحاز اليه عبر موقعه في السلطة وبتمثيله لها. والطريف أن أعماله الروائية كانت تدافع في صميمها عن سياسات تمنعها على الحدود وترى فيها عدواناً عليها بينما هي أكبر تكريس ودعم لها. استمر القصيبي في مناصبه الوزارية والديبلوماسية التي أكلت كثيراً من طاقته الإبداعية وحرمت قراءه من نتاجه في السنوات الاخيرة وإن ظل يمارس الشعر عشقه الأول ويكتب الروايات مستنسخة الثاني حتى عهد قريب. أعتقد عندما يُكتب تاريخ الأدب الحديث على المستوى العربي ومستوى الجزيرة والخليج فسوف يفرد مساحة كبيرة لإبداع غازي القصيبي الذي اتسم بالتضحية والشجاعة والطليعية في زمنه.

*وحيد وواحد (يحيى امقاسم)

حين تنظر إلى الخسارات المقبلة وتجد أنّها لا تعنيك ولن تقدم على المستوى الشخصي أي منعطف جديد، أو حتى ملمس يشهد لك بتسجيل تجربة ما، فذلك مصابك الفريد والخاطف، هو المؤلم بحق. هذا ما أفزعني في الصميم حينما وصلني النبأ بمصابنا الجلل في فقيد الوطن والحبر غازي القصيبي. رجل يرحل في السبعين ويأخذ من المستقبل سبعين عاماً انتظاراً لولادة شخص عال مجدداً ـ من يدري ـ، ذلك أحد أسرار رجلنا الفارع، فحينما يترجل مثله تحديداً إلى الموت يكون حتماً قد كرّس حضوراً عظيماً في المشهد واختار مكانه الخاص الذي لن يُجتزأ من مساحته أي جزء مهما استطالت المحاولات، فهو سيد الأثر البالغ بأصالة الكبار في رقبة التاريخ، فلا تجربة شبيهة يُشار إليها ولا شخص نرجو فيه تلك السمات. إنّه وحيد وواحد في سدّة الزمن الذي قضاه بنبض المواطن فيه، بروح الكاتب، زفير الموظف الكبير، فلا يهن ظله عن سعير المواقف والحروب، ولا يحبس يده عن شراك قد تلمّ بنا.

*الكاتب الحر (ماهر الكيالي)

رحم الله أبا سهيل فهو كان سيد الرجال. عرفته منذ ما يزيد عن عشرين سنة والتقيت بالفقيد الكبير في مبنى السفارة السعودية في لندن في اوائل التسعينات، وكانت ذكرى اليوم الوطني للمملكة، وعلى رغم مشاغله الكثيرة في ذلك اليوم فقد أعطاني من وقته الكثير. ثم التقينا قبل سنوات في منزله في البحرين وسلمني مخطوطة كتابه «سعادة السفير» ودار الحديث بيننا عن هموم النشر والكتاب العربي وكان دوماً يسألني عن الراحل عبد الرحمن منيف وعن الكتاب السعوديين الذين انشر لهم. في لقائي الأخير معه، في مكتبه في وزارة العمل في الرياض، اصطحبت ولدي عبد الوهاب وسلمني مخطوط كتابه «كي لا تكون فتنة».

نشرت له 20 كتاباً، حادثته هاتفياً قبل شهر وكان يمضي فترة نقاهة في مملكة البحرين لأطمئنه بأن كتابه الأخير «الوزير المرافق» الذي خص به المؤسسة العربية للدراسات والنشر هو قيد الطبع وطلب مني الاهتمام بمراجعته والحرص على صدوره دون أخطاء مطبعية وهو الحريص على الدوام بمراجعة كتبه بنفسه وتدقيقها قبل النشر.

كان القصيبي حراً مستقلاً في آرائه وكان يرفض، وهو الوزير المتنفذ، أن يتدخل مع السلطات الرقابية في فسح كتبه إلى أن قام وزير الاعلام الحالي عبدالعزيز خوجة بالسماح لجميع مؤلفاته بدخول السعودية، ويقيني لولا هذا الاعتراف المتأخر بفضله وبأهمية فكره في بلده لمات والحسرة تملأ قلبه. رحمك الله با أبا سهيل ، فقد رحلت في هذا الشهر الفضيل وعدت إلى ربك راضياً مرضياً.

*شمس نادرة (فوزية أبو خالد)

اليوم بغياب غازي القصيبي غابت شمس من الشموس النادرة، التي لم يخجلها بريق السلطة عن مشاغبة الظلام، بجرأة وبأدوات مبتـكرة أو مـاكـرة، مرحة حيناً، وجادة أو ساخرة أحياناً. فالمهم في كل حالات غازي وتحولات تاريخه الخاطف الأخاذ عدم الاستسلام، هكذا كانت شمس غازي، وهكذا ستبقى للأجيال، وهو وإن رحل فسيبقى وهج شجاعته في الانحياز للحق والجمال وموهبته الإبداعية والإدارية الفذة على جرح الظلام بماء الحبر.

جميله
08-17-2010, 04:17 PM
غازي القصيبي، كتب بالأشخاص وليس عنهم!
عصام عبدالله
gmt 14:00:00 2010 الإثنين 16 أغسطس


العظماء فقط، هم الذين لا نسبق أسماءهم بأية ألقاب، غازي القصيبي واحد منهم. أهداني كتابه عن " أزمة الخليج " الصادر عن دار الساقي بلندن (علي ما أتذكر) وكتبت عنه مقالا في جريدة الأهرام في أوائل التسعينيات، كان سبب شهرة لي لمجرد عرضه وتقديمه للقارئ. الصدق والموضوعية والحرفية العالية في هذا الكتاب، والقضايا المسكوت عنها التي فجرها بسلاسة وعمق، جعلت منه أهم مرجع توثقي للطبقات " الجيو – نفسية " العربية - العربية.
الشخصيات التي رسم ملامحها قبل عشرين عاما، هي هي نفسها التي صورها في كتابه " الوزير المرافق "، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت عام 2010، ربما لأنه لم يكتب عن الأشخاص الذين عايشهم فترة عمله وزيراً للصناعة ووزيراً للصحة، إذ قام بدور الوزير المرافق لرؤساء وملوك زاروا المملكة، وأيضا مرافقة ولي العهد أو الملك السعودي في فترة السبعينات وحتى منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وإنما لأن القصيبي الأديب كان يكتب (بالأشخاص) ويرسم بهم لوحة طبيعية شديدة الخصوبة والحيوية والتنوع.
يقول: " في هذا الكتاب فصول تحمل انطباعاتي الشخصية عن عدد من رؤساء الدول والحكومات، وقد حرصت على أن تبقى الانطباعات كما دونتها أول مرة منذ سنين طويلة...".
ولنبدأ من الصفحات الأخيرة والمعنونة " فاس... بين قمتين " حيث يستعرض القصيبي معظم الرؤساء العرب (بعبلهم) أو كما رآهم في القمة: ياسر عرفات، الذي عاصر كل التجارب المريرة – علي حد تعبيره - كان «يلقي بالكلام على عواهنه، وألفاظه تسبق تفكيره...». والملك حسين كعادته «منطقي منظم الأفكار شمولي النظرة». و«صدام حسين تمثيل بشري صادق للعنجهية والغرور». بينما «حافظ الأسد» هو «أكثر الزعماء العرب قدرة على الشرح والإقناع». و«الملك فهد.. لا يتكلم إلا قليلاً وبحساب». أما زعماء الخليج فقد " صمتوا طوال الوقت ".
لن تفارقك الابتسامة علي طول صفحات الكتاب، وأحيانا تمتزج ابتسامتك بالبكاء أو الرثاء أو السخرية، لا يهم، لأن عين القصيبي هي عين كاميرا في النهاية، تسجل اللحظة كما هي وتقبض عليها في طلاوتها وبراءتها، بدأت قمة فاس الأولى بمناقشة مشروع فهد للسلام الذي انطلق من تصريح للأمير وتباينت الآراء حول كلمة «تعايش» في ديباجته، وهنا قرر رئيس القمة الملك «الحسن الثاني» سحب المشروع، بعد أن أصرّ الأمير فهد على ذلك لوقف تطاول بعض الألسنة التي جرّحت المملكة. الغريب أنه في القمة الثانية انقلب الحال 180 درجة، وأصبحت الأجواء مهيأة لتبني المشروع من (جميع الدول) بعد إصرار سورية على تعديل كلمة " تعايش"، فقط.
عاش الأمير فهد سنوات طويلة يشعر بالحسرة علي أهم فرصة ضائعة أمام الفلسطينيين والعرب، فقد كان الأمير فهد كما يصفه القصيبي متمسكا بدولة فلسطينية مستقلة، ورغم أن الرئيس الأمريكي " جيمي كارتر " أنكر دور الأمير فهد حين صرح ذات يوم بأنه " لا يوجد قائد عربي طالب بالدولة المستقلة "، مع أنه ذكر في مذكراته بأن: " السعوديين وحدهم من يقولون في العلن ما يقولونه تماماً في المحادثات الخاصة " كما يؤكد (الوزير المرافق).
حنكة الأمير فهد السياسية تظهر جلية في هذا الكتاب، ففي الفصل المعنون «البيت الأبيض.. بين سيدين» تحدث القصيبي عن «نيكسون إمبراطور واشنطن» وقضية «ووترجيت» التي أطاحت به في الولايات المتحدة الأميركية حيث قدم استقالته ورحل، وكان هو السيد الأول الذي التقاه القصيبي في الزيارة الأولى عام 1974 مع النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء الأمير فهد.
ويحكي القصيبي أن وزير الدفاع في عهد نيكسون هو شليسنجر وحين صار وزيراً للطاقة في عهد «كارتر» ترأس الوفد الأميركي في اللجنة المشتركة للتعاون الاقتصادي بين السعودية وأميركا، بينما تولي الأمير فهد رئاسة الجانب السعودي، وعرض شليسنجر وقتئذ مقترحاً - لا يخلو من غرابة وطرافة في نفس الوقت، ومفاده أن تقوم المملكة وعلى نفقتها ببناء المخازن المعدة للاحتياطي الاستراتيجي النفطي في أميركا، ثم تشحن النفط على نفقتها الخاصة إلى أميركا لوضعه في المخازن، وذلك لضمان تدفق النفط لو حصلت اضطرابات، وأنه بوسع المملكة أن تحظر النفط بكل اطمئنان، بعد ذلك!
يقول القصيبي: «كوزراء سعوديين حاضرين جميعنا نظرنا لبعض وحسدنا الأمير فهد على سعة صدره وهدوء أعصابه ورباطة جأشه، فقد قال للوزير الأميركي: «هذه على كل حال فكرة تستحق الدرس والعناية...». تلك كانت واشنطن «نيكسون» أما واشنطن «كارتر» فليس هناك أباطرة ولا نجوم. رئيس متواضع لكنه كما وصفه الأمير فهد «لا ينفع صديقاً ولا يضر عدواً»، فقد تبنى الاعتراف في تلك الأيام بمنظمة التحرير بشروط ليست صعبة وذلك برعاية الأمير فهد.
الرئيس الفرنسي " ميتران " حسب الوزير المرافق: «رجل ذكي، قوي الشخصية، ولكنه إنسان متجهم لا يتصف بالمرونة... نادراً ما رأيته يبتسم خلال الزيارة»... " ابتسامته النادرة كالورد الاصطناعي، هل هذه طبيعته؟ لا أدري. ربما كان السبب القلق الطبيعي الذي حسّه رجل اشتراكي ماركسي وهو يزور بلداً محافظاً ».
أما الرئيس الأوغندي " عيدي أمين "، قاهر الإمبراطورية البريطانية وحامل وسام الملكة فكتوريا، فقد طلب القصيبي مرافقته من رئيس المراسم الملكية أحمد عبدالوهاب وقتئذ، ربما ليرسم لنا أصعب فترة حكم في القارة السمراء أمتدت عقدا من الزمان وشهدت المجازر وأجهزة المخابرات والجثث الطافية على النهر والفضائح النسائية لأكثر الرؤساء تخلفا وجهلا. ففي أثناء حرب أكتوبر 1973، زار عيدي أمين المملكة وحسب رواية الأمير فهد الذي حضر اجتماع " أمين " بالملك فيصل، عرض " أمين " «خطة جهنمية» لمهاجمة إسرائيل بحيث تنقل طائرات عربية مئات الطيارين العرب إلى المطارات العسكرية الإسرائيلية وتحط بهدوء ثم ينقض الطيارون العرب على الطائرات الإسرائيلية ويطيرون بها ثم يدكّون إسرائيل، فرد عليه الملك فيصل بذكاء دون أن يحرج مضيفه: بأن عليه عرض الخطة على دول المواجهة، وأن المملكة جاهزة لأي رأي تراه الدول العربية المعنية!
وفي مرة زار الملك فيصل أوغندا وتفاجأ بحفل ترقص فيه فتيات ويغنين للملك «إنا أعطيناك الكوثر» فشاح الملك فيصل بنظره بعيداً، بينما أعتقد «أمين» أنه قدم للملك حفلة (إسلامية) حسب وصف القصيبي الذي راح يعدد مطالب الرئيس الزائر بعد أن استقبله الأمير فهد - ولي العهد آنذاك - مع الوزير المرافق وخرج عليهما من طائرته الصغيرة بلباس عجيب جعل الأمير فهد يُخفي ابتسامته عن الرجل والصحافة. لقد انتهى حكم " عيدي أمين " وفر إلي ليبيا ثم لاذ بالمملكة حيث توفي سنة 2003.
لكن أغرب صفحات هذا الكتاب الممتع كانت من نصيب ليبيا أيضا، خاصة لقاء القصيبي «مع الأخ العقيد.. في الحافلة»، حيث يذكر أن أول ليلة في ضيافة العقيد نام الوفد السعودي في البلكونات لشدة الحر وخلو الغرف من المكيفات، ثم يُبرز لنا الوزير نقاشات مختلفة بين مستشار الملك خالد الشرعي وبين العقيد في جوانب فقهية كثيرة وأهمها اختراعه لتاريخ هجري لمخالفة المسيحيين الذين يؤرخون بميلاد السيد المسيح، وحجة القذافي إنه ابتكر هذا التاريخ لأنه حاكم مسلم وعمر بن الخطاب حاكم مسلم، فسأله «الملك خالد مذهولاً: أنت مثل عمر بن الخطاب؟!».. كان رد العقيد صادما: «الأيام بيننا.. سوف ترون...».
لاحظ الملك خالد علامات القهر بادية علي الرائد الليبي «عبدالسلام جلّود» الذي لا يكاد يجلس حتى يأمره العقيد القذافي بأمر لا قيمة له كجلب الشاي أو توجيه الشرطة ألا تسرع أمامهم، فأراد الملك خالد أن يطيب خاطره، وقال: «يا أخ عبدالسلام، شكراً لك، سيد القوم خادمهم ». لكن يبدو أن هذا الرائد كان (حالة خاصة)! فقد كان شديد السذاجة حسب وصف القصيبي، فقد سأل الرائد جلود الوزير المرافق: «لماذا لا يثق (الرئيس السوداني) جعفر نميري بنا؟...»، فأجابه القصيبي: لأنكم دبرتم انقلاباً رهيبا ضده ً... فقال الرائد: «صحيح إنا «دبرنا عليه انقلاب». ولكننا اعتذرنا له بعد ذلك. ألا يكفي؟».. يعلق القصيبي على كلام الرائد بأنه كان يتحدث بجد ولا يمزح، فـ«بإمكانك أن «تُدير» انقلاباً على رئيس دولة مجاورة يقتل فيه المئات وتسفك الدماء البريئة... ثم يفشل الانقلاب، فتعتذر له، وكأن شيئا لم يكن!
رحم الله " غازي القصيبي " رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، وخالص العزاء لأسرته ومحبيه في كل مكان وزمان..

جميله
08-17-2010, 04:32 PM
غازي القصيبي صوت خليجي متفرد وقلب نابض
الجريدة الكويتية
gmt 0:00:00 2010 الثلائاء 17 أغسطس


الكويت - آدم يوسف

شيّعت المملكة العربية السعودية بحضور رسمي وشعبي كبير الشاعر الدكتور غازي القصيبي، الذي ووري الثرى أمس في مدينة الرياض. كما نعته مؤسسات ثقافية عربية عديدة، منها جامعة الدول العربية إضافة إلى مجلس الأمة الكويتي.

ارتبط الشاعر والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي مع أهل الكويت بوشائج محبة، وعاطفة إنسانية راقية تنامت في أحلك الظروف، وأقسى الأيام، إذ لم يتردد القصيبي لحظة في إعلان وقوفه مع الكويت إبّان فترة الاحتلال، وسطر في ذلك قصائد رائعة سرت شهرتها في أرجاء المعمورة، ولم يتوقف عند موهبته الشعرية التي وظفها لخدمة الحق الكويتي، بل زاد على ذلك مقالات صحافية نشرت في 'الشرق الأوسط' بعنوان 'في عين العاصفة'.

وقال مراقبون كثر إن القصائد الوطنية التي كتبها القصيبي وتغنى بها المطربون لم تقل أثراً عن فعل القوات المتحالفة التي حررت الكويت، وجُمعت القصائد تلك في ديوان شعر بعنوان: 'مرثية فارس سابق'، وقد أهدى الشاعر ديوانه إلى الكويت.

وكان القصيبي يصرّح في غير مكان بحبه للكويت وارتباطه بها وجدانياً، كما أن أمسياته الشعرية التي أحياها في الكويت كانت تحظى بحضور جماهيري كبير، وتغطية إعلامية موسّعة، ولم تكن تلك الأمسيات تخلو من قفشاته الطريفة وتعليقاته التي يبتهج بها الحضور، وكان دائماً ما يجد مدخلاً لربط تلك المواقف الطريفة بأفراد من أسرته وعائلته ليمنح الحدث خصوصيته، وحميميته.

يحوي ديوان 'مرثية فارس' قصائد منوعة، وإن كان جلها يصب في غرض شعري واحد، فبالإضافة إلى القصيدة التي تحمل العنوان ذاته نجد قصائد أخرى من بينها: 'يا كويت'، و'المباراة' في ذكرى الشهيد أحمد الفهد، و'رسالة من صغار الكويت'، و'رسالة إلى طفل عراقي' والأخيرتان يمكن إدراجهما ضمن أدب الأطفال إذ جاءتا بلغة مبسطة، وصور شعرية قريبة من أذهان الأطفال. وفي الديوان ذاته يرثي القصيبي الشاعر العربي الكبير عمر أبا ريشة الذي تصادف رحيله في سنة الغزو ذاتها.

الخليج

عُرف الشاعر الراحل كذلك بحبه لكل التراب الخليجي وانشغال قصائده بقضايا المنطقة، كما أن له العديد من الإصدارات في هذا الجانب، من ذلك كتاب 'صوت من الخليج' الذي يحوي مجموعة مقالات نشرت تباعاً في 'المجلة العربية' وكذلك كتاب 'الخليج يتحدث شعراً ونثراً' الذي يحوي نبذة عن أشهر الشعراء والكتاب الخليجيين كتبها القصيبي، واستشهد لها بنماذج من أعمالهم.

وبالرغم من تفرّع نشاط الشاعر الراحل وتوزعه بين الأدب والإدارة والعمل الدبلوماسي، فإن الشعر غالباً ما كان يشغل الحيز الأكبر من حياته، وكان هو السبب الأبرز الذي تحققت عنه النجومية الكبيرة التي تمتع بها القصيبي، وفي كتابه 'سيرة شعرية' يسرد القصيبي أهم محطات حياته في هذا الجانب، مشيراً إلى أن ديوانه الأول 'أشعار من جزائر اللؤلؤ' الذي نشر في سنة 1960 لم يكن سوى محطة لفترة الشباب والمراهقة الأولى، نشره إبان دراسته في جامعة القاهرة. كما أن دواوينه التالية 'قطرات من ظمأ' و'معركة بلا راية' لم تكن سوى امتداد لهذه التجربة التي بدأت قوية، وحظيت باحتفاء إعلامي منقطع النظير. يذكر القصيبي في هذا الصدد أن للناقد المصري عبدالقادر القط فضلاً في انطلاق مسيرته الشعرية، إذ شجعه على نشر ديوانه الأول، بل زاد أن كتب عنه 'كلمات طيبة' فور صدوره. وتختلف مضامين القصائد في الدواوين الثلاثة بناء على الحالة الشعرية التي يتمخض عنها كل منها، ففي حين جسد الديوان الأول لحظات القلق والشعور بالحرمان الناجمة عن فترة المراهقة، نجده في الدواوين التالية ينطلق إلى مرحلة النضج والاستقرار، وأما الديوان الثالث فقد أحدث دوياً كبيراً، وصنف البعض قصائده بأنها تركن إلى لغة العشق، إلا أن القصيبي نفى ذلك، وإن أقر بأن بعض قصائده تتحدث عن علاقته بالمرأة.

ياكويت

أقسمت يا كويت

برب هذا البيت

سترجعين من خنادق الظلام

لؤلؤة رائعة

كروعة السلام

أقسمت يا كويت

برب هذا البيت

سترجعين من بنادق الغزاة

أغنية رائعة

كروعة الحياة

***

أقسمت يا كويت

برب هذا البيت

سترجعين من جحافل التتار

حمامة رائعة

كروعة النهار

***

كويت! يا كويت!

ياوردة صغيرة

قد صدمت بعطرها صدام

وهزت بعطرها

الغدر والجحود والإجرام

غازي القصيبي

أغسطس سنة 1990م

جامعة الدول العربية تنعى القصيبي

نعت جامعة الدول العربية وزير العمل السعودي الدكتور غازي القصيبي، الذي وافته المنية صباح أمس الأول بمستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض. وأعرب الامين العام للجامعة عمرو موسى في بيان صحافي عن تعازيه ومشاطرته أسرة الفقيد والأمة العربية والإسلامية احزانهم داعيا الله عز وجل أن يسكن الفقيد فسيح جناته.

وتقلد القصيبي مناصب حكومية عديدة، منها وزارة الصحة والمياه والكهرباء والعمل، اضافة الى انه عمل سفيرا للسعودية في عدد من الدول، فضلا عن أنه واحد من أبرز الأدباء السعوديين الذين كتبوا الدواوين الشعرية والرواية.

(كونا)

مقتطفات من حياته

• تاريخ الميلاد: 1359 هـ - 1940 م.

• مكان الميلاد: الأحساء – السعودية.

• الحالة الاجتماعية: أب لأربعة سهيل ويارا وفهد ونجاد.

• بكالوريوس قانون - كلية الحقوق – جامعة القاهرة 1381 هـ - 1961 م.

• ماجستير علاقات دولية – جامعة جنوب كاليفورونيا 1384 هـ - 1964م.

• دكتوراه في القانون الدولي – جامعة لندن 1390 هـ - 1970 م.

المناصب التي تولّاها

• أستاذ مشارك في كلية التجارة بجامعة الملك سعود في الرياض 1358 هـ.

• عمل مستشاراً قانونياً في مكاتب استشارية وفي وزارة الدفاع والطيران ووزارة المالية ومعهد الإدارة العامة.

• عميد كلية التجارة في جامعة الملك سعود 1391 هـ.

• مدير المؤسسة العامة للسكك الحديد 1393 هـ.

• وزير الصناعة والكهرباء 1396 هـ.

• وزير الصحة 1402 هـ.

• سفير المملكة في مملكة البحرين 1404 هـ.

• سفير المملكة في المملكة المتحدة 1412 هـ.

• وزير المياه والكهرباء 1423 هـ.

• وزير العمل 1425 هـ.

المؤلفات

في الشعر:

- ورود على ضفائر سناء: ديوان شعر.

- للشهداء: ديوان شعر.

- الأشج: ديوان شعر.

- سلمى: ديوان شعر.

- قراءة في وجه لندن: ديوان شعر.

- يا فدى ناظريك: ديوان شعر.

- واللون عن الأوراد: ديوان شعر.

- سحيم: ملحمة شعرية.

- الإلمام بغزل الفقهاء الأعلام: مختارات شعرية.

- بيت: مختارات شعرية -في خيمة شاعر(1+2): مختارات من الشعر العربي.

الروايات

- العصفورية: رواية.

- شقة الحرية: رواية (صورت كمسلسل تلفزيوني).

- رجل جاء وذهب: رواية.

- سلمى: رواية.

- حكاية حب: رواية.

- سبعة: رواية.

- سعادة السفير: رواية سياسية.

- العودة سائحاً إلى كاليفورونيا: رواية.

- هما: حكاية الرجل والمرأة.

كتب ومؤلفات متنوعة

- الأسطورة: يتكلم عن أميرة ويلز ديانا.

- التنمية (الأسئلة الكبرى): مواضيع التنمية السعودية.

- ثورة في السنة النبوية: تعمق لدراسة السنة النبوية.

- الخليج يتحدث شعراً ونثراً: سير أعلام من الخليج العربي.

- أبو شلاخ البرمائي: إبحار في عالم متنوع.

- دنسكو: عن ترشحه لمنظمة اليونيسكو.

- حياة في الإدارة: سيرة عملية.

- العولمة والهوية الوطنية: محاضرات مجمعة عن العولمة.

- أمريكا والسعودية، حملة إعلامية أم مواجهة سياسية: عن الحملة الإعلامية الأميركية ضد السعودية بعد 11 سبتمبر.

- استراحة الخميس: استراحات متنوعة وطريفة.

- صوت من الخليج: إلقاء الضوء على كتّاب الخليج.

- مع ناجي... ومعها: مختارات شعرية من شعر إبراهيم ناجي.

- الغزو الثقافي ومقالات أخرى: محاضرات وكتابات متنوعة عن الغزو الثقافي وغيره.

من قصائد القصيبي

مرثية فارس سابق

عجباً! كيف اتخذناك صديقا؟

وحسبناك أخاً براً شقيقا؟

وأخذناك إلى أضلاعنا

وسقيناك من الحب رحيقا

واقتسمنا كسرة الخبز معاً

وكتبنا بالدما عهداً وثيقا

وزرعناك على أجفاننا

ونشرنا فوقك الهدب الوريقا

وزعمناك ولم تبرق - سناً

وكسوناك- ولم تلمع - بريقا

***

سيفنا كنت؟! تأمل سيفنا

كيف أهدى قلبنا الجرح العميقا

درعنا كنت؟! وهذا درعنا

حربة في ظهرنا شبت حريقا

جيشنا كنت؟! أجب يا جيشنا!

كيف ضيعت إلى القدس الطريقا؟!

***

ذلك العملاق... ما أبشعه

في الدجى يغتال عصفوراً رقيقا

مسخ الفارس لصاً قاتلاً

مسخ الفارس كذاباً صفيقا

***

رحمة الله عليه! إنه

مات! هل عاش الذي خان الرفيقا؟!

أغسطس سنة 1990م

جميله
08-17-2010, 04:34 PM
في موكب الوداع المهيب
الجزيرة السعودية
gmt 1:41:00 2010 الثلائاء 17 أغسطس


خالد المالك


يغيب عنّا، دون أن يودعنا، أو يستأذن منا، أو يفكر بدموعنا وحزننا على غيابه، أو بما ستتركه وفاته من رنة حزن في أعماقنا، هكذا تعامل غازي القصيبي مع اللحظات الأخيرة التي سبقت آخر نبض لقلبه، وآخر كلمة نطق بها لسانه، فواحزناه على هذا الصمت في وداع وتوديع الكبار من الرجال.

***

يغيب القصيبي بهدوء عن الناس بعد أن قطع كل وسائل الاتصال بمجتمعه ومحبيه على مدى عام كامل، وتفرغ لمقاومة هذا المرض الصعب الذي استوطن جسمه وأبى أن يستجيب لمحاولات الأطباء للقضاء عليه، فكانت ساعات وأيام وشهور ملبدة بالدموع ومجللة بأحزان الرجال والنساء على حد سواء تأثراً على ما آلت إليه حالته الصحية.

***

غازي القصيبي، هذا الفقيد الأغلى، مارس دوره كمواطن وكمسؤول، وبقي صديقاً وفياً لمواهبه وثقافاته، لا يتنازل عن مبادئه، ولا يساوم على قناعاته، ثابتاً على مواقفه دون أن يسمح لنفسه بالتراجع عنها، ضمن منظومة من الالتزامات الجميلة التي طوع نفسه وعوّدها عليها.

***

وفي فاجعة موته، سيبقى الناس فترات طويلة في ذهول من هذا الغياب، ولن يفيقوا من الصدمة ومن الفراغ الكبير الذي تركه إلا بعد أن يأخذ الحزن والدموع والآهات مجراها وحقها في إشباع النفوس بكل أدوات التعبير والتصوير عن هذا الفقد الكبير الذي اسمه غازي القصيبي.

***

لكن لا ينبغي أن يصرفنا هذا الحزن والدموع عن البحث الجاد في التعرف على ما لا نعرفه بعد عن هذه الشخصية المبهرة، وذلك بأن نعيد قراءة كتبه وإيجاد وسيلة لقراءتها بشكل مختلف وأفضل من قراءتنا لها إبان حياته، وأن نفتش عن أعمال أخرى كثيرة ومهمة ربما فاجأ المرض ثم الموت الدكتور القصيبي دون أن يدفع بها إلى المطابع لنشرها، فهذا هو الوجه الآخر - الأهم - من الدموع التي ينبغي ألا تتوقف حين نفاجأ بوفاة أحد من الرموز إلا بعد أن تنجح المحاولات في العثور على ما تركه من إرث ثقافي هائل.

***

وبقي أن أقول: ويلنا من تأنيب الضمير، لأننا لم نكرم الراحل الكبير في حياته كما كان يجب، فقد كان ذا عطاءات متنوعة ومواقف مشهودة ومبادرات غير مسبوقة، وكلها مع غيرها لم نتعامل معها كما تستحق، وآن لنا الآن - ولو بعد رحيله - أن نحتفي بكل الومضات المشرقة التي تمثلها مجموعة من عناصر التميّز التي كان يتمتع بها وبينها صدقه ونزاهته وجديته وإخلاصه وهذه في الوظيفة، ومثلها في أدبه وثقافته وشعره ومقالاته ورواياته وقصصه وجميع أبحاثه ودراساته.

***

ويا أبا سهيل، نم مطمئناً وواثقاً بأن مجتمعاً كنت أحد رموزه لن يخذلك، ولن تتخلى عنك قيادة أعطتك في حياتك ثقتها ومنحتك الفرصة تلو الأخرى لتخدم الوطن والأمة بامتياز، ووقفت معك تدعم وتساند أفكاراً تبنيتها ووجهات نظر عبرت عنها وقرارات أعلنت عن أهميتها لتسهيل نجاح ما اؤتمنت عليه من أعمال، فسوف تجد من التكريم بعد وفاتك ما لم تجده حين كنت حياً بيننا.

***

رحم الله الدكتور غازي القصيبي، فقد علّمنا أن الحياة رحلة ممتعة بالعمل والإخلاص والإنتاج، وأنها تعطي الأهمية والاعتبار لمن يستحقها من الرجال والنساء على النحو الذي يجمع الناس على أنه غير معتد أو متعد على حقوق الآخرين فيها، والحياة أولاً وأخيراً - وباختصار - هي بعض هذا، وإلا فإن الأعمال الجليلة في حياة الناس أكثر من ذلك بكثير.

لك منا الدعاء الصادق أيها الفقيد الغالي بأن يرحمك الله ويغفر لك ويسكنك فسيح جنانه، ويلهم أبناءك وابنتك وزوجك وأفراد أسرتك الصبر والسلوان.

جميله
08-17-2010, 04:35 PM
غازي.. سطور من ماء ونار
الشرق الاوسط اللندنية
gmt 0:14:00 2010 الثلائاء 17 أغسطس


مشاري الذايدي


«الحزن العام» الذي لف السعودية على رحيل الدكتور غازي القصيبي عن دنيانا هذه الأيام، دليل على استثنائية الرجل الخطير والمثير، الوزير والسفير، الشاعر والناثر غازي القصيبي.

أول مظاهر هذه الاستثنائية هي أن غازي القصيبي عاش حياة مفتوحة أمام أنظار الناس، عاش في الشمس ومات في الشمس، لا توجد مساحات كبيرة للظل في حياته، كان مهجوسا بالمكاشفة، لا يطيق ثقافة التكتم، والتقتير في الكلام.

كل المتابعين في السعودية يعرفون حياة غازي منذ أن دخل الوزارة أول مرة 1976 وزيرا للصناعة والكهرباء في عهد الملك خالد، وهو شاب يبلغ من العمر 36 عاما، منذ تلك اللحظة الخطيرة في حياة الشاب الكبير وهو يطوي السنين والشهور أمام أنظار الجميع.. غازي قال كذا، غازي زار ذلك المستشفى فجأة وهو «متلطم» بشماغه، كان «نجما» بكل ما تحمله تلك الكلمة من معنى، في مجتمع لا يرحب كثيرا بأن يكون رجل الخدمة العامة «نجما»، بل الثقافة تقتضي أن يكون الوزير أو من في مقامه، رجلا صموتا يتكلم، إن تكلم، في كل شيء، لكنه لا يقول شيئا يثير اهتمام الناس أو يجذب انتباههم.. نتكلم عن «الغالبية».

«عظمة» غازي لم تكن في إنجازاته الوزارية أو في سفاراته، فهو لو قيست أعماله بميزان دقيق في هذه المناصب والوظائف الكبرى، سيتضح أنها سجلات نجاح وإخفاق أيضا، كأي وزير أو سفير في العالم، خاصة بعدما أثار سخط كثير من رجال الأعمال، حتى الصغار منهم، بعد أن ناصر ثقافة السعودة في العمل، وقرر أن يواجه البطالة بطريقة راديكالية، حسب ما رأى البعض، وكان أثناء سفارته في لندن محط الاهتمام من قبل وسائل الإعلام، حتى أثار ضجة شهيرة بعدما انتصر «للفنان»، في داخله، وليس للدبلوماسي، وكتب قصيدة حماسية في مديح الفتاة الفلسطينية آيات الأخرس، التي فجرت نفسها وسط تجمع إسرائيلي.

وقال فيها في تلك القصيدة وهو على رأس السفارة السعودية:

قل «لآيات» يا عروس العوالي

كل حسن لمقلتيك الفداء

حين يخصى الفحول.. صفوة قومي

تتصدى للمجرم الحسناء

لكنه أيضا حقق إنجازات كبرى في مناصبه العامة، أهمها كما يرى مراقبون، هو دوره الفعال والرائد في إنشاء شركة «سابك» العملاقة في مجال الصناعات البتروكيميائية.

كل ما سلف، وغيره، هو لمحات سريعة عن غازي الوزير والسفير، وهي كما نرى سجلات تحفل بقصص نجاح وربما قصص إخفاق، وما بينهما من قصص عادية. ولربما تولى غيره من رجال الإدارة العامة في السعودية وزارات أكثر، ومسؤوليات أجسم، لكن ظل غازي هو غازي لدى الناس، ظل هو «الوزير» في لغة وأحاديث المجالس السعودية.

كان غازي المؤلف هو الأكثر منافسة لغازي المسؤول، غازي المؤلف أيضا كان ظاهرة.. رجل مقرب من ولي الأمر وملوك البلاد، ومع ذلك يكتب بنفس فنان ومثقف غير آبه بمحاذير السياسي أو محرماته المعتادة في العالم العربي، خاصة مع ثقافة «التكتم» المبالغ فيها . كتب الوزير والسفير والمستشار، كتابه «حياة في الإدارة» وتعرض كثيرا لخفايا الحياة السياسية العليا في السعودية، وأطلع القارئ السعودي على ما خلف كواليس القرار، وتفاصيل النقاشات بل المناوشات التي كانت تحدث بين الوزراء السعوديين، أي إنه استأنس الإدارة العليا والحياة السياسية الغامضة لدى المواطن السعودي، ومكن هذا المواطن من الإطلال عليها من الداخل، الذي كان لا يعرف من نمط إدارة كبار المسؤولين إلا ما يعرضه التلفزيون الرسمي في أخبار التاسعة.

الغريب أن ملوك البلاد من عبد العزيز إلى عبد الله كانوا إذا تحدثوا للناس تحدثوا بعفوية وربما كشفوا للناس بعض هذه النقاشات بكل راحة وتلقائية محببة، ولكن أغلب الوزراء والمستشارين كأنهم بلا أي قدرة على الطبيعية والاستجابة العفوية، ربما تحسن الوضع الآن قليلا، لكن يحفظ لغازي القصيبي أنه كسر جمود العمل العام، وشخصية الوزير صاحب العباءة المزركشة و«البشت» اللامع والغترة المنشاة، الذي يتكلم بجمل مكررة وأجوبة محفوظة لدى أهل الصحافة والإعلام.

حينما كان غازي يكتب رواية أو مسرحية أو قصة أو مقالا أو قصيدة، يخلع عباءة الوزير والمسؤول، يكفي أن تقرأ «شقة الحرية» لترى إخلاصه لشرط «البوح» الفني والتدفق.. نقاشات سياسية صريحة تمس أهل القرار في دول الخليج، لكنه في النهاية حينما يكتب بوصفه مفكرا ومهجوسا بالتنمية فإنه ينحاز بقوة لوطنيته وإخلاصه «المتفاني» كما وصفه بيان النعي الذي أصدره الديوان الملكي السعودي بعد رحيله.

غازي كان مبادرا قبل غيره، بادر فكتب الرواية السياسية، والرواية الاجتماعية، والرواية الفانتازية، كتب «شقة الحرية» و«العصفورية» و«سبعة والجنية».. بادر و«أرخ» لدهاليز الحياة السياسية والإدارية في السعودية، من خلال «حياة في الإدارة» وأخيرا «الوزير المرافق».

في الرواية كتب آخرون بعد غازي نصوصا مهمة، وربما أكثر جرأة، وهذا شيء طبيعي باعتبار ثقل منصب غازي، وتحرر الآخرين من هذا الثقل، فهل يبادر آخرون من أهل الوزارة والمسؤولية، خاصة من تقاعد منهم، للسير على منوال غازي الذي «سن سنة حسنة» فيكتبون تجاربهم الحقيقية، أو جانبا منها على الأقل؟ صحيح أن غازي تميز بـ«موهبة» الكتابة وخفة الظل، لكن ليس بالضرورة أن يكتب الجميع بالطريقة ذاتها، فـ«الرجل هو أسلوبه» حسب المأثور.

استثنائية غازي لم تتوقف حول تطبيعه لعمل الوزير والمستشار، وتحوله من المكاتب المكيفة إلى الأرض، بل في كيفية إدارته لعلاقته بالإعلام بمهارة، وتحويل الصحافيين إلى أصدقاء لا أعداء، من خلال «خلطة» قصيبية سهلة؛ فمثلا، يفاجأ كاتب كبير أو صحافي صغير حتى، بأن غازي كتب له ورقة بخط يده، يعلق فيها على مقال أو خبر كتبه هذا الكاتب أو ذاك الصحافي، من دون توقع أن يكون الوزير الخطير قد كلف نفسه هذا العناء، مرسلا بذلك رسالة خفية للصحافي بأنه مهم لديه، وهكذا يستولي على عاطفة الصحافي ومن ثم قلبه، حتى يحيد شعور التحدي لدى الإعلامي، لينتقل إلى النقاش العقلي مستعينا بقدرة جدلية مميزة، وخفة ظل واضحة، وسعة اطلاع باهرة، وكرم أخلاق.. وبذلك كله حول غالب الإعلام إلى سلاح معه لا ضده، عكس ما يفعل كثير من المسؤولين في العالم العربي لا في السعودية فقط، الذين يحاربون الصحافيين وأهل الكتابة، بشكل عبثي، وقديما قالت العرب: «وعداوة الشعراء بئس المقتنى». الآن الإعلاميون هم ورثة الشعراء.

من مزايا غازي التبكير بفعل الشيء قبل غيره، لدرجة الجرأة أو ربما التهور حسب رأي من يصدر الحكم، لكن من ينسى أن غازي كان لوحده كتيبة إعلامية وجدلية أثناء محنة السعودية في حرب صدام على الكويت، حيث اصطف اليسار العربي وكثير من حركات الإسلام السياسي والتيار القومي خلف دعاية صدام حسين وهاجموا السعودية بسبب تصديها لأطماع صدام حسين وإصرارها على إخراج قواته من الكويت من دون شروط، واستعانتها بتحالف دولي تقوده أميركا، غازي كان في تلك المرحلة في قمة عنفوانه السياسي، فكتب مقالات من نار في جريدة «الشرق الأوسط» وكان عنوانها معبرا «في عين العاصفة» كان لها أثر ملموس في منازلة الدعاية المضادة.

ليس ذلك فحسب، بل واجه غازي «عاصفة الإسلاميين» السعوديين وهي في قمة هياجها، وحينما كان التعرض لأي رمز أو خطيب من خطباء «الصحوة» في السعودية يعتبر نوعا من الانتحار الاجتماعي، تصدى غازي لرموز الصحوة وكتب سلسلة «حتى لا تكون فتنة» ورد عليه خطباء الصحوة الصاع صاعين، هجاء وقدحا. ودارت الأيام دورتها وتقلب فلك الليل والنهار، فإذا بنا نرى أعداء الأمس أصدقاء اليوم، عائض القرني وسلمان العودة يتكلمون بود عن «أبي يارا».

غازي ليس بطلا لا يخطئ، لديه ما لديه، وعليه ما عليه، سواء في العمل العام أو في مواقفه السياسية العامة، لكنه بحق «نسيج وحده»، صاحب نمط خاص، جماعة في رجل، وأزمان في زمن، وقصة ليست كالقصص.

كان كتابا لكل السعوديين، سطوره من ماء الدماثة والبساطة وسحر اللمسات الشعبية، ونار السجالات والجرأة الفنية، كان سطرا من ماء وسطرا من نار.. حتى غلب الماء النار، ورقد في سرير السحاب الأبيض سطرا من ماء.. إنما الناس سطور كتبت، لكن بماء.

جميله
08-17-2010, 04:35 PM
الفقيد غازي يكتب «حراً»
الحياة اللندنية
gmt 23:54:00 2010 الإثنين 16 أغسطس


جميل الذيابي


ارتعدت اليد وسقط القلم، فنزف حباً وحبراً وفكراً وشعراً ونثراً في غياب عراب التجديد.

كيف لا؟! وهو يبحث عن كلمات تليق بعزاء ورثاء غازي القصيبي، فقيد المملكة العربية السعودية الشاسعة والوطن العربي الكبير، وفقيد أصدقاء كثر في أرجاء المعمورة.

رحمك الله يا غازي.. وألهم الله زوجتك وأبناءك وأسرتك وأهلك الصبر والصبر والصبر. نُقل خبر وفاة أبي سهيل صباحاً، في خامس أيام شهر رمضان الكريم 1431هـ.. في شهر الرحمة والمغفرة والخير والبركات.

رحمك الله يا غازي.. فلم تكن فقيداً لعائلة صغيرة يا أبا سهيل، بل فقيد كل عقل عربي يبحث عن التغيير والتفكير والتقدير.

نظرت إلى صورة قديمة تجمعني بالوزير والشاعر والديبلوماسي القدير غازي، فاجتاحتني عاصفة من الألم والحزن، وسقطت من عيني دموع محبة تقديراً لرجل قدره كبير في نفسي، ولا اعتراض على قضاء الله وقدره.

عرفت القصيبي دؤوباً، يسأل عن الكل، ويتمحص العبارات، ويفحص الكلمات، ويشجع كل عقل جديد وكل صاحب مشروع جريء يأتي بمصلحة الوطن أولاً.

عرفته سنوات طويلة، وفي كل مرة أجده كما كان، وفياً وكبيراً لا يتغير، بل في كل مرة ألتقيه فيها أشعر بكبر قلبه وعقله وديبلوماسيته وحيويته وحبه للعلم والتعليم.

عرفته وهو سفير، وقبلها وزيراً، وبعدها وزيراً، وقبل هذه وتلك كان غازي الإنسان المثقف والشاعر والروائي المتقد بالأحاسيس والمحب للعمل ولكل الناس.

أعذرني أبا سهيل، فقد سقط القلم من يدي مرة ثانية وثالثة، وتساقطت من عيني دموع حزن وألم كبير يعتصران قلبي لفقد رجل مختلف مثلك، وجدناه مثالاً للتغيير والتصالح مع نفسه وذا الوجه الواحد في زمن تتشكل فيه الوجوه وتتنوع وتتعدد وتتسع بينها المسافات والحسابات.

لقد عبر غازي بفكره إلى محبيه وقرائه، من المحيط إلى الخليج، بطرق «غير مفروشة» بالورد، بعد أن واجه تحديات أصحاب «الحسابات» والأصوات «النشاز» بكل قدرة وشجاعة في مراحل عمرية، لا خيالية كما يكتبها البعض، من وراء جدران «عنكبوتية» وتحت أسماء مستعارة.

لقد كان القصيبي بشعره ونثره وفكره يرنو إلى بناء إنسان متسامح مفعم بالحب ومهموم بإشغال العقل لخدمة الإنسان. لقد كان عندما تسن الأسئلة أمامه تأتي إجاباته «غازية» مقرونة بالأدلة والأسئلة وعمق التفكير.

رحل غازي بعد أن نجح في وضع علامات استفهام وتعجُّب عند المؤيدين والمختلفين معاً، لأنه كان صاحب الوجه الواحد الذي «يبش» بالصراحة، ويملك الشجاعة عند المواجهة أو المقاومة.

رحل غازي إلى الرفيق الأعلى وأنا مازلت أقرأ كتابه الجديد «الوزير المرافق»، فهو - كما يقول محبوه - لا يزال بيننا يكتب حراً.

ستبقى «شقة الحرية» و»العصفورية» و»دنسكو» و»أبو شلاخ البرمائي» و»سبعة» و»سعادة السفير» و»الجنيّة» و»معركة بلا راية» و»أشعار من جزائر اللؤلؤ» و»للشهداء» و»حديقة الغروب»، و»حياة في الإدارة»، و»عن هذا وذاك» و»باي باي لندن» و»الأسطورة ديانا» و»أقوالي الغير مأثورة» و»ثورة في السنة النبوية» و»حتى لا تكون فتنة» نتاجات حية تقرأها الأجيال بعد الأجيال.

رحل أبو سهيل ووري جثمانه في «مقابر العود» بالرياض، وهو في الأول والآخر في قلب العاصفة. عاش ومات وهو رقم صعب، وذو جمجمة «صعبة المراس»، لذلك سيبقى في القلوب وتنبض بحبه قلوب وقلوب.

رحم الله أبا سهيل.. وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

جميله
08-17-2010, 04:36 PM
غازي القصيبي... قصيدة الرحيل
الجريدة الكويتية
gmt 23:22:00 2010 الإثنين 16 أغسطس


خلف الحربي

كان غازي القصيبي رجل دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى, وكان في الوقت ذاته أديباً ملء السمع والبصر, وصحافياً لم يتوقف عن الكتابة المشاغبة في الجرائد والمجلات حتى آخر سنوات حياته, لكنه رغم كل ذلك كان إنساناً بسيطاً لم تمنعه مشاغله الكثيرة ومهماته المتشعبة من أن يفتح قلبه وأبوابه لكل الناس الذين كانوا ينادونه باسمه الأول: 'يا غازي'... لم يكُن أي مواطن سعودي يرى حاجة ما إلى أن يناديه بألقاب من نوع 'يا معالي الوزير' أو 'يا دكتور' أو حتى 'يا أبا سهيل'، لشعور الجميع أن هذا الرجل هو غازي القصيبي الذي يعرفونه حق المعرفة، حتى لو لم يكونوا قد التقوا به في يوم من الأيام، وليس ثمة أي داعٍ إلى افتعال كلفة غير موجودة في الأساس.

لقد اشتُهر القصيبي ابن العائلة التجارية العريقة، بطاقته الجبارة في العمل ونزعته الدائمة لإحداث الفرق في كل المناصب التي تقلدها، سواء حين كان أستاذاً جامعياً أو مديراً للسكك الحديد أو وزيراً للصناعة والكهرباء أو وزيراً للصحة أو سفيراً في البحرين وبريطانيا أو وزيراً للمياه ثم وزيراً للعمل, وهو رغم انغماسه الكبير في مسؤوليات هذه المناصب، لم يتردد في قبول كل المهمات الجانبية التي يتم تكليفه بها، كأن يكون مبعوثاً في مهمة خاصة أو مفاوضاً في موضوع شائك أو عضواً في لجنة استشارية.

ولأن القصيبي يؤمن بأن الحياة تعني المزيد من العمل، فإنه لم يتوقف يوماً من الأيام عن تأليف الكتب حتى وصل عدد الكتب التي ألَّفها ما يقارب الـ60 كتاباً, ولم يمنعه كل ذلك من الكتابة الصحافية أو الدخول في مساجلات كتابية مع الآخرين, ولو تأملنا جيداً في عطاءاته خلال خمسة عقود، لوجدنا أنه أكثر من ينطبق عليه قول المتنبي:

وإذا كانت النفوس كباراً

تعبت في مرادها الأجسام

مع الأخذ بعين الاعتبار أن القصيبي الذي يعشق المتنبي حد الجنون، طبَّق نظريته بصورة معاكسة، إذ قاوم الواقع الصعب بالتفاؤل والعمل الذي لا يتوقف، وطارد الطموحات البعيدة بخطوات لا تعرف اليأس.

ولا يستطيع أشد الناس خصومة للقصيبي، أن ينكر أنه كان رجلاً نظيف اليد يمتلئ قلبه بحب الوطن, إذ كان يقبل دائماً المناصب التي يهرب منها الجميع، فيتصدى للمهمة المعقدة بكل شجاعة ثم يستوعب بسهولة تذمر الناس ومناكفات وسائل الإعلام، رغم أنه في غنى عن كل ذلك, ثم لا يمر عام أو عامان حتى يلحظ الجميع الفارق الذي أحدثه هذا الفتى الإحسائي المثير للجدل!

رحم الله القصيبي... فقد ترك بصمته الواضحة في مسيرة التنمية منذ بداياتها الصعبة, وكان واحداً من الأسماء المؤثرة في الحركة الثقافية السعودية, وكان منحازاً دائماً إلى الحرية والتنوير, وسيبقى نموذجاً يلهم الأجيال بأن الصعوبات الكبيرة يمكن تخطيها بالعمل الدؤوب والتفاؤل والثقة بالنفس.

جميله
08-17-2010, 04:37 PM
في غياب سيد الحضور
الشرق الاوسط اللندنية
gmt 0:04:00 2010 الثلائاء 17 أغسطس



سمير عطا الله

كان غازي القصيبي للحركة الفكرية والأدبية في الخليج، في النصف الأخير من القرن العشرين، ما كانه طه حسين للحركة الفكرية والأدبية في المشرق العربي، في النصف الأول من القرن: العميد.

كان طه حسين مثقفا وشجاعا ومواجها وأديبا وروائيا وشاعرا، وكذلك كان هذا العملاق الحبيب، الذي أحبه مبغضوه، واحترمه لاعنوه، وشهد له ناقدوه، وقدّرته الأمة برمتها.

مثل طه حسين أيضا، كان مكثارا وسيالا، لا الوزارة أشغلته ولا السفارة ألهته عن تلك الصناعة اليومية التي أتقنها كيفما حمل ورقة وقلما. وكان هذا الرجل العبقري، المتوازن الحر، في واجهة الولاء للدولة وصفوف المتقدمين، لكنه كان بكل بساطة يحمل كتبه إلى مصر أو بيروت، لكي يطبعها هناك. ترك الموظف يلتزم بكل ظروف الدولة وحساسيات علاقاتها، وأعطى للروائي حق القول والكتابة بعيدا عن دارة المسؤولية. وتواطأت معه الدولة فكانت تقرأه بالسر وتفاخر به في العلن. كانت تعرف أنه إحدى ثرواتها الإدارية والسياسية، فوظفت هذه الثروة على أعلى المستويات، وكانت تعرف أن الشعراء مغردون فتركته يغرد على جميع الأفنان.

فكرت كثيرا قبل أن أغامر بإطلاق لقب العميد. فالخليجيون شديدو الحساسية، وينظرون إلى الشعر والفكر كما ينظرون إلى الحصص في مجلس التعاون. وبعد تأمل طويل في منطقة أعرفها منذ نصف قرن، قلت في نفسي، لا عميد سواه، هذا الحبيب الذي كان مجموعة من الدكاترة والأساتذة والسفراء والوزراء والكتاب وشجاعة واحدة.

يغرينا الغياب بالمبالغات والمطلقات وأفعل التفضيل. وكنت أخشى أن أقع فيها. ففي قرارة نفسي، كانت لدي حسرة، لشعوري بأن غازي لم يكن يعرف كم أحبه. وربما كان يعتقد، على الرغم من كل ما جمعنا من مودات، أن كوني حرفيا، أحمل في داخلي شيئا من النقد له. وأحب أن أعترف لك الآن بأن الإعجاب بك كان يملأ نفسي، سواء قرأتك أم سمعتك أو كنت في سهرة تسيطر أنت دائما عليها، بفيض ذكائك وفيض ثقافتك وبعيد رؤيتك ومدى ترفعك على ما تمتلئ به الأيام من صغائر وصغارات.

كان له تلامذة في كل مكان. وهؤلاء كانوا يشعرون أن الجائزة الكبرى لم تكن الدكتوراه التي حصلوا عليها، بل الإفادة بأنهم مروا في محاضرات القصيبي. فقد كانت الجائزة هي الانتساب إليه. أدرك، من موقعه المرتقي، ومن مكانة عائلته التاريخية، أن هذه المنطقة مكتظة بالمجاملين، ولن ينضم إلى القافلة. سوف تكون له قافلة أخرى، يصغي إليها باحترام متبادل.

أصغى إلى غازي، الكبار والصغار. أهل الذروة وأهل الطموح. ومع السنين، نشأ من حوله إجماع جميل. والحزن عليه جمعي كما كان الفرح به. وليتقدم المريدون والمقلدون. فمحزن أن يخلو هذا المكان.

جميله
08-17-2010, 04:38 PM
ماتَ وهو يُمسكُ يراعاً حِبْره عشق الوطن!
الجزيرة السعودية
gmt 2:53:00 2010 الثلائاء 17 أغسطس



محمد عبد اللطيف آل الشيخ


تعجز الكلمات أن توفي هذا الرجل العملاق حقه. غازي القصيبي لم يكن رجلاً عادياً، يمر على الحياة كما يمر الآخرون؛ هو استثناء في حياته، واستثناء في إنجازاته، واستثناء في مواهبه، واستثناء في ثقافته، واستثناء في صراعاته وتحدياته وإصراره على مواقفه، وكذلك استثناء في وطنيته وإخلاصه للأرض التي عشقها حتى الثمالة، فبادلته الحب ورفعته ليزاحم بمنكبيه النجوم.

قليلون من الرجال الذين عرفهم التاريخ ممن استعصوا على الموت، وبقوا رغم أنف الردى أحياء في ذاكرة الشعوب؛ فإذا كان المتنبي ما زال يعيش بيننا، فإن المستقبل سيحتل منه غازي القصيبي ما احتلَّه المتنبي في ذاكرة كل من عرف الأدب العربي.

وغازي الإداري، والدبلوماسي، ورجل التنمية، لا يقل عن غازي الشاعر والأديب والمفكر.

فلم يُسند إليه موقع من مواقع المسؤولية في البلاد إلا وترك عليه من الإنجازات ما يُثبت أن هذا الرجل الاستثنائي قد مرَّ من هنا.

أتذكر أن أول تحدٍّ حقيقي واجهه غازي عندما أسندت إليه حقيبة وزارة الصناعة والكهرباء في منتصف السبعينيات من القرن الماضي.

كانت كل المعطيات على الأرض تقف ضده، وتتشكل لتصبح عقبة كأداء في طريقه، غير أنه عمل وناضل وتخطى كل العقبات، والصعاب، ونجح في مهمته تلك؛ لينطلق بعدها وينتقل من نجاح إلى نجاح؛ وليست هذه المشاريع الضخمة التي تمتلئ بها مدينتا الجبيل وينبع إلا مجرد شاهد على ما أقول، وتثبت - أيضاً - أن غازي قد مرّ من الجبيل وينبع ذات صباح.

ولعل من حسن حظ الأجيال القادمة أن غازي الأديب، وغازي المفكر، وغازي الإداري، وغازي الدبلوماسي، وغازي الإنسان، ترك لهم إرثاً مكتوباً ضخماً يندر أن تجد له مثيلاً، خاصة أن ثقافتنا - للأسف - لا تعتني بالتوثيق والكتابة، غير أن غازي كسر هذا التقليد (المتخلف) - ولعلّ هذه النقطة بالذات من أهم إنجازاته واختلافه عن أقرانه - وكتب وألّف وأصرَّ على أن يورث تجربته الغنية لأبناء وطنه..

وكنت في اليوم الذي أبلغني فيه الزميل الأستاذ حمد القاضي بوفاته - تغمده الله برحمته - أقرأ في جريدة الجزيرة عن آخر أعماله الكتابية، الذي كان - كما يقول الخبر - كتاباً بعنوان (قصة الزهايمر) سيصدر نهاية هذا الأسبوع، فأراد الله أن يتوفاه قبل أن يراه منشورا؛ فقد كان حتى آخر دقيقة من حياته حريصاً على إيصال تجربته الثرية إلى الأجيال القادمة، التي ستجد فيها بلا شك مثالاً يُحتذى للإنسان الوطني الشامخ الذي سخّر كل ما يملك من قدرات ومواهب ليجعل لبلاده مكاناً تحت الشمس.

ولا يمكن أن نتحدث عن غازي دون أن نتحدث عن (نزاهته المالية)؛ فرغم أنه دخل في كثير من الصراعات، وخاصمه وعارضه كثيرون، وقيل فيه الكثير من التهم، إلا أنني لا أتذكر أن (نزاهته) وأمانته وذمته المالية كانت مثار شك، أو محل اتهام من خصومه، الذين كانوا يبحثون عن سقطاته لتكبيرها وتضخيمها بكل الطرق، كان ذلك في زمن ضَعُفَ فيه كثيرون، فاستغلوا مناصبهم، وما أسند إليهم من مسؤوليات للإثراء غير المشروع، بينما بقي هذا الرائد العملاق ثابتاً على مواقفه، متمسكاً بمبادئه، يُحافظ على نزاهته حفاظه على شرفه؛ فلم يتزحزح عنها قيد أنملة.

فالعظماء الذين يبحثون عن الخلود لا يلتفتون إلى الصغائر، وكان هذا الرجل واحداً من هؤلاء العظماء.

رحمك الله يا غازي، وجزاك عنا جميعاً، وعن وطنك خير الجزاء؛ فمثلك - والله - ظاهرة من الظواهر الحضارية التي نحتاج إلى عقود وعقود لكي تتكرر.

جميله
08-17-2010, 04:45 PM
مات غازي
الحياة اللندنية
gmt 0:27:00 2010 الثلائاء 17 أغسطس



علي بن طلال الجهني


نحو الساعة التاسعة من صباح يوم الأحد الخامس من رمضان 1431 الموافق 15/8/2010 مات الرجل العملاق الوزير المختلف عن كل الوزراء، الإداري الذي تميز على كل من عرفت من الإداريين، والشاعر الأديب الخطيب الفصيح الذي يكتب كما يتحدث من دون أن يتردد أو يشطب أو يصحح. ولد غازي في اليوم الثاني من الشهر الثالث من عام 1940 ، فكان في يوم وفاته قد تجاوز السبعين بنحو خمسة أشهر.

لقد كان غازي رجلاً مؤمناً بالقدر خيره وشره أيماناً مطلقاً. وكان يقول منذ ثلث قرن على الأقل : « إنه أوصى أن يدفن في المكان الذي يموت فيه، أياً كان ذلك المكان، وبأسرع وقت ممكن، حتى لا يكلّف الناس لحضور جنازته».

وهكذا حدث، فقد تمت الصلاة عليه وحضرها عدد من الأمراء والوزراء والأصدقاء وغيرهم من عامة الناس. وصلى عليه نائب أمير منطقة الرياض الأمير سطام بن عبدالعزيز، وأم المصلين سماحة مفتي المملكة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ بعد صلاة العصر من يوم الأحد؛ وتم دفنه في مقبرة «العود» في الرياض. «اللهم أجعل قبره روضة من رياض الجنة» كما جاءني في رسالة تعزية من محبه الأديب السعودي الأستاذ حمد القاضي.

ومن يعرفوا علاقتي بغازي يعزوني فيه كما يعزون أبناءه. وقد اتصل بي رجل لا أعرفه محاولاً تعزيتي ولكنه كان يبكي وينتحب بشدة ولم أستطع أن أفهم مما قال من ثناء علي غازي ودعاءٍ له إلا عندما تغير صوته ولامني شخصياً لوم المحب المعاتب لماذا لم تقل الحقيقة وأنت تعرفها حينما تم نقل غازي إلى أميركا خلال حج العام الماضي؟

وفي واقع الأمر أنني لم أقل إلا الحقيقة حينما تم نقله رحمه الله بالإخلاء الطبي إلى مستشفى «مايو» في ولاية «مينسوتا». فالذي حصل أنه كان عند غازي رحمه الله، قرحة في الإثني عشر، منعت الطعام من الانتقال إلى الأمعاء الدقيقة. وقبل نقله إلى «مايو» أخذ الأطباء في مستشفى الملك فيصل التخصصي عينات من منطقة القرحة. وكانت كلها حميدة. وكذلك فعل الأطباء في «مايو» ووجدوا كل العينات التي أخذوها أيضاً حميدة.

فهذا ما كنا جميعاً نعرفه وهذا ما قلته لـ «الحياة».

ولكن حينما استمر العلاج لمدة تجاوزت أربعة أسابيع، ولم يؤد العلاج إلى ما كان ينبغي أن يؤدي إليه، فتح الأطباء المعدة جراحياً بمنظار، فرأى الجرّاح عشرات الحبيبات التي تشبه حبوب العدس منتشرة في السطح العلوي للمعدة. وصارت المعدة تشبه «القربة» المنفوخة الفارغة. وبالطبع عرف الجراح سبب المعاناة ونوع المرض. وهذا نوع معروف من أنواع السرطان القليلة جداً التي يتعذر علاجها.

وبمجرد أن اتصلت بي زوجته المرأة الفاضلة الصابرة «أم سهيل» وقالت لي تمت الجراحة، عرفت من نبرة صوتها أن الأخبار غير سارة، وحينما قالت لم اتصل بغيرك بناءً على طلبه سقط التليفون من يدي ولم أكن بحاجة إلى متابعة المكالمة. بعد ثلاثة أيام، اتصلت بغازي رحمه الله ووجدته كما عهدته ضاحكاً شامخاً عالي المعنوية. وقال لي : «لا تحزن ولا تتألم، سأقاوم بكل ما استطعت من قوة. ولكن الأمر لن يتجاوز بضعة أشهر قبل أن ألقى خالقي فادعُ الله معي على أن يحسن لقائي برب العزة والجلال».

خضع للعلاج الكيماوي الذي أعطاه القدرة الموقتة على الذهاب إلى البحرين لقضاء ما تبقى له من حياة مع أبنائه وأحفاده. وبالذات حفيده «العفريت» سلمان ابن فارس بن غازي. وهكذا كان.

أكتب هذه السطور بعد وقوفي على قبر صديقي الصدوق، الذي لم أسمّه قط، بأكثر من غازي. لا يا دكتور ولا يا أبا يارا ولا يا أبا سهيل كما يسميه نفرٌ من أصدقائه. رأيت العباءة التي أعرف جيداً تغطي كفنه فذرفت دموعي التي بذلت جهدي لإخفائها.

أتقدم بالتعازي القلبية لزوجته الفاضلة التي لم تفارقه لحظة واحدة خلال وجوده في المستشفى التخصصي في الفترة الأخيرة، وإلى صديق عمره ورفيق حياته وابن أخته الصديق (وزير التخطيط) الأستاذ خالد القصيبي وإلى ابنته يارا، وزوجها فواز بن فهد القصيبي الذي كان بمثابة الابن لغازي حقيقة لا مجازاً، وأخوتها سهيل وفارس ونجاد وإلى القصابا جميعاً. ولا أنسى في هذه العجالة الصديق المشترك الأخ عمران بن محمد العمران رمز الصديق الوفي الذي رزئ بغازي كما رزئت به وكما رزئت بوفاته أسرته الصغيرة والكبيرة وأصدقاؤه الأوفياء المقربون كالصديق المشترك ( أمين عام مجلس الوزراء ) الأستاذ عبدالرحمن السدحان.

لن أذكر أكثر مما ذكرت في هذه العجالة عن رجل لو كتبت آلاف الصفحات عنه ما استطعت إيفاءه حقه. وسأختتم برسالتي تعزية وصلتني على الجوال من الصديقين(محافظ مؤسسة النقد) الزميل الدكتور محمد الجاسر ومن الصديق العزيز صالح بن محمد العذل. ورسالة ثالثة أرسلها الشيخ إبراهيم البليهي للأخ عمران العمران وبعثها الأخ عمران لي.

كتب الأستاذ صالح العذل:

« نعزيكم، ونحن نعزي أنفسنا فيه. نعزيكم في إنسان فقده الوطن، رجل أخلص لفكره وقيمه ومبادئه وأخلاقه، في شاعر كبير عبقري مبدع، في مفكر ثاقب الفكر والرأي، في أديب مثقف واسع الإطلاع، في موهوب متعدد المواهب والانجازات، في إداري متمكن قدير، نعزي وطننا الصغير والكبير فيه، ونعزي أبناء الوطن العربي. رحم الله الفقيد».

كتب الدكتور الجاسر:

«لقد صدقت: لقد كان غازي رحمه الله موسوعي الثقافة، حاد الذكاء والبصيرة، محباً ومعطاء بغير حدود ما دام المُعْطَى الوطن ومواطنوه. قلما يجود الدهر بمثله. فعلى الله الخلف وإليه المآل».

يقول الشيخ البليهي:

«القصيبي أكبر من أن نشهد له، وأعظم من أن نرثيه. والمصاب به أفدح من أن يسمح لنا بالكلام عنه. إنه رجل الفكر، ورجل المواقف، ورجل الشجاعة، ورجل الصدق، ورجل التنوير، ورجل الأدب، ورجل الإدارة. إنه طاقة استثنائية. إنه حزمة من المواهب فلو اجتمع الملايين لما سدّوا مسدّه، ولا قاموا مقامه، بالكثرة لا تصنع القدرة. إنه إنسان استثنائي في كل ما تعنيه الاستثنائية. رحم الله غازي فالمصاب به فادح والألم بفقده فظيع». وللموضوع بقية عن غازي الإنسان، وغازي الصديق، وغازي المفكر، وغازي الإداري.

والله من وراء القصد.

عبدالله الصغير
08-18-2010, 09:37 AM
تسلمي يا شوق ويسلم الجميع

الحقيقة آلمنا الخبر

ومهما نقول نظل عاجزين عن التعبير عن حزننا لأن القصيبي شخصية وطنية لا تعوض

الله يرحمه ويحسن إليه

عبدالله الصغير
08-18-2010, 09:49 AM
في بيان لسموه بالنيابة عن مجلس إدارة جمعية الأطفال المعوقين
الأمير سلطان بن سلمان: القصيبي من أبناء الوطن المخلصين وصاحب بصمات واضحة في كل المهام

الأمير سلطان بن سلمانالرياض محمد الحيدر

بالإنابة عن مجلس إدارة جمعية الأطفال المعوقين وكافة منسوبيها والآلاف من المشمولين بخدماتها تقدم صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز رئيس مجلس إدارة الجمعية بخالص التعازي إلى حكومة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد الأمين وسمو النائب الثاني في وفاة معالي الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي وزير العمل وأول رئيس مجلس إدارة للجمعية، سائلاً المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

وقال سموه في تصريح صحافي" إن معالي الدكتور غازي القصيبي يرحمه الله كان من أبناء الوطن المخلصين الذين كانت لهم بصمات واضحة وجهد ملموس في كل ما أسند إليهم من مهام، وكان طيب الله ثراه كفاءة إدارية نادرة ومن أصحاب المبادرات المتميزة".

وذكر سموه أنه قبل ثلاثة وثلاثين عاماً وعلى وجه التحديد في مثل هذه الأيام الطيبة المباركة من شهر رمضان عام 1398 ه، اجتمع نخبة من أبناء المملكة المخلصين، ليعلنوا عن ميلاد فكرة تأسيس جمعية الأطفال المعوقين التي باتت اليوم صرحاً علاجياً تأهيلياً تعليمياً يخدم الآلاف من أبنائنا في العديد من مناطق المملكة.

وأضاف" في هذه الأيام المباركة أيضاً، شاءت إرادة رب العالمين أن تفقد هذه الجمعية الرجل الذي تبنى فكرة تأسيسها ورعى انطلاقتها الأولى معالي الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي يرحمه الله، ولا نملك في هذه الأيام الطيبة المباركة إلا الابتهال إلى الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يجعل جهده في تأسيس الجمعية في ميزان حسناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان،

(إنا لله وإنا إليه راجعون).

عبدالله الصغير
08-18-2010, 09:50 AM
غازي ... الإداري المحنك

د. جون اسفيكياناكيس*

"يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي" صدق الله العظيم.

كان معالي الدكتور غازي بن عبدرالحمن القصيبي، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، من القلائل الذين تجعلهم إنجازاتهم يتخطَّوْن حدود العائلة والقبيلة لتشمل الوطن كل الوطن.

وأنا أكتب هذه الكلمات أشعر أن العزاء والمواساة يجب ألا توجَّه إلى آل القصيبي وعشيرته وحسب ولكن إلى الوطن الذي أحبه القصيبي وعمل من أجله بكل إخلاص ووفاء.

تشرفتُ بلقاء الدكتور القصيبي عدة مرات بصفتي أكاديمياً متخصصاً في مجال الاقتصاد. وأُعجِبتُ منذ اللقاء الأول بهمته وعزيمته وإصراره ورؤيته الثاقبة حول ضرورة تغيير هيكلية سوق العمل في المملكة إيماناً منه بأن هذه القضية تقع في صميم مستقبل المملكة واستقرارها وازدهارها. كثيرون هم الذين عارضوا عملية السعْودة، ولكنه كان يدرك بحسه المرهف ونظرته الثاقبة التحديات التي فرضت نفسها على المملكة والحاجة الملحة للتغيير وإيجاد الوسائل الكفيلة بتمكين المملكة من تخطي هذه الصعاب والانطلاق إلى آفاق أرحب. وانطلاقاً من إدراكه هذا وإيمانه بضرورة التغيير كان القصيبي يعلم جيداً أنه لا يمكن إيجاد الحلول الناجعة من دون توفير التدريب الجيد والتوقف عن السماح لمزيد من العمالة الوافدة من دخول البلاد والحرص على توفير التدريب المهني الأفضل للشباب السعودي وحض القطاعيْن العام والخاص على التعاون لتحقيق هذه الأهداف لأنه كان يدرك أن التدريب والمؤسسات المهنية يلعبان دوراً في مستقبل البلاد والشعب والاقتصاد كما كان يدرك رحمه الله، أهمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لما تمثله من ركائز وعوامل دفع لتطوير القطاع الخاص في البلاد.

إرث عظيم هذا الذي تركه القصيبي كوزير للعمل، وكان بمثابة المهندس المعماري الذي يرى التحديات ويبحث عن الفرص ويحرص دائماً على تقديم أفضل الحلول العملية الممكنة لإحداث تغيير جذري في سوق العمل.

لا يمكن أن أنسى عندما توجه المرحوم إلى وسائل الإعلام والصحفيين ليتوقفوا عن وصف أعمال الباعة على أنها أعمال وضيعة. وأضاف في معرض رده على سؤال وُجِّه إليه قائلاً: "إن بائع الخضار يمكن أن يكون أفضل بكثير من رئيس مجلس إدارة شركة كبرى. هؤلاء العمال هم أمل هذه الأمة وعلى وسائل الإعلام أن تدعمهم وتشجعهم وتشد على أيديهم بدلاً من إحباطهم. أعرف نوعيْن من الوظائف: حلال وحرام. فليس هناك أشرف من الانطلاق من أول درجات السلم والارتقاء إلى أعلى درجاته. فليس إنجازاً بنظري أن يجد المرء نفسه يتربع على القمة. إن صعود السُّلَّم درجة بعد درجة يعتبر إنجازاً حقيقياً يحقِّق الذات ويدعو للاعتزاز".

إن الأهمية التي أولاها المرحوم للتدريب تشكل في حد ذاتها تحولاً حقيقياً يحتاج إلى وقت ليؤتي أُكُله ويتكلَّل بالنجاح. ونحن اليوم بأمسّ الحاجة للعمل يداً بيد في القطاعيْن العامّ والخاصّ حتى نحمي هذا الإرث وألا ندخر جهداً لإكمال المسيرة التي بدأها القصيبي وتحقيق التغيير الإيجابي الذي عمل من أجله في سوق العمل. لقد أدرك غازي القصيبي بعقله المستنير وقلبه المحبّ لوطنه أن الشباب المتعلم والمؤهَّل للاضطلاع بمسؤولياته هم محرك التنمية وقاطرة الازدهار والأمن والاستقرار.

لقد غاب القصيبي بجسده ولكن رؤيته وأفكاره النيرة باقية قائمة بيننا وتستحق منا كل رعاية واحترام.


* مدير عام وكبير خبراء الاقتصاديين في البنك السعودي الفرنسي

عبدالله الصغير
08-18-2010, 10:28 AM
كما تهرب نجمة
الحياة اللندنية
gmt 23:55:00 2010 الثلائاء 17 أغسطس


غسان شربل

هذه قصة قديمة. لا تتغير. لا تدوم الحلبات للملاكم اللامع. تكمن له. تراقبه مندفعاً يسدد الضربات. والأحلام. والأوهام. تخدعه وتحرضه. لينزف كل ما في عينيه من البرق. كل ما في دمه من المواعيد. كل ما في مخيلته من الأجراس. ثم تجلس تراقبه. تتراخى القبضة. يتقوس الجسد المديد. تهرم الالوان في قوس القزح. كان غازي القصيبي ملاكماً. يلاكم الحلبات وهي غدارة. ويلاكم العمر وهو غدار. ويلاكم الحبر وهو استاذ عريق في معهد الغدر القديم.

كان غازي القصيبي مصاباً بنار تقيم في داخله. انها النار التي تلازم الأنقياء الأقوياء. يريدون فتح نوافذ الغد لبلدانهم. ويريدون وقف مواسم القحط في امتهم. ويريدون عزل جينات الوهن. والتصدي للافكار التي تديم السلاسل وتنجب المزيد منها. كان من حزب النوافذ. يلتفت الى تاريخ الامة فيصيبه الغضب من اضاعتها درب المستقبل. ويصيبه الغضب ايضاً من اطباء متحجرين تساهم عقاقيرهم في تعميق آبار الظلام بدل ان تفتح كوة في الليل الشاسع المطبق على عقول الكبار ودفاتر الصغار.

بعض الرجال يمر كأنه لم يولد. لا يستفزه ظلم ولا يجرحه ظلام. لا يغويه برق ولا يستوقفه منعطف. لا تحفزه فكرة ولا تنتابه قصيدة او اغنية. لا يتحداه كتاب ولا تأسره عينان يعجز القاموس عن اسرهما. لم يكن غازي القصيبي من حزب السلامة. لم يستسغ العيش المهادن. والإقامة في مواقع المتفرجين. لا تبنى الاوطان على مناكب عشاق السلامة. ولا ينصاع الحبر لمن يفضل المظلة على المغامرة والمخاطرة.

كان غازي القصيبي مصاباً بنار تقيم في داخله ولا تنام. كان يريد ان يذهب ابعد. وان يكون مميزاً ومختلفاً اخلاصاً منه للعنة الأنقياء والأقوياء. لم يسمح لقفازات الديبلوماسية ان تغتال قدرته على الغضب حين يسترسل الظلم في غيه. ولم يسمح لانشغالات الوزير ان تدفع الشاعر الى النسيان والكاتب الى التقاعد. وببراعة صاغ ميزان التعايش في شخصه بين انشغالات واهتمامات واختلاجات. ميزان التعايش بين جدوى الواقعية وجدوى التمسك بالأحلام.

كان غازي القصيبي مصاباً بسلوك العاشق. وبهاجس الإنجاز. وكانت التحديات تضاعف عزمه وألقه. يهوى الاقامة «في عين العاصفة». ويستريح في «شقة الحرية». ولا يخشى ان يكون اول من يبادر وان تكاثرت عليه السهام. كان يستعذب الاقامة في قلب الجدل. وقلب المحاولة. وقلب الحياة.

في «الزهايمر» الاقصوصة التي خانه القلب قبل ايام من صدورها يلاعب الملاكم المسجى على الألم الموضوعات الكبرى: الموت والحب والنسيان والذكريات والشيخوخة. يستخدم اسماء واقنعة لكنها سرعان ما تسقط ليتكشف ان الملاكم يبوح بهواجسه واوجاعه.

كان غازي القصيبي مصاباً بلعنة اللامعين. يريد ان يترك بصمته اينما حلَّ. في مجلس سرعان ما يطغى حديث الادب فيه على حديث السياسة. وفي مكتب مشغول بالتقدم والاستقرار والتحديث وحماية الشباب السعودي ممن يصطادون في مناخات التعثر واليأس وانسداد الافق. كان السفير يختتم نهاره الطويل بالانفراد باوراقه. ومثله يفعل الوزير. الورقة البيضاء كانت حربه وسلامه. حبر العمر وذهب العمر. خيط الود مع محبيه وهم كثر. وخيط الحوار مع منتقديه وليسوا قلائل.

تعب الملاكم واتخذ الافق شكل يد تلوح. وعلى عادة الكبار غادر الشاعر هادئاً كما تهرب نجمة من تعب السهر لتنام بين سطرين.

عبدالله الصغير
08-18-2010, 10:48 AM
مقال صغير جدًّا عن رجل طويل جدًّا
المدينة السعودية
gmt 1:48:00 2010 الأربعاء 18 أغسطس


محمد الرطيان

(1) من المخجل أن يغيب رجل مثل “غازي القصيبي” ولا تكتب عنه.
ولكن الأكثر خجلاً أن تكتب عنه شيئًا صغيرًا لا يليق به وبقامته.
إذن -من البدء- أعتذر لكم (وبخجل) عن هذه الكتابة!
(2) أول سؤال خطر على بالي: من أين أبدأ؟
لو أن الحديث يدور حول رجل جميل بحجم بحيرة.. لهان الأمر..
ولكن الحديث يدور حول الرجل / البحر ..
فمَن يضمن لي عدم الغرق في منتصف الكتابة؟!
(3) على سواحله ستجد:
غازي.. ابن “عبدالرحمن القصيبي” أحد أثرى أثرياء زمانه،
لم يأتِ للعمل العام وعينه تتلصص على العقود!
أتى وعينه تراقب المجد البعيد..
لم يأتِ لكي “يأخذ”، أتى لكي “يعطي”.
على سواحله ستجد:
الأستاذ الجامعي / الشاعر / الوزير / الروائي / السفير / الكاتب..
الحر والتنويري والمقاتل الذي يحترمه الجميع.. حتى خصومه.
على سواحله ستجد:
شاعرًا جريئًا يكتب آخر رسائل المتنبي إلى سيف الدولة.
على سواحله ستجد:
“شقة الحرية” التي فتحت أبوابها للرواة الجدد.
على سواحله ستجد:
زاوية “في عين العاصفة”.. لم تكن زاوية، كانت خندقًا على حد الوطن.
على سواحله ستجد: ألف شهادة وشهادة تقول لك: إنه من القلّة التي لم تفسدها السلطة.
على سواحله ستعرف: أنه الواحد / الكثييييير.. وستبكي لفقدهم جميعًا!
(4) أول مرة رأيته فيها، في منتصف التسعينيات، في حفل للمعهد الدبلوماسي.. كانت تحيط به هالة من الضوء.. أردت أن أصافحه وأقول له بأنني أحبه.. ولم أفعل! منعني الخجل.. أردت أن أقول: أنا من جيل عشق غازي القصيبي، وبهرته شخصيته. أردت أن أقول له: إنني في طفولتي كتبت قصيدة فيك.. نعم كانت ركيكة وساذجة.. ولكنها صادقة ومحبة لك. أردت أن أقول له إن من أول الكتب التي اقتنيتها في حياتي هي كتبك.. وإنك أحد الذين هذّبوا ذائقتي، وفتحوا النوافذ في رأسي الصغير، وجعلوني أعشق صبية حسناء اسمها “الحرية”.
أردت أن أقول كل هذا.. وأكثر.. ولم أفعل!
أعذرني يا سيدي، كنت شابًا شماليًّا صغيرًا -وفي مكان لا يشبهه- وأربكه الضوء المنبعث منك. ولكنك من القلّة الذين لم يخذلوني.. كنت طويلاً جدًّا (كل الذين أحبهم أتخيّل أنهم طوال القامة.. لا أدري لماذا).. وأنت كنت طويلاً أكثر من اللازم!
(5) غازي القصيبي:
من القلة الذين استطاعوا أن يقرأوا مستقبل الغلو.. بوضوح وقاتل بشجاعة كل فكرة متطرفة.
اختلفوا على ما تخطه يده، ولكنهم اتفقوا على نظافة هذه اليد في كل منصب ذهبت إليه.
لهذا: حتى خصومه يحترمونه.
رغم كل الاختلاف حول وزارته الأخيرة، إلاَّ انه يظل بنظر الغالبية من الشعب السعودي:
هو الوزير الأكثر شعبية طوال العقود الأربعة الماضية.
(6) أكرر اعتذاري عن هذا المقال الصغير / القصير عن هذا الرجل الكبير / الطويل.
فلنتوقف عن الكتابة عنه.. ونكتفِ بالبكاء عليه.
وفي المستقبل، سيأتي أولادنا ليكتبوا عنه بشكل أفضل وأصدق.

عبدالله الصغير
08-18-2010, 10:50 AM
الراحل القصيبي... مزاوجة بين الفكر والسياسة
الوطن السعودية
gmt 1:19:00 2010 الأربعاء 18 أغسطس


يوسف عبدا لله مكي


مهما اختلفت الرؤى، وتعددت المسارب، واتجهت العواطف والهوى، تظل وظيفتا الأديب والسياسي تسيران في خطين متوازيين، مهما غلفهما التضاد والتنافر، ووجودهما ضرورة حضارية واجتماعية لا غنى عنها، وكل منهما بحاجة إلى الأخرى

العلاقة بين الفكر والسياسة علاقة معقدة ومركبة. معقدة لأنها تمثل تلازم المثالية والميكيافيلية، ومركبة لأنها تعبر عن وحدة النقيضين. قليل جدا من الناس، تمكنوا من خوض تجربة الجمع بين وظيفتي الفكر والسياسة، وقليل جدا من هؤلاء، استطاعوا الإفلات من براثن إحداهما، فجمعوا بين روح الفنان والمبدع، وبين جدية وانضباط السياسي المسؤول. وكان ذلك دائما هو الاستثناء.
فالأديب في جل المجتمعات الإنسانية، وظيفته مخاطبة الروح، والاقتراب من معاناة الإنسان، ويعمل دائما في مساحات مفتوحة ولا نهائية. يرنو الشاعر أو الفنان دائما، للالتحام بالحقيقة وبالمطلق. وهامش النسبية يضيق في تفكيره، ورحلة الكشف مستمرة، ليس فيها انقطاع. وهو بطبيعة ثقافته ونوع وظيفته، كائن رومانسي وحالم، يلتقي مع الفيلسوف، في أن كليهما يجري في مخياله، تعديلات مستمرة على لوحة الوجود، تشمل الأفكار والقيم السائدة، باتجاهات صاعدة.
في حين تتلخص وظيفة السياسي، في حفظ الأمن والنظام، وسلامة الأموال والأرواح. ولذلك فهو بطبيعة تكوينه، كائن محافظ. فمهمته هي تجنب الأهوال والمخاطر، التي قد تعصف بالأمن والسلام. يعيش السياسي باستمرار واقع التحسب والتحفز، متجنبا روح المغامرة. ومن غير شك، فإن التحسب والتحفز يحجبان أبواب المبادرة والإبداع، وكلاهما ربما يحملان في رحمهما، عناصر تعرض الوطن والمجتمع للمجهول. ولذلك يتمسك السياسي بما هو سائد من أفكار وقيم. إن الحاضر بالنسبة له معلوم، والمستقبل مجهول، وإذا كان بالإمكان التعايش مع الحاضر، والتعامل معه لكونه معلوما، فإن المجهول هو بحكم المعدوم. إن المغيب والمجهول، نتائجهما دوما غير مضمونة، وربما تطلبت المبادرة من السياسي، مراجعة أنظمته ولوائحه وقوانينه، لكن ذلك مهما بلغ في دقته، ليس من المؤكد ضمان نتائجه. ولذلك يفضل السياسي أن يكون حارسا لما هو كائن.
لكن التناقض الواضح، بين السياسي والمفكر ليس سببا كافيا في سيادة قانون وحدة المتضادات. فطبيعة السياسي والمفكر مهما اختلفت، في العواطف والأفكار والرؤى، فإن عنصر الوحدة بينهما يضغط بقوة، تجعل من الصعب الفكاك بينهما. فماذا تعني أحلام الأديب شاعرا أو روائيا، إن لم يحتضنها سياسي يؤمن بها، ويدفع بها من الحلم إلى الإرادة.
وهكذا مهما اختلفت الرؤى، وتعددت المسارب، واتجهت العواطف والهوى، تظل وظيفتا الأديب والسياسي تسيران في خطين متوازيين، مهما غلفهما التضاد والتنافر. ووجودهما ضرورة حضارية واجتماعية لا غنى عنها، وكل منهما بحاجة إلى الأخرى. فالمفكر سوف تبقى أحلامه معلقة في الهواء. وربما تحولت إلى نظريات ومناهج للفكر والعمل، ولكنها كي تتحول إلى واقع لا بد من سياسي يحتضنها ويعمل على ترجمتها وتحويلها إلى أمر واقع.
لعل الراحل العزيز الدكتور غازي القصيبي، قد أدرك في وعيه الباطن، أو بعقله الفطن أهمية المزاوجة بين الفنان والسياسي، فاختط طريقه الخاص والاستثنائي لكتابة سيرته الذاتية، على أرض ممارساته الحياتية، فكرا وعملا، في مسيرة حافلة بالعطاء في خطين متوازيين: خط الأديب والفنان، وخط الوزير والمدير المسؤول بالدولة. لقد كان رحمه الله واحدا من القلة النادرة، التي قبلت بالسير في المعادلة الصعبة، التي جمعت روح الشاعر والروائي والفنان والمبدع، والقدرة الاستثنائية على الضبط والربط، في الوظائف التي شغلها، سواء كأكاديمي في جامعة الملك سعود بالرياض، أو المناصب المختلفة التي تولاها، وزيرا للصناعة والصحة والمياه والعمل.
هل نجح القصيبي تماما، في تحقيق الفصل بين دوره أديبا ومبدعا، ودور المسؤول السياسي. الواقع أن الجواب هو بـ "نعم" و"لا" في آن معا. لم يمارس القصيبي في حياته الوظيفية حالة انفصام بين الأديب والمسؤول السياسي، بل نقل روح الفكر والإبداع إلى عمله. فجعل من وظائفه الأخرى، حقولا جديدة لعطاء مبدع من نوع آخر.
فهو كأديب، لم يكن له أبدا أن يتجاوز سلطة الفضاءات المفتوحة، التي تطغى على روح الأدباء والمبدعين من شاكلته. فكما تعامل مع الأدب، بدون نهايات، تعامل مع الوظيفة بروح الأديب والمفكر الملتزم، مسخرا خبرته العلمية، لما ينفع الناس.
انحاز الراحل الكبير، طيلة حياته الوظيفية، لروح المثقف، المتطلع دائما إلى المستقبل، رافضا مقولة أن ليس بالإمكان أبدع مما كان.
أمضى الشاعر مرحلة شبابه الأولى بالبحرين، حيث بدأ تعليمه، ثم انتقل إلى القاهرة، حيث نال ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة وتحصل على الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا، وعلى الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة لندن.
في محطاته التعليمية، بدأت مواهبه الشعرية تبرز بوضوح، منذ كان طالبا بالبحرين، ثم في القاهرة. وقد استلهم روايته "شقة الحرية"، من تجربته أثناء دراسته الجامعية، ومن المناقشات والمطارحات السياسية والفكرية التي سادت أثناء تلك الحقبة. فيما بعد، كتب روايتي أبوشلاخ البرمائي والعصفورية، وفي الروايتين، تأثر بشكل واضح بكتابات الروائي نجيب محفوظ، وفيدور ديستويفسكي. وللفقيد إسهامات صحفية، نشرت في كثير من الصحف والمجلات العربية، واتسمت بالعمق والثراء. وله دواوين شعرية مطبوعة منها "معركة بلا راية" و"أشعار من جزائر اللؤلؤ" و"حديقة الغروب". كما أن له مؤلفات في التنمية والسياسة منها "التنمية، الأسئلة الكبرى" و "عن هذا وذاك" و"باي باي لندن" ومقالات أخرى" و "الأسطورة ديانا" و"أقوالي الغير مأثورة" و "ثورة في السنة النبوية" و"حتى لا تكون فتنة".
ويعد كتاب "حياة في الإدارة" أشهر ما نشر له، وتناول سيرته الوظيفية وتجربته الإدارية حتى تعيينه سفيراً في لندن. وقد وصل عدد مؤلفاته إلى أكثر من ستين مؤلفاً. له أشعار لطيفة ومتنوعة.
رحيل الفقيد، الدكتور غازي القصيبي خسارة لا تعوض للأدب في بلادنا، وسوف يفتقده قراؤه ومحبوه، في عموم الوطن العربي الكبير، وبشكل خاص في المملكة والخليج العربي. وسوف تفتقده أيضا، مؤسسات الدولة، التي ارتبط بها وعشق العمل في دوائرها، فقد كان نموذجا للنزاهة والصدق والمبادرة والإبداع، والقدرة على الربط بين المعايشة السلوكية الأخلاقية، وطغيان روح التسامح والمودة وحب الخير، والرغبة في مساعدة الناس، وبين الحزم والضبط والربط.
سيبقى الفقيد حيا دائما في ذاكرة وطنه، نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، ويلهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

عبدالله الصغير
08-18-2010, 10:51 AM
في رحيل الوزير المرافق
الشرق الاوسط اللندنية
gmt 0:19:00 2010 الأربعاء 18 أغسطس


عادل الطريفي

برحيل غازي القصيبي، رجل الدولة الكبير، تكون السعودية قد فقدت واحدا من أبرز سياسييها ومثقفيها. لقد ظل طوال خمسة وأربعين عاما حاضرا في الجدل الاجتماعي السعودي، مهيمنا على الساحة الثقافية والإعلامية، وأهم من ذلك كله، كان مسؤولا أمينا ونزيها، يتنقل ما بين وظيفة حكومية إلى أخرى، دون كلل ولا ملل، يلقي بالتصريحات الذكية والمشاغبة، ويؤلف الدواوين والروايات، ويساجل نقاده بحماسة. لقد كان غازي قادرا على فهم الشخصية السعودية، وسبر أغوارها ومخاوفها، ولهذا ما فتئ يثير انتباههم حتى لحظاته الأخيرة، فعلى فراش الموت يصدر كتابا عن ذكرياته مع السياسيين الأجانب، ويعد ناشره بصدور كتاب آخر عشية وفاته. حالة غازي السعودية خاصة، فهو ولد السعودية المثير للجدل، أحبوه زمنا، ثم خاصموه فترة الصحوة الدينية وذموه، ثم وقعوا في غرامه مرة أخرى، دافع عنهم في أحلك المواقف داخليا وخارجيا، ولكنه لم يستسلم لخصومه، ونقاده. ربما أغضبهم حينا، ولكنه طالما سرهم أحيانا كثيرة. ولكن ما الذي يجعل القصيبي استثناء إلى هذا الحد؟

في رأيي، أن غازي القصيبي شخصية لا تتكرر، لقد كان متعدد المواهب وكان يدرك ذلك بنفسه، فأراد أن يكون شاعرا يجمع ما بين عبقرية المتنبي وعصرية نزار قباني، وكان له ما أراد. كتب الرواية الأدبية، فتحول إلى نموذج الروائي الكبير، وتبعه العشرات من الأدباء الشباب. أعطى دروسا في الإدارة، وزها بثقافته، وعلمه، وخبرته، حتى أصبح بطل الجيل. لكن أبرز ما يميز غازي هو كاريزماه الشخصية، التي ضمنت له أربعة عقود من التميز، حتى في أصعب المراحل التي واجهها، فكان لا يزال يتمتع بشعبية جارفة بين أقرانه من المسؤولين والمواطنين. والحق يقال، أنت تستطيع أن تختلف مع غازي أو تتفق معه، ولكن لا يسعك إلا الإقرار بأنه كان وطنيا، مخلصا للدولة، ومتغزلا بمواطنيه.

في كتابه «النظام السياسي في مجتمعات متغيرة» (1968) يتحدث صموئيل هينتغتون عن جيل من التكنوقراط الوطنيين الذين تعلموا في الغرب، ثم ذهبوا إلى مجتمعات سياسية تقليدية، هؤلاء التكنوقراط كانوا عرابي الوصل ما بين مجتمعاتهم التقليدية والعالم الحديث، وإذا ما تأملت في سيرة غازي خريج لندن كوليج، وجنوب كاليفورنيا، فقد كان نموذجا مثاليا لذلك التكنوقراطي المتنور الذي يسعى لتحديث بلده من دون حرق المراحل أو فرض التغيير، ومن يراجع تصريحاته التي صدرت نهاية السبعينات، ونقاشاته حول التنمية والتحديث مع الصحافة الغربية يدرك كم كان ذكيا في توصيف العلاج. لقد وصفه المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري بـ«المصلح من الداخل»، وهو توصيف دقيق، فقد كانت أدواره الخاصة أكثر أهمية من مناصبه المعلنة، وربما كان هذا هو سر الثقة في غازي على المستوى السياسي، لقد مر وزراء كثر كانت لهم إسهامات مهمة، ولكن أهمية غازي كانت في وعيه السياسي، أو بعبارة أدق، في مواهبه السياسية، التي ضمنت بقاءه في المشهد السياسي السعودي، طيلة هذه المدة، وبرهنت على قدرته على التعايش مع الظروف الصعبة، والعودة بعد كل أزمة واثقا من نفسه. لقد ارتكب أخطاء، كما يقول هو عن نفسه، ولكن أهميته كانت في قدرته على التجدد في كل مرحلة.

في حرب الخليج الثانية، كانت زاويته «في عين العاصفة» المنشورة في جريدة «الشرق الأوسط» الصوت الأبرز في مقارعة الديماغوجية السياسية حينها. أما مساجلاته مع التيار الصحوي، فأثبتت أنه لا يهاب مواجهة خصومه، فعلى الرغم من صنوف الاتهامات التي كانت توجه إليه، فإنه كان على الصعيد الشخصي متدينا، وقد شجعت مواقفه عددا من المثقفين على نقد حركة التسييس الديني في أوجها.

أما على الصعيد السياسي، فقد كانت مواقف القصيبي مزيجا من المحافظة والتجديد، فقد كان مؤيدا للتحديث المدني الغربي وتمتين العلاقات مع العالم الخارجي، وفي الوقت ذاته كان ذا إحساس قومي عربي متشكك في عملية السلام، يتجلى ذلك أكثر في أعماله الأدبية، وربما فسر هذا حماسته حين كتب قصيدة رثاء في فتاة انتحارية فلسطينية (2002) وهو سفير في بريطانيا، وهو خطأ قال عنه أحد أصدقائه: «لقد تغلب في غازي الشاعر على السياسي». ولعل كتابه «أميركا والسعودية: حملة إعلامية أم مواجهة سياسية» (2002)، يكشف عن فكر غازي المحافظ، ويعتبر نموذجا لشكوكه تجاه السياسات الغربية التي لا تختلف في مستوى طرحها عن الطرح الشعبي المؤمن بنظرية المؤامرة. بيد أن القريبين منه يؤكدون أن علينا دائما أن نفصل ما بين غازي التكنوقراطي الذي يضع «السعودية أولا»، وغازي الكاتب والشاعر الذي يحن إلى أن يكون جزءا من الشعب العربي الكبير. لقد سئل مرة: أيهما تفضل أن يتذكرك الناس به، الوزير أم الشاعر؟ فقال الشاعر، لأن الكلمة لا تموت أما المناصب فتجيء وتذهب.

في كتابه الأخير «الوزير المرافق» (2010) يقول غازي: «تذكرت قصة سمعتها عن الرئيس (بورقيبة). ذهب إليه مرة أحد وزرائه وطلب منه أن يقبل استقالته من العمل، نظرا لمرضه وتقدمه في السن. ورفض الرئيس بإصرار. قال له إنه لو مات كمواطن عادي ودفن كمواطن عادي فلن يشعر بموته أحد. أما إذا مات وهو وزير وشيع إلى مقره الأخير وهو وزير فستكون هناك وحدات من القوات المسلحة وموكب مهيب. أي أنه سيموت بما يليق به من تكريم».

لقد مات القصيبي وهو وزير، وربما لم تطلق طلقات التحية العسكرية عند رحليه، ولكن سيل المقالات التي تكتب في رثائه وتوديعه تفوق أهم الاستعراضات العسكرية. سيتذكره الناس شاعرا ووزيرا.

عبدالله الصغير
08-18-2010, 10:52 AM
غازي القصيبي بين الحياة و«الحياة»
الحياة اللندنية
gmt 0:02:00 2010 الأربعاء 18 أغسطس


زياد بن عبدالله الدريس
(1)

عنوان هذه المقالة وضعته الأسبوع الماضي ، حين استلمت نسخة من أحدث إصدارات غازي القصيبي : (الوزير المرافق)، من الصديق الكاتب يحي إمقاسم الذي عرض للكتاب الجديد عرضا ً موسعاً ومشوقا ً فوق التشويق القصيبي المعهود بالطبع (صحيفة الحياة 10/8/2010م).

قرأت العرض صباحا ً واستلمت الكتاب مساء ً. كنا نتحدث، يحي وأنا، عن حالة غازي الصحية الحرجة التي دعته لدخول العناية الفائقة.

قلت بما أن الوضع الصحي بلغ هذا الحرج فسأجعل مقالتي الأسبوع القادم فورا ً عن الكتاب، لعل غازي يسر بقراءة المقالة، وفي الحقيقة أني أنا الذي كنت أطمع أن أسر بقراءته لمقالتي هذه!

ولأن الوضع الصحي أصبح حرجا ً لدرجة ظهور العبارة المخيفة: «غازي بين الحياة والموت»، فقد قررت أن أجعل العنوان هو (غازي بين الحياة والحياة)، الحياة الأولى هي التي يزاولها سائر الناس والحياة الثانية هي التي يختص بها أمثال غازي القصيبي من الكائنات الحية التي تستمر حية حتى بعد موتها. كما لا يخلو العنوان من إسقاط على اسم صحيفة الحياة التي كانت آخر المحتفين بأعمال غازي قبل موته.

هذه هي حكاية المقالة وعنوانها، لكن القدر كان أقدر وخلال خمسة أيام بين ولادة هذه المقالة ووفاة ذلك الغازي، أن يحيلها إلى مقالة رثاء وتأبين .

(2)

عنصر الدهشة في كتاب (الوزير المرافق) ليس جَلَد القصيبي على الكتابة والتأليف حتى في أحلك الظروف، ولا أسلوبه السلس الذي ألفناه وعهدناه منه، ولا التقلبات المتمكنة والمحكمة له في مجالات الكتابة بين الرواية والسياسة والإدارة والسيرة والشعر، حتى إنه حيّر الناس وأربك الصحف فيما يمكن تسميته ووصفه به، فلم يجدوا أفضل من أن يصفوه بأنه: غازي القصيبي!

الدهشة في هذا الكتاب الأخير، أو ما قبل الأخير بالأصح، هو هذه القدرة المتقنة عند القصيبي للكتابة في مواطن الغضب والتأزم والمسكوت عنه. ثم يخرج سالماً معافى.

لطالما كُتب الكثير عن أزمة «ثنائية السياسي والكاتب»، وكيف يمكن للمثقف الكاتب حين يتحول إلى سياسي مسؤول أن يستمر في نهجه الكتابي دون أن يسبب حرجاً لمنصبه؟!

لم يكن المخرج من تلك الإشكالية سوى تحوّل الكتّاب المسؤولين إلى الكتابة في المناطق الرمادية تلك التي لا تثير نقعاً ولا صليلاً!

غازي القصيبي بمهارة مذهلة استطاع أن يقبض على المعادلة .. فيحتفظ بصورته المتفردة : كاتباً مثيرا ُ ومسؤولاً مرموقاً. في آن.

للحق، لم تتجل هذه المهارة القصيبية في كتابه الأخير فقط ، بل قرأناها في كتبه (حياة في الإدارة)، (سعادة السفير)، (أمريكا والسعودية)، (أبو شلاخ البرمائي) وغيرها من كتبه الأخرى المثيرة للجدل . الجدل عند الناس، لكن ليس عند غازي المتوافق والمتصالح مع نفسه .

في كتابه (الوزير المرافق) يتحدث عن جيمي كارتر وكأنه يتحدث عن زميله في الدراسة، أما انديرا غاندي فهي ابنة جيرانهم، والعقيد القذافي ولد حارتهم الشقي!

يصف كارتر بأنه (كان حريصا على إرضاء الجميع مهما كانت مذاهبهم ومشاربهم ، وقد انتهى به الأمر بإغضاب الجميع من كل المذاهب والمشارب)، لا يقول غازي هذا الوصف عن كارتر دون أن يحمّله رسالة مبطنة من قناعات غازي نفسه. وعلى نفس المنوال يروي عن أنديرا غاندي قولها: (لقد كانت الرغبة في فرض التطور غلطة الشاه الأساسية، وكانت غلطة أتاتورك قبله. لقد تصوروا أن التغيير يمكن أن يتم بقرار حكومي. هذه نظرة خاطئة. الناس أنفسهم هم الذين يحددون سرعة التغيير ولا يمكن أن تفرض عليهم الدولة أن يتغيروا حسب هواها)، هذا دون شك هو رأي وقناعة غاندي الهند وغاندي السعودية أيضا!

أما حديثه عن ومع العقيد المعقد فهو ما لا يمكنني الاقتباس منه لأنه كله اقتباس!

رحم الله غازي القصيبي ، ما أبدعه وأمهره... وما أفقدنا فيه.

عبدالله الصغير
08-18-2010, 10:53 AM
في رحيل الوزير المرافق
الشرق الاوسط اللندنية
gmt 0:19:00 2010 الأربعاء 18 أغسطس


عادل الطريفي

برحيل غازي القصيبي، رجل الدولة الكبير، تكون السعودية قد فقدت واحدا من أبرز سياسييها ومثقفيها. لقد ظل طوال خمسة وأربعين عاما حاضرا في الجدل الاجتماعي السعودي، مهيمنا على الساحة الثقافية والإعلامية، وأهم من ذلك كله، كان مسؤولا أمينا ونزيها، يتنقل ما بين وظيفة حكومية إلى أخرى، دون كلل ولا ملل، يلقي بالتصريحات الذكية والمشاغبة، ويؤلف الدواوين والروايات، ويساجل نقاده بحماسة. لقد كان غازي قادرا على فهم الشخصية السعودية، وسبر أغوارها ومخاوفها، ولهذا ما فتئ يثير انتباههم حتى لحظاته الأخيرة، فعلى فراش الموت يصدر كتابا عن ذكرياته مع السياسيين الأجانب، ويعد ناشره بصدور كتاب آخر عشية وفاته. حالة غازي السعودية خاصة، فهو ولد السعودية المثير للجدل، أحبوه زمنا، ثم خاصموه فترة الصحوة الدينية وذموه، ثم وقعوا في غرامه مرة أخرى، دافع عنهم في أحلك المواقف داخليا وخارجيا، ولكنه لم يستسلم لخصومه، ونقاده. ربما أغضبهم حينا، ولكنه طالما سرهم أحيانا كثيرة. ولكن ما الذي يجعل القصيبي استثناء إلى هذا الحد؟

في رأيي، أن غازي القصيبي شخصية لا تتكرر، لقد كان متعدد المواهب وكان يدرك ذلك بنفسه، فأراد أن يكون شاعرا يجمع ما بين عبقرية المتنبي وعصرية نزار قباني، وكان له ما أراد. كتب الرواية الأدبية، فتحول إلى نموذج الروائي الكبير، وتبعه العشرات من الأدباء الشباب. أعطى دروسا في الإدارة، وزها بثقافته، وعلمه، وخبرته، حتى أصبح بطل الجيل. لكن أبرز ما يميز غازي هو كاريزماه الشخصية، التي ضمنت له أربعة عقود من التميز، حتى في أصعب المراحل التي واجهها، فكان لا يزال يتمتع بشعبية جارفة بين أقرانه من المسؤولين والمواطنين. والحق يقال، أنت تستطيع أن تختلف مع غازي أو تتفق معه، ولكن لا يسعك إلا الإقرار بأنه كان وطنيا، مخلصا للدولة، ومتغزلا بمواطنيه.

في كتابه «النظام السياسي في مجتمعات متغيرة» (1968) يتحدث صموئيل هينتغتون عن جيل من التكنوقراط الوطنيين الذين تعلموا في الغرب، ثم ذهبوا إلى مجتمعات سياسية تقليدية، هؤلاء التكنوقراط كانوا عرابي الوصل ما بين مجتمعاتهم التقليدية والعالم الحديث، وإذا ما تأملت في سيرة غازي خريج لندن كوليج، وجنوب كاليفورنيا، فقد كان نموذجا مثاليا لذلك التكنوقراطي المتنور الذي يسعى لتحديث بلده من دون حرق المراحل أو فرض التغيير، ومن يراجع تصريحاته التي صدرت نهاية السبعينات، ونقاشاته حول التنمية والتحديث مع الصحافة الغربية يدرك كم كان ذكيا في توصيف العلاج. لقد وصفه المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري بـ«المصلح من الداخل»، وهو توصيف دقيق، فقد كانت أدواره الخاصة أكثر أهمية من مناصبه المعلنة، وربما كان هذا هو سر الثقة في غازي على المستوى السياسي، لقد مر وزراء كثر كانت لهم إسهامات مهمة، ولكن أهمية غازي كانت في وعيه السياسي، أو بعبارة أدق، في مواهبه السياسية، التي ضمنت بقاءه في المشهد السياسي السعودي، طيلة هذه المدة، وبرهنت على قدرته على التعايش مع الظروف الصعبة، والعودة بعد كل أزمة واثقا من نفسه. لقد ارتكب أخطاء، كما يقول هو عن نفسه، ولكن أهميته كانت في قدرته على التجدد في كل مرحلة.

في حرب الخليج الثانية، كانت زاويته «في عين العاصفة» المنشورة في جريدة «الشرق الأوسط» الصوت الأبرز في مقارعة الديماغوجية السياسية حينها. أما مساجلاته مع التيار الصحوي، فأثبتت أنه لا يهاب مواجهة خصومه، فعلى الرغم من صنوف الاتهامات التي كانت توجه إليه، فإنه كان على الصعيد الشخصي متدينا، وقد شجعت مواقفه عددا من المثقفين على نقد حركة التسييس الديني في أوجها.

أما على الصعيد السياسي، فقد كانت مواقف القصيبي مزيجا من المحافظة والتجديد، فقد كان مؤيدا للتحديث المدني الغربي وتمتين العلاقات مع العالم الخارجي، وفي الوقت ذاته كان ذا إحساس قومي عربي متشكك في عملية السلام، يتجلى ذلك أكثر في أعماله الأدبية، وربما فسر هذا حماسته حين كتب قصيدة رثاء في فتاة انتحارية فلسطينية (2002) وهو سفير في بريطانيا، وهو خطأ قال عنه أحد أصدقائه: «لقد تغلب في غازي الشاعر على السياسي». ولعل كتابه «أميركا والسعودية: حملة إعلامية أم مواجهة سياسية» (2002)، يكشف عن فكر غازي المحافظ، ويعتبر نموذجا لشكوكه تجاه السياسات الغربية التي لا تختلف في مستوى طرحها عن الطرح الشعبي المؤمن بنظرية المؤامرة. بيد أن القريبين منه يؤكدون أن علينا دائما أن نفصل ما بين غازي التكنوقراطي الذي يضع «السعودية أولا»، وغازي الكاتب والشاعر الذي يحن إلى أن يكون جزءا من الشعب العربي الكبير. لقد سئل مرة: أيهما تفضل أن يتذكرك الناس به، الوزير أم الشاعر؟ فقال الشاعر، لأن الكلمة لا تموت أما المناصب فتجيء وتذهب.

في كتابه الأخير «الوزير المرافق» (2010) يقول غازي: «تذكرت قصة سمعتها عن الرئيس (بورقيبة). ذهب إليه مرة أحد وزرائه وطلب منه أن يقبل استقالته من العمل، نظرا لمرضه وتقدمه في السن. ورفض الرئيس بإصرار. قال له إنه لو مات كمواطن عادي ودفن كمواطن عادي فلن يشعر بموته أحد. أما إذا مات وهو وزير وشيع إلى مقره الأخير وهو وزير فستكون هناك وحدات من القوات المسلحة وموكب مهيب. أي أنه سيموت بما يليق به من تكريم».

لقد مات القصيبي وهو وزير، وربما لم تطلق طلقات التحية العسكرية عند رحليه، ولكن سيل المقالات التي تكتب في رثائه وتوديعه تفوق أهم الاستعراضات العسكرية. سيتذكره الناس شاعرا ووزيرا.

عبدالله الصغير
08-18-2010, 10:58 AM
«غازيو» القصيبي
الحياة اللندنية
gmt 0:16:00 2010 الأربعاء 18 أغسطس


عبدالله ناصر العتيبي


كنت أنوي أن أبدأ مقالي بالفعل الناقص «كان»، كنت أنوي أن أقول: «كان غازي القصيبي حالة وطنية استثنائية نادرة، لا تتكرر كثيراً»، لكني عدلت عن الكنكنة في القول، لسببين: أولهما، أن غازي القصيبي ليس من النوع الذي يتراجع إلى الماضي بمجرد موته، والثاني، هو أملي الكبير في أن يتبنى الشباب الصاعد شخصية الراحل، بحيث يصبح لدينا خلال العقود الثلاثة المقبلة عشرات الغازيين القصيبيين، وبالتالي يمتد حضور الحال القصيبية في حضرة الوطن إلى أجل غير مسمى.

ما قدمه القصيبي خلال عمره الذي توقف عند الـ «70» يعتبر بكل المقاييس ظاهرة استثنائية نادرة الحدوث، وما لاقاه بعد موته من تقدير وتبجيل واحترام واتفاق، يعكس حقيقته الدنيوية التي كان رمزها الوضوح، وعنوانها الصدق والصدقية، هل عدت للكنكنة من جديد؟! لا تثريب عليّ، فما أنا إلا بشرٌ بمواهب عادية، يصعب عليّ التعامل مع مثل هذه الحالات المستقبلية التي تُخالف قوانين الذكرى والتذكر.

لم تفقد السعودية بفقد القصيبي رجلاً واحداً، بل فقدت عشرات الرجال بعشرات المواهب؛ فقدت الوزير المخلص، وفقدت السفير المؤمن بقضايا وطنه وقضايا أمته، وفقدت المصلح الاجتماعي الذي كان يجاهد لتغيير وتنوير المجتمع، وفقدت الوطني الصادق الذي لم يكن يهمه حجم الخسارات ونوعها في سبيل الخروج بمجتمعه إلى حديقة النور والهواء الصحي، وفقدت الروائي الذي أبحر بالرواية العربية إلى جزر لم تكن قد زارتها من قبل، وفقدت الشاعر الرومانسي الصادق، وفقدت المفكر الذي «كان» يستشرف النتائج ويعيد رسمها في الواقع، ثم يعبد طرق الوصول إليها، وفقدت المترجم الحاذق الذي ينقل للعربية كتباً ثمينة يغفل عن نقلها المترجم التجاري.

في عام 1976 تولى القصيبي أولى حقائبه الوزارية، وكانت وزارة الصناعة والكهرباء، ويعلم الناس حينها كيف كانت حال الكهرباء قبل ولايته؟ وكيف صارت بعدها؟ ويعلمون أيضاً بمدى إخلاصه في عمله، وما القصص التي تروى عنه خلال هذه الفترة إلا شواهد لعمل رجل جاء ليترك أثراً، إحدى هذه القصص يرويها الراحل بنفسه في كتابه الشهير «حياة في الإدارة»، إذ يقول إنه خلال إحدى المرات التي انقطعت فيها الكهرباء عن عدد من أحياء الرياض، جاء على عجل إلى مقر شركة الكهرباء الرئيس، وعندما أتم اجتماعاته مع لجان الطوارئ، ذهب بنفسه إلى غرفة سنترال الهاتف في الشركة وطلب من الموظف المعني بالرد على تليفونات المواطنين أن يسمح له بالجلوس مكانه ليتواصل مع المواطنين المتذمرين من انقطاع الكهرباء عن بيوتهم، يقول غازي - رحمه الله - «إن أحدهم اتصل غاضباً وطلب منه أن ينقل رسالة صغيرة إلى وزير الكهرباء «الذي هو غازي نفسه» بأن يترك الشعر ونشر الشعر ويتفرغ لعمله في الوزارة، ظناً من المواطن أن الشعر هو الذي شغل الوزير عن الوزارة»، يضيف القصيبي في سرده لهذه القصة بأنه أبلغه بأن الوزير هو من يتحدث معه الآن، لكن المواطن لم يصدقه، وأقفل الخط متذمراً غاضباً.

عندما تولى وزارة الصحة في عام 1982 كان الجميع يعلم كيف كانت أحوال الطب والتطبيب في المملكة، وكيف صارت بعد تسلمه لوزارة الصحة بأمر ملكي مباشر من خادم الحرمين الملك فهد بن عبدالعزيز - رحمه الله - خلال سنتين قصيرتين، نقل القصيبي الحال الطبية إلى مستويات متقدمة جداً جعلت من فترته في الوزارة إحدى أهم الفترات الذهبية التي مرت على القطاع الصحي في السعودية. كان رحمه الله (عدت للكنكنة من جديد) دائم الزيارات التفقدية للمستشفيات، ولطالما طالعتنا الصحف والمجلات في تلك الأيام بزياراته المفاجئة لأقسام الطوارئ وأقسام التنويم في المستشفيات الحكومية. يحكي، رحمه الله، في كتابه المهم جداً «حياة في الإدارة» قصته مع صديقه عمران العمران، الذي لم يكن معجباً بطريقة إدارة القصيبي لملفه الإعلامي، ولا بطريقة نشر أخباره وصوره في الصحف، خوفاً من أن يوغر ذلك صدر الحاسدين والحاقدين عليه ويجعلهم يشتغلون ضده في الخفاء، في الوقت الذي يعمل هو فيه في النور. يقول غازي: «إنه كان في زيارة لصديقه عمران في المنطقة الشرقية، الذي أخذ يلومه على المبالغة في إعطاء الأخبار والصور للصحف المحلية». يضيف غازي: إنه قال لصديقه إن كل هذه الأمور تأتي من غير ترتيب مسبق، لكن عمران لم يصدقه، وهنا طلب غازي من عمران أن يرافقه الآن إلى أحد المستشفيات القريبة ليتفقدها بصورة مفاجئة، خرج الصديقان إلى المستشفى وما هي إلاّ دقائق معدودة حتى انقض الصحافيون على الصديقين بفلاشات الكاميرات، وكأنهم كانوا على موعد مسبق مع الوزير! نجومية القصيبي هذه، التي كان عمران خائفاً من نتائجها في ذلك الوقت، جلبت له الكثير من المشكلات مع بعض المتنفذين الذين كانوا يرون أن في صعود أسهم القصيبي نزولاً لأسهمهم عند حكام هذه البلاد وولاة أمرها، والجميع يعرف قصة قصيدته المشهورة «رسالة من المتنبي إلى سيف الدولة» التي وجهها للملك فهد، رحمه الله، عندما لم يستطع أن يتحمل هجمات ومؤامرات حاسديه ومبغضيه.

غازي السفير أيضاً كان حالة استثنائية، فخلال وجوده كسفير لخادم الحرمين في البحرين والمملكة المتحدة كان (ولا يزال) واجهة سياسية عملاقة للمملكة، يدافع عن قضاياها ويتبنى حقوقها وحقوق مواطنيها ويتبع الحق العربي أينما كان وحيثما حل، وما عودته إلى المملكة على صهوة قصيدة «الشهيدة آيات الأخرس» وهو الذي تغرب عنها فوق صهوة قصيدة أيضاً، إلا تأكيد على أنه رجل وطني عروبي يؤمن أحياناً بأن الشعر هو الوسيلة المثلى للتعامل مع تعقيدات السياسة ودهاليزها!

غازي الروائي أيضاً كان له نصيب من كعكة نجومية «الشامل غازي»، فراويته المشهورة «شقة الحرية» كانت (ولا تزال، على رغم الكنكنة) فتحاً في عالم الرواية العربية. طريقته في السرد الناعم، وقدرته العظيمة في سبر أغوار شخصيات الرواية، وحذقه في ربط الأحداث بالشخوص والزمن، جعلت منه مدرسة روائية مستقلة تخرج فيها في ما بعد عشرات المبدعين الروائيين.

غازي الوطني، وغازي الشاعر، وغازي المصلح الاجتماعي، وغازي المفكر تحتاج لمقالات طويلة لا تكفي هذه المساحة لاحتواء نثارها وعبيرها. والمترجم غازي أيضاً يحتاج لمقال مستقل، لكن على من أراد أن يعرف كيف يفكر غازي في وطنه وهو يترجم ثقافات الآخرين، عليه أن يقرأ كتاب «المؤمن الصادق» الذي نقله غازي للعربية قبل أشهر قليلة. رحم الله «غازيي» القصيبي، وألهمنا وألهم أهلهم الصبر والسلوان.

عبدالله الصغير
08-18-2010, 11:00 AM
الرجل الذي مات في الحلم
الرياض السعودية
gmt 1:56:00 2010 الأربعاء 18 أغسطس




عبدالله بن بخيت

كان أكبر من الزمن الذي عاش فيه. اضطر أن يتجزأ إلى عدة رجال حتى يمر من النفق كما يمر الآخرون. تحت اسم واحد تحققت نجاحات خالدة. كل نجاح منها يكفي مجدا لإنسان. كنا نسخر من ظاهرة الأدباء المسؤولين أو ننافقهم. تفشت هذه الظاهرة في الثمانينيات الميلادية. كان غازي واحدا منهم، مسؤولا وأديبا وشاعرا. لم ينتزع أي اعتراف حقيقي من الصفحات الثقافية السعودية. تنتشر أعماله بقوة حضوره الوظيفي. اشتهر ديوانه الأول: معركة بلا راية. عنوان جميل. كنا نقرأه بإزاء نزار قباني وخليل حاوي وصلاح عبدالصبور وبقية شعراء الحداثة. لكن وضعه كمسؤول وسعودي يفسد علينا جمال القراءة. قراءة مسبقة الموقف. كان ذلك الديوان نموذجا للقراءة الجمالية التي تحاكم باسم الشخص ووظيفته. أتذكر كنت استمتع بقراءته، وأحفظ بعضا من أبياته دون التصريح بذلك. شيء محزن أن تخفي الجمال. من حسن حظي أني لم أكن أحتفي بالشعر أو أكتب عنه. أزاح هذا عن عاتقي كثيرا من الشعور بالذنب. لتمضي الأيام إلى أن أصدر روايته شقة الحرية. قرأتها أكثر من مرة. اهتزت المقاومة. اكتشفت بأني أمام أديب كبير. سقط من خيالي المسؤول. أول رواية سعودية ناضجة. ذكرتني بروايات الواقعيين كبلزاك. ليست عملا أدبيا ولكنها ثورة حقيقية في مفهوم الأدب في المملكة. كان الجو العام أقرب إلى روايات جيمس جويس( تيار الوعي).الغموض والصور الشعرية المونلوج الداخلي الخ. تمرد غازي على ضغط السوق وكتب قصة تعد في حينها كلاسيكية. لن ترضي النقاد ومحرري الصفحات الثقافية. تخطت العنجهية الأدبية ودخلت على الشارع. أعاد غازي بعمله هذا سلطة القارئ العادي. دون مجازفة يمكن القول إن غازي القصيبي هو أول من أزال من الطريق الأعمال الإبداعية المثقفية( كما يسميها الناقد المغربي يقطين) بهذه الرواية قدم النص الذي يقرأه الجميع. دخل الرواية ولم يتخل عن الشعر. حسمت الرواية الموقف منه كشاعر وروائي.

آلمني موته. رغم تقدمه في السن مازال أمامه طريق طويل من الإبداع. غرق في وزارة العمل. قتلته في النهاية. كان التحدي أكبر من قدرته ومن قدرة أي إنسان. لا يمكن أن تصارع حالة ثقافية متصلبة بأي سلطة. دخل وزارة العمل بحلم عريض. قرر أن يكتب من خلال هذه الوزارة ما لم يكتبه العرب في تاريخهم. ملحمة كبرى ينافس بها الإلياذة لهوميروس. الشعر والرواية في مجلد واحد. كانت ستكون بعنوان السعودة. أغراه العنوان. عنوان شاعري جميل كمعركته الأولى التي خاضها بلا راية وانتصر. عنوان اخترعه غيره. أول الأفخاخ القاتلة التي وقع فيها.. رومانسيته ذهبت به أبعد من مهاراته الإدارية . اشتغل في الوزارة بحلم الفنان. اصطدم بأعتى قلاع الواقعية: تصارع مع رجال الأعمال والمتنفذين. القصيبي لم يهزم في حياته. الرجل الذي قدرُه النجاح إذا دخل معركة لا يريد أن يخرج منها مهزوماً يكون خياره الوحيد فيها الموت.

جميله
08-18-2010, 11:26 AM
أدباء عراقيون: عدوا رحيل القصيبي خسارة كبيرة للثقافة العربية
عبدالجبار العتابي
gmt 14:37:00 2010 الإثنين 16 أغسطس


عبد الجبار العتابي من بغداد: ابدى الوسط الثقافي العراقي حزنه وأسفه وتأثره برحيل الاديب العربي غازي القصيبي لما يتميز به من ابداع ومواقف انسانية وادبية، ولكونه واحد من الادباء الذين كان لهم دور في الحركة الادبية العربية واغنوا المكتبة بنتاجاتهم المميزة، وعلاقة العراقيين به علاقة نسجها الاعجاب الذين ابداه العديد من المثقفين بأدبه ومواقفه، كما لا بد ان اذكر، انه قمر عربي اخر غاب، قمر من اقمار الادباء المبدعين الذين اثارهم كانت تجتذب الناظرين اليها وتزرع في صدورهم حقولا من الاعجاب، ولا بد من ابداء الاعجاب بتلك القصيدة التي نشرت لاول مرة في مجلة الفيصل ومطلعها يقول: (ضرب من العشق لا درب من الحجر / هذا الذي ساق الواحات للجزر)، والتي نالت حينها شهرة وترددت على الالسنة لانها كانت تحاكي منجزا رابطا بين دولتين. هنا استطلعنا اراء عدد من الادباء والمثقفين العراقيين حول الراحل:

قال جابر الجابري وكيل وزارة الثقافة العراقية والشاعر: غازي القصيبي هو الشاعر والاديب والسياسي الذي قطع اطول رواية في حياته يوم امس الاول، اختتم فصلا مهما من فصول روايته التي كتبها في حياته السياسية والادبية والثقافية يوم امس الاول، واعتقد انه من النوادر، من الشخصيات العربية التي جمعت بين النقائض، نقائض السياسة ونقائض الادب والابداع والادارة ايضا، هذه الشخصية الدبلوماسية السياسية الادبية المعرفية، وبالتأكيد ان فقدها شكل خسارة كبيرة للساحة العربية الثقافية والادبية والسياسية ايضا، نحن اليوم احوج ما نكون الى رجالات لا تخلق بطرفة عين، لا تخلق بالازرار ولا بالقرارات الرسمية، يخلقها الزمن الصعب، لذلك نحن اليوم احوج ما نكون الى غازي القصيبي وامثاله، ان يتشكلوا من جديد مع ثقتي ان الساحة العربية ساحة ولود لكنها ساحة مقموعة.

واضاف: ظروف غازي القصيبي لم تصنعها البلاطات ولا انتماؤه الى القصور الرئاسية او الملكية، صنعها الادب والفن والشجاعة والارادة التي كان يمتلكها هذا الرجل، اعتقد انه شكل خسارة كبيرة لنا جميعا وما تركه لنا من ارث ثقافي وابداعي ودبلوماسي وسياسي اظن انه ينضم الى موسوعة الثقافة العربية والادبية وسيبقى حيا في هذه الموسوعة والذاكرة العربية.

واضاف: غازي القصيبي سبق لي ان قابلته ووجدت زميلا جيدا وجميلا جدا، رحمه الله.

وقال فاضل ثامر رئيس الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق: القاص والروائي غازي القصيبي واحد من المبدعين العرب الذين اغنوا المكتبة العربية بالعديد من التجارب الروائية.

واضاف: انا اعجبت بروايته (العصفورية) وهي ذات بنية روائية متفردة حتى ان بعض فصولها تتحول الى مشاهد مسرحية، لذلك يمكن ان نطلق عليها (مسروائية) فيها الكثير من المتعة والخفة والسخرية لان معظم الاحداث تدور حول بروفيسير في مصح عقلي، وفيها حوارات تذكرنا برسالة الغفران لابي العلاء المعري، والرواية جديرة بالقراءة والدراسة لانها تمنحنا الوعي والمتعة والجمال.

واختتم فاضل ثامر كلامه بالقول: خسارة كبيرة لنا جميعا ان نفقد روائيا عربيا منفتحا كقامة غازي القصيبي رحمه الله.

وقال الشاعر ابراهيم الخياط:
غازي القصيبي ليس اديبا فقط انما هو دبلوماسيا عرفناه كما عرفنا ادبه، انه اديب جميل وشاعر جميل وكل المغريات الدنيوية لم يقف امامها ولم ينظر اليها فكان يحمل قيمه ومبادئه شاعرا وروائيا ووزيرا، وهو ما يجعلني اتذكر مقولة تنطبق عليه (يا له من رائع ذلك الذي يأبى ان يقال له كن فيكون)، ومواقفه في نظري هي التي رفعته عاليا، وهذا قلما يحدث عند الشعراء، الذين نرى الكثيرين منهم يقفون على ابواب السلاطين ويبيعون المواقف بثمن بخس، ولكن المسألة عند القصيبي مختلفة باعتباره زاوج ما بين الموقف والشعر، فما قيمة الشعر والادب بدون اخلاق، فما لم تتقبله الناس من انسان لايمكن ان يتقبلوه من شاعر.
لقد كان رحمه الله واحدا من كبار الشعراء الذين امتلكوا المبدئية وحافظوا عليها، وقد فرض نفسه على الساحة الادبية، ولا يكم ان اخفي انه واحد من الشعراء الذين تشعر انهم قريبون منك وتتأثر بهم، كما لا اخفي حزني عندما سمعت بخبر رحيله بعد معاناة مع المرض.


فيما قال الكاتب صباح المندلاوي:
القصيبي.. رجل مبدع ذو شخصية رصينة، يعتبر من الشخصيات المثقفة والتي تمتلك فاعلية في ميدان الثقافة العربية والدبلومسية ما عدا اهتماماته في عالم الصحافة، وهذه الشخصية فعلا لها مكانة ومنزلة جديرة بالتقدير والاعتزاز في الوسطين الثقافي والادبي لاسيما انه رجل مبدع وملامح ابداعه واضحة، شاعر مميز بالتأكيد ولولاه شعره المميز القابل للاستمتاع والتعبير عما في النفس لما كان صيته ذائعا، كما انه روائي مميز استطاع ان يضع اسمه بين كتاب الرواية العرب المميزين، ولا اعتقد ان الوزارة اعطته اكثر مما اعطاها هو، اعتقد ان كرسيه كان عبارة عن زهو الشعر وعنفوان الكلمات، وكانت الاشياء الجميلة ترفرف حوله لانه جميل بالتأكيد.

واضاف: رحيل هذه الشخصية يمثل خسارة للادب العربي وللثقافة العربية وللفكر العربي ايضا، وهذا الرحيل مؤلم ونشعر بخسارة كبيرة، ولا يسعني وانا اسمع خبر رحيله الا ان احزن وادعو له بالرحمة.

جميله
08-18-2010, 11:27 AM
أدباء مصريون: كان كله موقفا أصيلا
محمد الحمامصي
gmt 9:14:00 2010 الثلائاء 17 أغسطس


محمد الحمامصي من القاهرة: شكل رحيل الشاعر السعودي غازي القصيبي فاجعة للكثير من المثقفين والكتاب والأدباء العرب، ففضلا عن حضور القصيبي المتميز شاعرا وكاتبا وروائيا، كان له حضوره الثقافي والإنساني، حيث استقبلته العواصم العربية في محافلها وأمسياتها وندواتها الأمر الذي جعله قريبا حتى في ظل مسئولياته سواء عندما كان وزيرا أو دبلوماسيا.

القصيدة والإنسان
يقول الشاعر جمال القصاص: لم أحظ بمقابلة الشاعر والأديب العربي د.غازي القصيبي لكنني بحكم عملي في جريدة الشرق الأوسط وعلى مدار سنوات طويلة كنت أستمتع بمقالاته التي كان يكتبها بين الحين والآخر، لقد كان رحمه الله صاحب معدن أصيل، كان له موقف وطني ناصع وهو أن العرب أصحاب حضارة ويملكون المقدرة على المشاركة بقوة في صناعة مستقبل العالم، وأنهم يرفضون دور التابع والخانع لسياسات الغرب التي يمليها وفقا لشروطه ومصالحه السياسية والاقتصادية.
تحمل القصيبي تبعات هذا الموقف المشرف بشرف وأمانة ولم يكترث لما قد ينجم عنه من مواقف قد تكد حياته، وبالفعل تجسد هذا الكدر في عملية إقصائه المباغتة من قيادة سفارة المملكة العربية السعودية في لندن، وبعد سنوات طويلة من العمل في السلك الدبلوماسي استطاع خلالها أن يبلور موقفا صلبا للدبلوماسية العربية في الغرب يساند ويدافع عنها، ويكشف زيف التواطؤات والمؤامرات التي تحاك ضدها.
موقف كل هذا لا ينفصل عن موقف القصيبي الشاعر والأديب، فلقد كان الهم العربي وقضايا الإنسان العربي أحد الشواغل الأساسية في شعره، حتى أنه كان يوحد في الكثير من قصائده بين مأزق الإنسان العربي ومأزق القصيدة نفسها، حيث تقنية الكتابة وشكل اللغة والدلالات والرموز، فالإنسان في شعره هو القصيدة وهو ما وراءها من أفكار ورؤى.
لقد امتازت قصيدة القصيبي بطاقة هائلة على الحلم والحب تجسد في لغة شفيفة وعذبة وقدرة طازجة على إثارة الخيال والأسئلة، وبهذه الروح الشعرية خاض مغامرة الكتابة الروائية، فمس في روايته "شقة الحرية" عصب الحداثة، بالمزج بين إيقاع السيرة الذاتية ومكاشفة الروح في مرآة زمن حي دوار، يجمع الماضي والحاضر في نسق سردي خصب، له رائحة خاصة حميمة، قادرة على أن تنقلك من دور القارئ المحايد إلى دور الصديق والعاشق، وكأنك أحد أبطال هذه الشقة بالفعل، أو كأنك تحلم بذلك.
رحم الله غازي القصيبي وأظن أن عطاءه الخصب سواء في الشعر أو في الأدب سيظل علامة لافتة وإضافة حقيقية في ذاكرة الثقافة العربية.


واضح الحجة
وقد نعت الشاعر والكاتب الكبير الدوائر الثقافية في مصر وفي مقدمتها مكتبة الإسكندرية، حيث نعى مديرها د.إسماعيل سراج الدين الفقيد في بيان جاء فيه "رحل عن دنيانا، إلا أنه لم ولن يرحل عن ذاكرتنا، إنه الأكاديمي والشاعر والأديب والدبلوماسي والوزير والإنسان غازي القصيبي الذي ننعى وفاته ببالغ الحزن والأسى، عرفته قويّ الشكيمة، طويل الباع، لا يحيد عن هدفه، واضح الحجة، منطقي التفكير، مر الرجل على مدار حياته بالكثير من التجارب الحياتية التي لم تزده إلا شجاعة وثبات؛ إذ أحدثت معظم مؤلفاته الأدبية ضجة كبرى حال طبعها، ومُنع كثير منها من التداول في بلده، وهاجمه ضيقوا التفكير والمتسلطين الذين نصبوا أنفسهم قضاة على الفكر والإبداع. تميز الراحل في كافة المواقع التي تولاها تعاونا سويا حينما كان وزيرا للصناعة من خلال عملي في البنك الدولي فكانت ثمرة هذا التعاون العديد من المشروعات التنموية ، كما أنه ذو شخصية متعددة المواهب؛ وهو ما يظهر جليا في تنوع المواقع التي شغلها.كانت بيننا منافسة علي منصب مدير اليونسكو بالرغم من كونها معركة انتخابية إلا أنها لم تمس صداقتنا الوطيدة بل تقابلنا بعدها في لندن في جلسة مطولة كانت صريحة إلي أبعد حد أكدت هذه الجلسة مدي ما يجمعنا سويا من الحرص علي الثقافة المعاصرة الحيوية التي تعطي للعرب الكثير، إنني إذ أنعي هذا الرجل المستنير، أؤكد أن إرثه سيظل باقيا في وجدان وعقل هذه الأمة".


جيل تشكل وعيه عليه
ويؤكد الشاعر السعودي محمد خضر أن رحيل القصيبي يعد خسارة فادحة، ويقول: من زمن وفي وجداننا الإبداعي والإنساني كان صوته من خلال أعماله الأدبية وحضوره ومواقفه الشجاعة مؤثرا، ولعل جيل كامل تشكل وعيه بقراءة القصيبي المبدع والدبلوماسي والمثال على النجاح والوعي المغاير في زمن مبكر.
القصيبي المبدع والشاعر الكبير الإشكالي والمثقف المختلف.. أذكر أنه في أحد حواراته كان يقول إذا تذكرني التاريخ يوما فإنه حتما سينسى كل شيء ويتذكرني شاعرا، ومع كل هذا لا ننسى وعيه المبكر بالحداثة في حياته وأفكاره ورؤاه ومؤلفاته في الإدارة والتنمية.
رحيل القصيبي حقا يكاد لا يصدق فهو الشاعر والمبدع الكبير الذي نشأنا ونحن نعرفه ونقرأه له ونختلف معه ونتفق معه.. وكأنما هو جزء من وجداننا وتكويننا الثقافي بل لا يكاد أن نلتقي بأحد من الناس بكافة شرائحهم هنا لا يعرف غازي القصيبي.


ريادة في الدبلوماسية والأدب معا
وعدّ الشاعر الإماراتي خالد الظنحاني القصيبي رمزا فجع الشعر والأدب برحيله، وأضاف: ليس من السهولة بمكان أن تمر فاجعة رحيل د.غازي القصيبي دونما بكاء للقلب والعين معا، فهو من رموز الأدب العربي، ورجل من الطراز الأول في فعل الإبداع وقول الحقيقة ،هذه الأخيرة التي غابت عن المثقف العربي في زمن تمجد فيه المجاملات على حساب الحق،،هذا الرمز، شاعر من أهم الشعراء الذين عملوا بحب وتفانٍ،،هذا الرمز كاتب وروائي أسهم إسهاماً فاعلاً في خدمة الشعر والأدب والثقافة عموما من خلاله أعماله ومبادراته الأدبية التي لا ينكرها أحد، لقد كان رحمه الله متعاوناً ومتفاعلاً مع هموم المجتمع المحلي والعربي وقضايا الأمتين العربية والإسلامية كقضية فلسطين وغيرها، وقد تميزت إبداعاته بروعة العبارة، وبأسلوب متناغم مرهف وخلاق.
نعم نحن اليوم نودع رائدا من رواد الدبلوماسية والأدب معا، ونشعر بالخسارة التي حلت بالمشهد الثقافي العربي برحيله المفاجئ،وسنعمل جاهدين على إقامة العديد من الفعاليات الأدبية في دولة الإمارات، احتفاءً بإبداعاته المميزة وتخليدا لذكراه المجيدة.


في ساحة الإبداع
الكاتب مصطفى عبد الله "مساعد مدير تحرير جريدة الأخبار" ربما كان د.غازى القصيبى من ألمع المبدعين السعوديين في زماننا بما امتلكه من موهبة في العديد من مجالات الإبداع الأدبي ورؤية مستنيرة مما أكسبه هذه الشعبية والشهرة في مختلف أرجاء العالم العربي على المستوى الإبداعي والأكاديمي أيضاً، وقد عكست أعماله الأدبية بدءاً من "شقة الحرية" تجاربه فى المراحل العمرية المختلفة: طالباً مغترباً ودبلوماسياً ووزيراً حمل أكثر من حقيبة كلها كانت بعيدة عن الثقافة والإبداع، وقد كان ناجحاً فى حياته العملية بنفس القدر الذي شهدناه في ساحة الإبداع وكم أسعدنى قرار صديقي الشاعر د.عبد العزيز خوجة، وزير الثقافة السعودي، بإتاحة مؤلفات القصيبي للقارئ في داخل المملكة، وأتصور أن إبداع القصيبي يصلح لأن يكون مادة للعديد من الرسائل الجامعية في جامعات مصر وغيرها من البلدان العربية، وربما الأجنبية أيضاً.

المثقف صاحب الموقف
الكاتب الروائي السيد نجم : أحيانا يقع المثقف العربي فى حيرة من أمره، أمام بعض الشخصيات أو المواقف أو حتى الأخبار، منها ما شعرت به فور قراءة خبر المثقف (عرفته هكذا) السعودي "غازي القصيبى!
فقد التبستنى قناعة أن الرجل من المثقفين العرب الجديرين بالمتابعة، وذلك منذ سنوات طويلة، يوم أن وقعت فى يدى مجلة تصدرها السفارة السعودية بلندن، وأظن كان ذلك فى إحدى رحلات السفر بالطائرة، بينما وجدت المجلة ضمن المطبوعات في ظهر المقعد أمامي، وان تصفحتها على أنها مجلة رسمية تصدر عن سفارة، في بادئ الأمر، إلا أنني سرعان ما انتبهت إلى الجهد الحرفي والفكري المتضمن ببعض موادها، ما جعلني انتبه على اسم رئيس التحرير والسفير "غازي القصيبى".
ومنذ ذلك اليوم البعيد أتابع أية أخبار عنه، وأي نشاط فكرى أو إنتاج أدبي، وزاد تطلعي فوري علمي بوفاته، حيث كانت المقالات التي نشرت على الانترنت توجز وتجمل ما أعرفه أكثر كثيرا عما كنت أعرفه من قبل، لذا أعود إلى سؤالي عن سر عدم التواصل أو التقصير بين مثقفي العالم العربي، هل يرجع إلى المثقف أم إلى المؤسسات الإعلامية؟ أم إلى النظم الحاكمة التي لم تعد تولى للثقافة أو المثقفين القدر الواجب من الاهتمام والرعاية والمتابعة.
رحمه الله رحمة واسعة، فقد كان عربي الانتماء، تشغله القيم العليا وقضايا الإنسان، في الحرية والحياة الكريمة.

جميله
08-18-2010, 11:38 AM
مثقفون سعوديون وعرب يواصلون رثاءهم
الثلاثاء, 17 أغسطس 2010
الرجل النزيه

ومات الشاعر والأديب والديبلوماسي والإداري والمفكر والروائي الدكتور غازي القصيبي - رحمه الله - وكان يوم الأحد الخامس من شهر رمضان 1431هـ - يوماً حزيناً على وفاة هذا الرجل فهو يمثل المواطن المخلص الأمين ابن العائلة التي ارتبطت بالأسرة المالكة الكريمة بعلاقة التاريخ والصدق والولاء والحب للملك عبدالعزيز ومنهجه - رحمه الله، ثم لأبنائه من بعده فكان الدكتور غازي نعم الرجل النزيه الأمين المنتج العملي بداية في المجال الأكاديمي بعد عودته من الدراسة في الخارج عميداً لكلية التجارة، ومبتكراً أسلوباً إدارياً في العمل الأكاديمي والعلاقة مع الطلبة، ومروراً في السكة الحديد ثم وزيراً أحدث ثورة في العمل الإداري، إذ واقع الصناعة شاهد على ريادته في الجبيل وينبع وشركة سابك وغيرها ثم الكهرباء والماء والعمل.

وكان بينهما مؤسساً لأعمال إنسانية كجمعية المعوقين وروائياً وشاعراً وكاتباً ومفكراً ومثقفاً ومبدعاً وقائداً ميدانياً أثناء أزمات الوطن، فكانت عين العاصفة وأجل نحن الحجاز ونحن نجد ثم عشرات المؤلفات الممتعة والمفيدة، ومن أهمها حياة في الإدارة الذي يراه كل مواطن مخلص مدرسة في النزاهة والولاء والإخلاص والعطاء.

لقد كان الدكتور غازي - رحمه الله - سابق عصره، ومنجزاته تحتاج إلى كتب لكن الأهم أن هذا العطاء كان بفضل الله ثم بفضل ثقة وتشجيع ولاة الأمر، بداية بالملك خالد - رحمه الله - ثم الملك فهد - رحمه الله - الذي أعان ودعم القصيبي ومنهجه، ثم الملك عبدالله حفظه الله وولي عهده الأمير سلطان والنائب الثاني الأمير نايف، فكان وزيراً ومستشاراً أميناً مخلصاً لدينه ثم مليكه ووطنه رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

سعود المصيبيح

أعطى وطنه ما استطاع

عندما يختطف الموت رجلاً بحجم أبي سهيل، فما عسى أن ينزَّ الجفن أو تنزف العين بله الحرف الكلمة؟ لكنها مشيئة الله فوق كل مشيئة، أن جعل الموت حلية الحياة. لقد أعطى غازي وطنه كل ما استطاع، وخدمه بكل من أسبغ الله عليه من عبقرية ومواهب فذة قل نظيرها، خدمه شاعراً مجليًّا، وقاصًّا مبدعاً، وباحثاً قديراً، وخدمه إداريًّا قديراً. ورحل عنه تاركاً إرثاً مشرقاً سيكتب له الخلود في عالم الحرف ودنيا الكلمة. رحم الله أبا سهيل، وطيب مثواه.

محمد العوامي

صاحب رسالة

كان غازي ظاهرة ثقافية ومدرسة إدارية، وموسوعة علمية، وإذا كنا نختلف حول خلع ألقاب على بعض رجال الثقافة لكننا نتفق على أن أبا سهيل رمز ثقافي خالد.

منحه الله مزايا عظيمة نال بها محبة السعوديين، بل جميع العرب، وكنت كلما استمعت له في ندوة أو تصفحت أحد كتبه، أشعربأنه يخصني بالحديث والفائدة وهو ما أفسره بأنه صاحب رسالة وقيم سامية وصدق غير محدود، ولا شك أنه أبلى بلاء حسنا في خدمة وطنه ونثر على دروبه ورودا وجمالا وسيبقى سيرة عطرة للقراء أبد الدهر.

يوسف الجبر

عابر للزمن

الحياة في مظهرها العام لا ترتبط بحركة الزمن في دوران الليل والنهار بل ما يشكل مظهر الحياة ويحدد طبيعتها وجوهرها هو القدر الذي يمتلكه الإنسان من عمق وأدراك المفاهيم الحياة.

فالحداثة والقدم ليس بعدها الحقيقي ما تنقله أحداث التاريخ بقدر ما يرسمه الإنسان من طبيعة الفهم والقيم والإدراك لتفاصيلها. ويبرز التجديد مرتبطا بالزمن بالقدر الذي يدركه الإنسان من الحاجة لأعمال أدوات جديدة وقراءات مستحدثه لوجوده في الحياة وعلاقته مع كافة مناحيها .

و قد مثل الراحل الأديب الوزير الإصلاحي المجدد غازي القصيبي أنموذجا لحركة الزمن و تطوره في المملكة.
/>
فقد يكون الزمن في مظهره المجدد أشياء أو أدوات و لكن القصيبي- رحمه الله- يعبر بحد ذاته مظهرا من مظاهر التجديد و الحداثة في المملكة فهو الزمن العابر الذي قطعته المملكة من الماضي الساكن إلى الجديد المتجدد.

و الجديد قد يصاب بداء القدم و لكن القصيبي مارس التحديث وانهمك فيه حتى أصبح الزمن المعبر عن التجديد هو القصيبي.

حركة تحديث التي خاضتها المملكة كان للقصيبي فيها لمسة أو إشارة أو صورة . القصيبي الأكاديمي و الوزير و السفير صور ظاهرة و معبرة لما استبطن القصيبي الأديب الإنسان. فالتجديد في رحلته حركة متعاكسة بين البيروقراطي البرجوازي و الأديب الشاعر. انها صفحة زمن طوت لا شخصية غيبها الموت . فرحم الله القصيبي.

احمد محمد اللويمي

انتفاضة روح
08-18-2010, 05:50 PM
الثلاثاء 07 رمضان 1431هـ - 17 أغسطس 2010م

توقف عن القراءة والكتابة وكان يتابع الأخبار على التلفاز
الساعات الأخيرة من حياة القصيبي.. أمانة الملك وحجر الزاوية



الساعات الأخيرة
أمانة الملك
فكرة التيمم




وزير العمل السعودي الراحل غازي القصيبي

دبي - فهد سعود

قضى وزير العمل السعودي الراحل، غازي القصيبي، أيامه الأخيرة على السرير الأبيض، وهو يفكر في "أمانة الملك"، التي حملها على أكتافه منذ عام 2005 في وزارة العمل، التي تنبأ بأن بقاءه فيها لن يطول، وأنه سيختفي عن المسرح، في مقال نشر يوم 7 مارس 2009 في صحيفة الحياة اللندنية.

كما كان حريصاً على مشاهدة برنامج "حجر الزاوية" على mbc للداعية سلمان العودة، الذي تربطه به علاقة صداقة طويلة، كشف عنها العودة في حديثه لقناة العربية البارحة، عندما تحدث عن آخر ذكرياته مع القصيبي حين مرض، والأيام التي سبقت مرضه بفترة قصيرة، حيث بدأ القصيبي مراسلات بينهما بعدد من الأبيات الشعرية، حملت حزنه وألمه من أصدقاء كان يتوقع أن يكونوا أكثر قرباً منه.

وشكل رحيل غازي القصيبي خسارة لجيل من الأدب وعبق من السياسة، ورسالة من الإدارة إلى حيثيات الفكر المعاصر، فهو رجل "تخضرم" في ساحات الساسة، وتتلمذ على يد الدبلوماسية العريقة في رأس مهامه اللندنية، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة بعد حياة حافلة من الإبداع والعطاء.


الساعات الأخيرة


هزاع العاصمي



وعن تلك الليالي والساعات التي سبقت وفاته، يقول مدير مكتبه، ورفيق دربه هزاع العاصمي، إنها كانت أياما صعبة عليه، خصوصاً في اليوم الأخير، الذي لم يزره فيه سوى شخصين، هما وزير التخطيط خالد محمد القصيبي، والذي يعتبر الراحل خاله، فهو ابن الأخت الكبرى للقصيبي، إضافة إلى فهد الشريف محافظ المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة.

ويضيف العاصمي بصوتٍ متهدج لفراق رفيقه لـ"العربية.نت": قبل الوفاة بيوم، اجتمع حوله جميع أفراد أسرته، زوجته، وابنته يارا، وأبناؤه سهيل وفارس ونجاد، وكذلك زملاؤه في السكرتارية الذين رافقوا كل رحلات مرضه منذ 8 أشهر وهما نواف المواش، وبدر الرّيس".

وذكر العاصمي أن الوزير القصيبي انقطع عن القراءة والكتابة خلال الفترة القليلة التي سبقت وفاته، لكنه كان حريصاً على متابعة الأخبار على التلفزيون، إضافة إلى حرصه الشديد على متابعة برنامج "حجر الزاوية" للشيخ سلمان العودة.


أمانة الملك

مؤكداً أن هاجسه كان قبل أربعة أيام من وفاته، إيجاد فرصة عمل لمواطن أو مواطنة سعودية، كان يقول إن الملك استأمنه على المهنة، وأنه يريد أن يفيد وطنه وأبناء وطنه حتى آخر رمق، وكان جُل تفكيره منصب على كيفية إيجاد فرصة عمل لمواطن أو مواطنة سعودية.

وأضاف العاصمي أن الوزير الراحل، تقبل مرضه بقلب صابر ومؤمن ومحتسب عند الله، ومتيقن تمام اليقين أن ما أصابه من الله، وهذا دليل صبره وإيمانه حتى آخر لحظة من حياته.

وأجاد القصيبي، ربان الأدب والفكر، رسم ذاته بريشة عصره، وأحاط آفاق مجده بما استقطبه من ريان تجربته في بلاط الساسة وخميلة الأدب الجميل، الذي ينوء بالأحمال من الورود والقنابل والسياسة والحزن.


فكرة التيمم

وكشف العاصمي جانباً آخر مما كان يقوم به الوزير الراحل، حيث قال إنه عندما كان لا يقوى على الصلاة إلا على سرير المرض كان يتيمم وهو على سريره ويؤدي الصلاة، مؤكداً أن فكرة "التيمم" الموجودة في المستشفيات السعودية هي فكرة الدكتور غازي القصيبي، إبان كان وزيراً للصحة، واكتشفنا أنها طبقت في مشتشفى "مايو كلينك" في أميركا، وهي خاصة للمرضى الذين لا يقوون على الوضوء.

ويصف العاصمي تفاصيل وقوع النبأ على أهل الفقيد، والعاملين في القسم الذي كان يرقد فيه الراحل، فيقول إن زوجته وابنته وأبناءه لم يتمالكوا أنفسهم من الصدمة، وأكثر من ذلك العاملين في القسم الذين تأثروا جداً بالوفاة التي هزت أركان المستشفى التخصصي.

بقي القول أن أجيالاً من النساء والرجال، والأطفال، صدحت دمعاً يوم رحيل هذا العملاق الذي كان ولا يزال يؤثر بنتاجه الغزير على عقول الكثير من المبدعين وبالذات من رواد الأدب وعالم الصحافة.

انتفاضة روح
08-18-2010, 05:52 PM
الأربعاء 08 رمضان 1431هـ - 18 أغسطس 2010م

الديوان الذي باغت القصيبي به نفسه!



مقالات سابقة للكاتب






شوقي بزيغ

لم يسبق لي أن تعرفت إلى الشاعر السعودي الراحل غازي القصيبي معرفة شخصية ولا شاءت الصدف ان ألتقي به ولو مرة واحدة خلال ملتقيات الشعر العربي ومهرجاناته. لكن ذلك لم يكن ليمنعني بأي حال من قراءة الكثير من مجموعاته ومؤلفاته الشعرية والأدبية التي ظلت تحتفظ لنفسها بنكهة مميزة هي أقرب الى الرشاقة والرقة والهم الجمالي منها الى الشعرية المتصلة بالكدح الذهني والمعادلات العقلية والفلسفية. لقد بدا الشعر في معظم أعمال القصيبي محاولة دائبة لجعل الحياة أكثر خفة وقابلية لأن تعاش في عالم القسوة والفظاظة وخراب القيم. وهو قد توسل لتحقيق ذلك لغة شفافة وآهلة بالإيقاعات والقوافي المتناغمة مع حاجة الشاعر الى الفرح والاستكانة ومعابثة العالم. وكانت لغته اللينة وتلويناته الصورية والصوتية تقربه الى حد بعيد من مناخات الكتابة «الشامية» التي تجمع بين طراوة نزار قباني وحسينة الكرنفالية الشهوانية من جهة وبين المدرسة الجمالية اللبنانية التي تحتفي باللغة المصقولة وأناقة التعبير وتوشيته من جهة أخرى.



تقع تجربة غازي القصيبي، بشقيها الخليلي والتفعيلي، في خانة ما يمكن تسميته بالكلاسيكية الجديدة. لذلك ظلت علاقته بشعراء الحداثة ملتبسة ومحكومة بالتوجس المتبادل. ومع ذلك، فإن قلة من الشعراء والمتابعين قد انتبهوا الى النقلة المفاجئة وغير المتوقعة التي حققها الشاعر من خلال مجموعته الاستثنائية «سحيم» التي أطلقت شاعريته، المحافظة نسبياً، من عقالها ووضعتها في قلب الحداثة الشعرية العربية. فنحن هنا امام عمل شعري شديد التكامل والتنوع والتناغم بين عناصره. ذلك ان الشاعر استطاع من جهة ان يطلق قصة سحيم، عبد بني الحسحاس، الذي عُرف بفحولته وجاذبيته النسائية وسطوته على النساء البيضاوات، من إطارها الزمني الظرفي الى فضاء المطلق ورحابته. انها المعادل الآخر لقصة عنتر العبسي سوى ان سحيم لم يقسم فحولته بين النساء والسيوف ولم يتعرف إلى لمعان ثغورهن بل من خلال المغامرات العاطفية المشبوبة التي جعلته لا يرتضي بامرأة واحدة. انه مزيج من عنترة وعمر بن ابي ربيعة، من الانتقام للسواد المهان عند الأول ومن الوصف الحسي وتلمس السعادة عبر الجسد الأنثوي المتكرر الظلال عند الثاني.

غير ان بيت القصيد في هذه المجموعة ليست القصة او الفكرة وحدها بل ذلك الانسياب الشعري الذي يتدافع كالنهر من أول الحكاية حتى آخرها ومن مقطع الى مقطع. ثمة تداخل في الأصوات والأزمنة والضمائر بقدر ما تتداخل الرؤى والأطياف والمشاعر المتناقضة والملتبسة، وبقدر ما تتداخل ايضاً ابيات سحيم بسطور القصيبي ووجدانه بوجدانه والأنا الأولى بالأنا الثانية في عملية تماهٍ نادرة. في هذه المجموعة تتحد الأضداد وتتصارع الخيارات فوق سطح واحد: الخير والشر، الجسد والروح، الذكورة والأنوثة والحرية والاستعباد:

«أنا عبد وحرُّ/ سميّة كانت مليكة كل النساء/ وكنت أنا العبد، كنت/ مليك جميع الرجال/ وحين اعتنقنا تصادم ليلٌ وفجرُ/ وفي الانفجار تحوّلت الأرض عرساً/ وجاء الشهود».

وكما الرؤية والمعنى كذلك اللغة والأسلوب والجسد البلاغي للنص. فالشاعر الذي يسلم القياد للتداعي العفوي في السرد واللفظ والتقفية يعمد أحياناً الى استخدام مهاراته البلاغية من خلال الطباق والجناس والإحالة والتناظر. لكن ذلك يأتي بلا كلفة ولا افتعال لا بل انه يصب في خدمة المعنى وتطوير الدلالة، كما هو في المقطع التالي الذي يلعب فيه الشاعر، عبر قناعه التاريخي، على اسم «سمية» واشتقاقاته الكثيرة والمؤثرة بما يخدم المعنى والقصد من ناحية ويخلق من خلال تكرار الحروف الصوتية مناخاً موسيقياً بالغ الجمال من جهة أخرى:

وأهمية مثل هذه النصوص انها لا تنجح في الإفلات من الآثار الجانبية السلبية للمحسنات البديعية والتزيين البلاغي والمهارات اللفظية فحسب بل انها تنجح في تطويع الشكل وترشيقه. بما يتلاءم مع طبيعة الموقف المعبَّر عنه والمعنى المراد إيصاله الى القارئ. كما ان تكرار حرف السين، وهو حرف صوتي بامتياز، يحول الشعر هنا الى نوع من الزقزقة التي تشبه زقزقة العصافير، والتي تتوافق أتم التوافق مع حالة العشق والوله التي يعبر عنها القصيبي بلسان بطله الذي يعرف كيف يتلاعب عن طريق اللغة بمشاعر النساء وعواطفهن. فالقصيبي يعرف بحسه الذكوري وخبرته العاطفية وحساسيته الشعرية المفرطة ان اللغة هي إحدى المفاتيح الأكثر نجاعة وفاعلية لولوج قلب المرأة والاستحواذ على إعجابها ولأنه يتقاسم مع سحيم افتتانه بالنساء وباللغة على حد سواء فهو يحول بطله «الاستشهادي» الى قناع له ويحمله بالتالي كل ما يختزنه في داخله من لواعج وشجون إزاء النساء اللواتي أحبهن واللواتي يتحولن الى ظلال متعددة لروح الانوثة الابدية التي تجرنا وراءها، كما يقول الشاعر الألماني غوته. وليس من الغرابة تبعاً لذلك أن تتعدد أسماء الحبيبات المقصودات بالخطاب بين سمية وأسماء وعميرة ومي وهند وبثينة وغيرهن فيما يحافظ الخطاب الشعري على وتيرته الساخنة والقلب على توتره وخفقانه. وحين يخطئ سحيم من دون قصد في تسمية احدى عشيقاته التي تسارع الى لومه ومعاتبته يقول لها: «أنا، هند، عبد الجميلات/أصبو لكل الجميلات/ لكن بعض الجميلات يعبرن مثل السحابة/ بعض الجميلات يرسخن في الروح كالنخل...».

ثمة في ديوان «سحيم» ما يظهر معرفة الشاعر العميقة بعلم النفس وبالكثير من وجوه التحليل النفسي لشخصية سحيم كما للشخصيات الأخرى. فسحيم لا يجد ما يرد به على استعباده من قبل بني الحسحاس كما على سواد لونه سوى شعوره العارم بفحولة طاغية لا يمتلكها أسياده المترهلون من الترف، لذلك فإن اندفاعه الشهواني الأهوج يجيء انتقاماً من هؤلاء الاسياد المستبدين من جهة وهجوماً على الحياة الجائرة التي حرمته من حقوقه الانسانية المختلفة من جهة أخرى. كأن سحيماً هنا يواجه سلطة المجتمع الاستبدادي والعنصري عبر سلطتين اثنتين توفرتا له في آن هما سلطة اللغة والجسد الفتي، وكلاهما معاً ضرب من ضروب الفحولة.

أما الوجه الآخر للتحليل النفسي فيظهر من خلال افتتان نساء بني الحسحاس بعبد قبيلتهن الأسود متجاوزات عقدة التفوق الاجتماعي وعقدة اللون والوسامة والشكل. فالنساء اللواتي افتتن بسحيم لم يفعلن ذلك بسبب وسامته النادرة، كما الحال بالنسبة لزليخة ويوسف النبي، بل لسبب معاكس تماماً ومتصل بجمال القبح، إذا جاز التعبير، حيث ينجح هذا الأخير في استثارة الغرائز الفطرية والشهوات غير المروضة. وهذه الظاهرة يتكرر التعبير عنها في الآداب العالمية المختلفة حيث يتكفل كل من الشهوة والحب في ازالة الفوارق بين الطبقات والأعراق والأعمار. اضافة الى مسالة أخرى تتعلق بما يمكن أن نسميه «حسن الغريب». فالعادة عدوة الجمال، كما يقول بعض المفكرين، لأنها تفسده بالتكرار والرتابة الباعثين على الضجر، في حين أن الغريب والوافد يحتفظ بسحره الخاص الناجم عن الغموض والمباغتة والفضول. وهو ما نرى نظائره في «ألف ليلة وليلة» حيث النساء، كما المدن، يسلسن قيادهن وزمام أمورهن للغريب الوافد.

ثمة بعد قدري في شخصية سحيم، كما يرسمها بنجاح غازي القصيبي، حيث يبدو البطل مشدوداً الى مصيره المأسوي من دون إبطاء وحيث تقوم علاقة ثنائية جدلية بين الحب والموت وبين الشهوة والألم، وهو ما يظهر في غير موقع من الديوان. فحين تطلب أم سحيم من ابنها أن يعلن ندمه وتوبته يرفض الأمر لأنه يرفض أن يخون معنى حياته الموزع بالتساوي بين الشعر والغيد، وفق تعبير الشاعر. وإذ تبدي أم الشاعر خوفها عليه من الاغتيال والقتل يتساءل مندهشاً: «أموت؟ متى خفت من ضمة الموت؟!»، بما يجعل شخصية البطل تراجيدية بامتياز وقريبة من التراجيديا الإغريقية أو الشكسبيرية. لكنه في أي حال ليس وحيداً على جلجلة الحب القاتلة تلك بل ثمة كثيرون في صحراء العرب شاركوه ذلك المصير الفاجع بدءاً من العذريين الذين قادهم الحب الى الجنون والعزلة والهلاك ووصولاً الى وضاح اليمن الذي دفنه الوليد بن عبدالملك حياً في أقبية قصره بعد أن استشعر خيانته له.

يبقى القول أخيراً بأن غازي القصيبي في ديوانه «سحيم» قد ترك لنا ولقرائه جميعاً أحد أجمل دواوين الشعر العربي المعاصر. لكن هذا الديوان لم يكن مأثرة الشاعر فحسب بل كان مأزقه وتحديه ورهانه الأهم على مواجهة الموت.

*نقلا عن "الحياة" اللندنية.

انتفاضة روح
08-18-2010, 05:53 PM
الأربعاء 08 رمضان 1431هـ - 18 أغسطس 2010م

حكاية حب



مقالات سابقة للكاتب






مرام عبد الرحمن مكاوي

استيقظت يوم الأحد الفائت على خبر رحيل أديبنا الكبير الدكتور غازي القصيبي، صدمتُ واحتجت بعضَ الوقت لأستوعب الخبر على الرغم من معرفتي بمرضه الأليم. سينعى القصيبي كثيرون.. متشابهون ومختلفون، سينعاه الساسة والوزراء والإداريون والأكاديميون والمفكّرون والأدباء والشعراء والكتّاب، وسيبكيه العروبيون والمناضلون والليبراليون والإسلاميون، وسيدعي كلُّ منهم أنه -في الأصل- واحد من منهم، وحينما ينتهي المزاد سيبتسمون بحزن في سرهم، وسيقولون ها هو ابن النخيل يفعلها من جديد حتى بعد موته! يتركهم مختلفين في آرائهم عنه ومتفقين على أنه رجل استثنائي. فقد كان أستاذاً جامعياً وإدارياً ووزيراً وسفيراً، وفي الوقت نفسه كان شاعراً وقاصاً وروائياً وكاتباً ومفكراً، ظل عاشقاً للحرف حتى آخر لحظات حياته، فهاهو في مرضه يكتب قصيدة (الوداع) وروايته (الزهايمر) التي صدرت يوم وفاته.

حين ينشر مقالي سيكون الكثيرون قد كتبوا عنه، وسيواصل آخرون فعل ذلك، وفي كتاباتهم سيعددون مناقبه ويسجلون إنجازاته، وأنا قررت أن أدع ذلك لهم، وسأكتب عن حكايتي أنا معه. أفعل ذلك كنوع من الوفاء والاعتراف بالفضل لأهله. وكم أشعر بمرارة عارمة لأنني أكتب هذه الكلمات بعد رحيله، إنها عادة عربية سيئة ألا نعبر عن عواطفنا بصدق نحو الذي نحبهم إلا بعد رحيلهم، ولا نمجد العظماء الحقيقيين إلا بعد أن تفيض أرواحهم.


سمعت اسمه للمرة الأولى وأنا في المرحلة المتوسطة، حينها صدرت روايته الأولى "شقة الحرية" التي قُوبلت بموجة من الغضب، ومن ثم صدر القرار بمنعها في السعودية. بدأت أتساءل عن هذا الرجل المثير للجدل، فعرفت بأنه سفير السعودية في بريطانيا وهو وزير سابق أيضاً، وأتذكر تماماً أن هذه المعلومة أثارت حيرة الطفلة التي كُنتُها. فإذا كانت كتبه ممنوعة فهذا يعني أن فكره خطير على البلاد، وإذا كان فكره خطيراً عليها فكيف يغدو سفيراً لها؟! والعكس صحيح. وترددت كلمات من عينة "علماني"، ولأنّني لم أكن أفهم بشكل واضح معناها فالحجة لم تقنعني، وأخذت أبحث خلال السنوات اللاحقة عن كتبه وإنتاجه الأدبي، فوجدت شيئاً يسيراً في المكتبات المحلية التهمته التهاماً، فقد أعجبني أسلوبه وراقتني سخريته اللاذعة.

وسيمضي بعض الوقت حتى يدخل الإنترنت البلاد وأكتشف التسوق الشبكي، وحين وقعت على موقع مكتبة (النيل والفرات) كنت كمن وصل إلى مغارة علي بابا! ووسط شكوك من حولي في قدرة الكتاب على الهروب من الرقيب الجمركي، جازفت واشتريت أول كتاب عبر الإنترنت وكان عنوانه: "شقة الحرية"، وحين وصلني سالماً قررت مواصلة اللعبة. بعد ذلك واصلت شراء معظم كتب الدكتور القصيبي- أو بالأصح تهريبها- عبر الإنترنت، مع استثناءات قليلة اشتريتها في جدة أو لندن: العصفورية، ٧، حكاية حب، رجل جاء وذهب، دنسكو، سعادة السفير، سحيم، الجنية، التنمية الأسئلة الكبرى، من هم الشعراء الذين يتبعهم الغاوون؟ ثورة في السنة النبوية، حتى لا تكون فتنة، باي باي لندن، سلمى، وغيرها الكثير. أما كتاب (حياة في الإدارة) فقد وصل هدية إلى والدي فتلقفته، وأعتقد أنني سرقته لاحقاً وأنه يرقد الآن على رف مكتبتي الخاصة. الطريف أنه صار من المعروف أنه كاتبي المفضل، فلم يكن غريباً أن تصلني كتبه كهدايا، فمعي هنا في لندن ديوان (حديقة الغروب ١٤٢٨ - ٢٠٠٧) والذي يحمل إهداء أخي عمّار.

قرأت شقة الحرية الجميلة بمتعة كبيرة مازلت أتذكرها إلى اليوم على الرغم من أنني نسيت أسماء أبطال القصة ووقائعها المختلفة، لكن تلك المتعة لم تكن السبب الذي يجعلني أكن كل هذا الاحترام لشخص كاتبها، وإنما كان السبب هو أنني تعلمت منها درساً مهماً سأظل أنتفع به حتى آخر يوم في حياتي، وهو ألا أؤجر عقلي لأحد كائناً من كان، وألا أحكم على شيء أو شخص بناء على ما يقوله الآخرون، وأن على المرء ألا يخاف من الفكر أبداً مادام محصناً بإيمانه ووعيه وقدرته على إعمال عقله..النعمة الإنسانية الأعظم. قد يبدو هذا الكلام إنشائياً اليوم، ولكنه كان يعني الكثير يومها لجيل ولد ونشأ وتربى في جو أحادي الثقافة، ثم فجأة تدفق عليه الانفتاح من كل حدب وصوب فعاش مرحلة من عدم التوازن والاستقرار. كان توقيت القراءة نفسُه مناسباً جداً، وأنا أخطو خطواتي الأولى في الجامعة، وبالتالي فالدرس الذي منحتني إياه فتح قلبي وعقلي على روائع الأدب والفكر. فقرأت له ولتركي الحمد وأحلام مستغانمي ونجيب محفوظ (أولاد حارتنا) وعبدالرحمن منيف ومحمد شكري ونزار قباني وغيرهم من المغضوب عليهم رقابياً، ووجدت فيما قرأت الكثير من كل شيء.. غثٌ وسمين، أعمالٌ فيها بالفعل تجاوزات لا أؤيدها وأخرى غاية في الروعة.

وتعلمت من سيرته أموراً أخرى، وهي كيف يظل المرء وفياً لمبادئه ولقضايا أمّته رغم تعقيدات السياسة والالتزامات الثقيلة التي تكبل المرء حين يغدو أحد رجالات الدولة وزيراً أو سفيراً، قليلون هم الذين يستطيعون الاحتفاظ بحيادهم ناهيك عن التصريح بحقيقة مشاعرهم. فالقصيبي كان قوميّاً حقيقيّاً وليس أسيراً للشعارات الرنانة، وإنّما محبّاً للعرب متمنياً الخير لهم، وفخوراً بلغته وتاريخه، وظل وفياً لقضية فلسطين مؤمناً بحق الشعب في النضال ضد المحتل، وحين ترجم إيمانه هذا قصيدة في الاستشهادية الشابة (آيات الأخرس) فقد دفع وظيفته كسفير في لندن ثمناً لذلك. وحين صار وزيراً لم يتحول، هو الذي يمقت الفساد، إلى رجل أعمال بين ليلة وضحاها، ولم يستغل منصبه لصالح أولاده ولم يورثهم إياه. تعلمتُ أيضاً كيف يترفع المرء عن المعارك الجانبية مع خصومه الفكريين، بل يتفرغ لعمله وللأشياء التي يحبها، وكما يقول المثل الإنجليزي: دع الأفعال تتحدث عن نفسها.

كنتُ قد بدأت أنسى كم أحببت سيرة هذا الرجل وفكره وحروفه وشعره ونثره ورواياته حتى تركت لي صديقتي العزيزة منال الشريف على صفحتي بالفيسبوك الكلمات التالية: "عزيزتي مرام يجب أن أقول إنك أول من عرفني على هذا القلم المدهش حين زرتك في بيتكم في جدة قبل سنوات..أخذتني لغرفتك وأخرجتِ كتب القصيبي من المكتبة وجلستِ تتحدثين عن كل واحد منها بحب واعتزاز.. حتى عيناك كانتا تلمعان حماسة وأنت تتكلمين.. فاستعرت كتبك وبدأت حكايتي حبي أنا أيضاً معه ومعها".
كانت لي أمنية عزيزة وهي أن ألتقي كاتبي المفضّل شخصيّاً، ولكنه للأسف غادر لندن في اليوم التالي لوصولي إليها لدراسة الماجستير، ثم جمعنا لقاء الملك عبدالله في السفارة في لندن، وكان يجلس أمامي مباشرة لا يفصلنا سوى صف واحد، لكن للأسف -مرة أخرى- لم يتسع المقام لا لسلام ولا لقاء.

كبيراً كنت في حياتك يا أبا يارا.. واليوم صعدت روحك الكبيرة هذه لبارئها..وسيقرأ الناس عنك بعد الآن في الكتب فقط.. وستأتي أجيالٌ تسأل بفضول: أي رجل كان الدكتور غازي القصيبي؟ وسنقول لهم كان أديباً مبدعاً ووزيراً مدهشاً وسفيراً رائعاً.. كان نظيفاً وأبيّاً حتى النهاية.. علمنا الكثير.. سأودعك الآن كما طلبت منا أن نودعك: "وإن مضيتُ فقولي لم يكن بطلاً.. لكنه لم يقبل جبهة العار".

*نقلا عن "الوطن" السعودية

عبدالله الصغير
08-19-2010, 09:12 AM
غازي: ربيع القلوب ومتعة العقول
عكاظ السعودية
gmt 2:18:00 2010 الخميس 19 أغسطس




عبدالله بن بجاد العتيبي


توفي غازي في العاشرة من صباح الأحد، وتمت الصلاة عليه في عصر ذلك اليوم، ولو تم تأخير الجنازة يوما لشهدها المئات من محبيه نخبا وجماهير، من شتى أرجاء المعمورة، فقد عاش غازي وهو يزرع كل يوم صدقا ويحصد صديقا، كل يوم يجتني معجبا ويكتسب محبا.
توفي غازي القصيبي!! هكذا شاءت الأقدار وحكمها لا يرد، وهكذا حكم القضاء وحكمه ماضٍ، وفي الدنيا عبر ولديها مدكر، والسؤال هنا لماذا رثته السعودية كلها، من مليكها وديوانه إلى جميع شرائح المجتمع؟
لقد كان هذا الزخم الرثائي الذي أحسب أن المملكة لم تشهد له مثيلا من قبل أكبر جواب على هذا السؤال، إنها المحبة والإعجاب والامتنان بسيرة رجل خدم بلده وأمته بكل ما استطاع وما أجاد، سياسيا وشاعرا، دبلوماسيا وأديبا، وزيرا وكاتبا، وغيرها من إبداعات غازي التي لا تنتهي.
قال لي أحد أقرب أصدقائه (عثمان العمير ناشر إيلاف) والدموع في عينيه: «لقد كان غازي رجلا ولا كل الرجال، أديبا ولا كل الأدباء، مسؤولا ولا كل المسؤولين، كان شيئا من إلهام وشيئا من إنسانية وشيئا من مسؤول، والرجولة والإلهام والمسؤولية لا تجتمع في شخص إلا عبر قرون وقرون، ولقد كان غازي أحدهم، لقد جمع معاني الرجولة من الوفاء والقوة، ومعاني الإلهام من الأمل والحلم، ومعاني المسؤولية من العزم والحزم».
لقد كان غازي مختلفا ــ كما قلت من قبل ــ فهو تيار لا شخص، وهو أمة لا فرد، وهو ضمير لا كلمات، تملي عليه مسؤوليته قراره، وتفرض عليه ثقافته خياره، وتتلو عليه رجولته موقفه.
قيل عنه في حياته الكثير، وسيقال عنه بعد وفاته أكثر، لأنه عرف المعادلة الصعبة بين أن تكون مسؤولا صارم القرار، وشعبيا تتلمس أوجاع الناس وآلامهم.
في المرة الوحيدة التي لقيت غازي لم يكن حافلا بثنائي على روايته العصفورية، بل كان معنيا بنقدي لروايته شقة الحرية، وكان فرحا كفنان حين رويت له إحدى قصائده التي لم يكن يحفظها «صدى الأطلال»، كادت عيناه تطفران بالدمع ولكنه تداركهما بآهات زافرة، وتأوهات مكنونة.
رحل غازي بعدما حاز أقصاب السبق في كل مجال خاضه، فكان بحق ربيع القلوب ومتعة العقول.

إيه غازي وقد روتك المغازي
كنت من كنت في وجوه الروازي
كنت حلم الشباب إذ شح بالأح
لام دهر تعاورته المخازي
كنت نجدا إذا اشمخرت طموحا
كنت نعم الحجاز دون الحجاز

عبدالله الصغير
08-19-2010, 09:13 AM
في وداعه الأخير
الجزيرة السعودية
gmt 2:12:00 2010 الخميس 19 أغسطس


خالد المالك


تبكيك القوافي، مثلما تبكيك المنابر، فأنت يا غازي الصوت الشجي الذي لا يغيب، المطلوب دائماً وفي كل المناسبات الفاعلة، من إذا غاب عن المشاركة تساءل الناس عنه، وأيقنوا أنهم بدونه لا تستجيب ولا تتجاوب بل تستعصي حالة الانبهار التي عودتهم عليها!

***

هكذا تكون مكانة المبدع، وقيمته في ساحات العطاء كما هو أنت، وبهذا يتكاثر حوله مريدوه ومحبوه، فيكون تأثير هذه الأجواء كبيراً في المبدع الأصيل نحو تقديم المزيد من الأعمال الإبداعية غير المتكررة وغير المسبوق إليها.

***

هل فهم المصدوم بوفاة غازي القصيبي كيف تتحول الأفكار إلى إنجازات حين يوظفها صاحبها توظيفاً حسناً، ويعطيها من دفق إخلاصه وصدقه كل ما تستحقه من وقت وجهد، ويظل هكذا يعمل بدأب على تنميتها وتطويرها ووضع لمسات تقرب الناس منه، وتجسر التواصل بينه وبينهم كما كان يفعل الدكتور القصيبي.

***

وبهذا المنحى - كما أتصور- كان غازي القصيبي يمارس حياته ويستثمر مواهبه، ويبني خطط تفاعله مع المستجدات، وهو على يقين بأنه ككل الناس يعيش في عالم يضج بالمتناقضات وتباين المواقف، بينما لا حيلة للتعايش معها من دون أن تخسر المبادئ التي تؤمن بها إلا لمن كان يتمتع بمهارة مفكر مبدع كغازي القصيبي.

***

هل لنا إذاً أن نستنسخ تجربة القصيبي، إدارياً وثقافياً، بأن يقدم أكثر من مواطن صورة جميلة عن نفسه ووطنه وأمته على النحو الذي كان عليه هذا الرمز الذي نريد أن نسمع شيئاً عن تكريمه والاحتفاء - ولو متأخراً - بإنجازاته، حتى لا تغرق وفاة القصيبي بهذا الزخم من العواطف الصادقة فننسى عندئذ أن عملاً كبيراً يليق باسمه وبإنجازاته يجب أن يتم تحقيقه لتذكير الأجيال بأن مبدعاً سعودياً ولد هنا ومرض هنا ومات هنا، وأن هذا الوطن برموزه ليس من طبعه ولا من شيمه أن ينسى نجومه، لا في الماضي ولا في الحاضر والمستقبل.

***

تحية للدكتور غازي القصيبي، الذي ألّف القلوب في مرضه، وجمع الناس حوله عند وفاته تقديراً لسيرته ومسيرته وسنوات من الإخلاص في عمله، فجعلهم في شهور محنته يتابعون حالته الصحية بألم، ويبكونه ميتاً، ويتذكرون باعتزاز كل أعماله الخلاَّقة التي قدمها هدية للوطن والأمة.

عبدالله الصغير
08-19-2010, 09:16 AM
كيف نجح د.غازي القصيبي؟
الشرق الاوسط اللندنية
gmt 23:14:00 2010 الأربعاء 18 أغسطس


محمد النغيمش

يمكن أن تكون قياديا ناجحا، لكن أن تكون وزيرا وسفيرا وأديبا وروائيا وشاعرا متألقا طوالا حياتك فهذه حالة يندر أن نجد لها مثيلا في منطقتنا. القيادة السعودية اكتشفت بحنكتها المعهودة الراحل الكبير د.غازي القصيبي، فضمته إلى صفوف أول وزارة لها، في السبعينات، واستمر عطاؤه حتى الرمق الأخير، فمات على فراشه وزيرا وقد ملأ الدنيا وشغل الناس.

عندما سُئل د.القصيبي كيف يمكن أن يوفق بين عمله المليء بالواجبات الاجتماعية والرسمية الكثيفة، ونشاطه الفكري والأدبي، قال إنه «يعيش نظاما صارما، فلا يخرج من بيته أو يشارك في المناسبات إلا ليلتين في الأسبوع، ويمضي البقية قراءة وكتابة» وفق ما أخبرنا به زميلنا أ.عبد الرحمن الراشد. لكن ما سر هذا النجاح والتفوق؟

كان د.القصيبي - كغيره من الناجحين الأعلام - يقدس الوقت، ودقيقا في مواعيده، وإلا لم يكن ليحقق كل هذه الإنجازات المتتالية. وكان أيضا لا يخلط بين العمل وحياته الشخصية، ولذا لا يقبل أن يعلن رقم هاتفه للمواطنين، ولا يستقبل شكاواهم في منزله، حيث قال إنه يرفض أن «يتحول البيت إلى مكتب.. ولو فعلت لما وجدت ثانية واحدة للراحة.. ولصار بيتي يموج بحشود تبحث عن معالي الوزير»! لكن - في يوم من الأيام - نجح مجموعة من المراجعين في «اقتحام منزله اقتحاما» فما كان منه إلا أن أحسن استقبالهم - كعادة السعوديين - وقدم لهم الشاي، غير أنه رفض تسلم عرائضهم! يا له من درس في الأخلاق والانضباط. وقد أعلن أكثر من مرة أنه يؤمن «بسياسة الباب المفتوح» لكنه لم يؤمن «بسياسة الباب المخلوع» كما قال! وهذا درس آخر لبعض القياديين العرب المختلطة أولوياتهم بسبب المجاملات الفارغة.

ورغم ذلك الانضباط الصارم، كان يقابل المواطنين «بلا موعد في لقاء مفتوح، يبدأ عقب صلاة الظهر، ويستغرق عادة قرابة الساعة». لاحظوا حتى اللقاء المفتوح محدد بوقت بالنسبة إليه، لكنه مفتوح ومن دون موعد للآخرين، وهي ميزة مهمة قلما تقدمها شخصية وطنية بحجم انشغالاته. وكان «يحدد موعدا منفصلا لكل مواطن يريد مقابلته مهما كان موقعه من السلم الاجتماعي» حسب قوله، شريطة أن يمهل مدير مكتبه يومين لتدبير جدول المواعيد.

أما سر إنجازاته الكثيرة في الوزارات المتعاقبة التي شغلها، فكان يقف وراءه اقتناعه الراسخ بمبدأ التفويض. حيث أصدر قراره الشهير عند توليه الوزارة وكان من جملة واحد «تفوض كل صلاحيات الوزير المالية والإدارية للوكيل» فوجد بعد ذلك متسعا كافيا من الوقت للتفكير والتخطيط، وهي المهمة الأصلية للقياديين، وإلا لتحول إلى مدير غارق في تفاصيل العمل اليومي. وأذكر أنه عندما كان وزيرا للكهرباء سأله صديق كان معه في السيارة «إلى أين يسير هذا السلك الكهربائي الهوائي؟» فقال الوزير «لا أعلم»، فاستغرب السائل، فأبلغه القصيبي أنه لو يعلم هذه التفاصيل لكان مديرا لشركة كهرباء وليس وزيرا للكهرباء!

وكان يتساءل «كيف يستطيع وزير يوقع كل يوم على عشرات القرارات، وربما مئاتها، بالعمل خارج الدوام، أن يقرأ دراسة جدوى اقتصادية من ألف صفحة؟»، وجاء جوابه أن «من يوقعون قرارات كتلك لا يقرأون دراسات كهذه». وربما هذا ما دفعه إلى إطلاق كلمته المشهورة «من ينفق وقته في التوافه لن يجد متسعا من الوقت للعظائم».

ولجأ د.القصيبي إلى حل رائع للتغلب على مشكلة تخوف البعض من التفويض، وهو الاجتماع الصباحي اليومي مع وكلاء الوزارة حتى صاروا يدركون توجهات الوزير فلا يصدرون قرارات لا تتماشى مع هذه التوجهات. وكان يضع أمامه ما يسميه «ملف القراءة» وفيه كل قرار صادر من أي وكيل أو مدير في الوزارة، حتى يضمن حسن سير العمل.

وقد اعترف ذات مرة لصحيفة «الشرق الأوسط» بشجاعة بأن نجاحه الأول كان في صراع مع النفس، حيث قال إن «نجاحي الأول - والوحيد - أنني استطعت عبر جهود مضنية استغرقت عقودا من الزمن أن أتغلب، إلى حد ما، على ما في داخلي من مخزون الخجل وعقد الانطواء وضعف الثقة بالنفس والخوف من الجموع وعشق العزلة». إذن هو يقر بأنه شخص طبيعي مثلنا يعاني من مشكلات داخلية، لكنه «حاول» التغلب عليها ولم يجلس يندب حظه، كما يفعل البعض فتفوته فرص عظيمة في حياته كان يمكن أن تفتح له أبواب النجاح والتألق.

ورغم شدة انشغاله، فإنه نجح في وضع أهداف صغيرة لكنها ذات تأثير واضح على مسيرة عمله. ومنها قراءة ملخصات كل ما يكتب عن وزارته ويكلف المعنيين بالرد عليها، وأحيانا يقوم بذلك بنفسه وبخط يده ليكسب ود الصحافي الذي يعادي مؤسسته. كما أنه أخذ على نفسه عهدا بأن يفتتح «أي مصنع يدعى إلى افتتاحه، كبيرا كان أو صغيرا، في أي منطقة قريبة كانت أو نائية». ووضع هدفا آخرا يفعله مرة كل شهر وهو مرافقة فرق صيانة الكهرباء لمختلف الأحياء للوقوف على سير عملهم، وهذه الطريقة التفقدية رائعة حيث إنها تجعل المديرين ومرؤوسيهم على أهبة الاستعداد لزيارة مباغتة للوزير في أي لحظة.

في إحدى المرات التي انقطع فيها التيار الكهربائي قرر التوجه إلى مقر الشركة ليشارك موظفي السنترال تلقي الشكاوى الهاتفية! وذات ليلة اتصل مواطن غاضب وقال وهو يصرخ «قل لوزيركم الشاعر إنه لو ترك شعره واهتم بعمله لما انطفأت الرياض كلها»، فقال له الوزير ببساطة «شكرا! وصلت الرسالة»، فقال المتصل مستغربا «ماذا تعني؟»، فرد عليه القصيبي «أنا الوزير»، فقال: «احلف بالله!» ففعل. وبعد لحظة صمت هوى المتصل بالسماعة!

هكذا كان الوزير الإنسان غازي القصيبي محبا لعمله، نزيها ومخلصا له ولوطنه ولمواطنيه الذين أحبوه، كما أحببناه نحن الخليجيين، حيث نرى فيه القيادي الفذ الذي جمع المجد من أطرافه بجده واجتهاده. رحمك الله يا أبا سهيل.

همسة للموظفين والقياديين: اقرأوا كتابه «حياة في الإدارة» فهو من أجمل الكتب العربية الحديثة، و«أكثر كتبه مبيعا» حسب قوله.

عبدالله الصغير
08-19-2010, 09:18 AM
مثقفون أكدوا التأثر والتأثير في فكر الأديب السعودي الراحل
نخب عربيّة: القصيبي إصلاحي واجه تحديات العصر
عدنان أبو زيد
gmt 18:30:00 2010 الأربعاء 18 أغسطس


عدنان أبو زيد من امستردام: ما زال الوسط الثقافي والصحافي العربي مسترسلا في حزنه وأسفه وتأثره برحيل الأديب والكاتب غازي القصيبي ، ليتعدى تأثير رحيله النطاق السعودي الى العربي وحتى العالمي .

وما يميز ذلك التأثر ، ليس ما كتبه القصيبي فحسب بل تلك العلاقات والمواقف الإنسانية والثقافية التي نسجها مع النخب العربية ثقافية كانت أو سياسية ، فهذا جميل الذيابي وهو كاتب سعودي يهيب بمواقف الكاتب الراحل في مواجهة تحديات أصحاب "الحسابات" والأصوات "النشاز" بكل قدرة وشجاعة ، ومن وجهة نظر الإعلامي والكاتب العراقي أحمد المهنا فإن القصيبي كان احدى اكبر الاستجابات السعودية والخليجية لتحدي الكلام. بينما عد عبدالله إبراهيم مسيرة القصيبي توغّلا جريئا في منطقة الجنون . وتشير بصيرة الداود الى أن القصيبي سيبقى خالدا في ذاكرة تاريخ الأدب السعودي المعاصر. كما دعت حليمة مظفر الى الاستفادة من تجارب هذا الرجل الذي كان مجموعة رجال في اسم واحد .

وعد الكاتب اللبناني خير الله خير الله القصيبي في طليعة الإصلاحيين . ويشير الكاتب المصري عبدالعظيم محمود حنفي الى ان الراحل اراد خدمة بلده عبر الخدمة العامة اي وضع ما ينفع الناس على الأرض الى جانب ما يضعه ويخطه ويبدعه في العقول. في هذا الاستطلاع الخاص اقتراب من بعض ما زرعه القصيبي في النفس الثقافية العربية عبر نصوص كتبت خصيصا لإيلاف.

جميل الذيابي : تحديات أصحاب الحسابات والأصوات النشاز
غازي القصيبي عَبر بفكره إلى محبيه وقرائه، بطرق غير مفروشة بالورد، بعد أن واجه تحديات أصحاب "الحسابات" والأصوات "النشاز" بكل قدرة وشجاعة في أوقات ومراحل صعبة، إذ وقف وحيداً ينشد التغيير والتعبير، يرنو إلى بناء إنسان متسامح مفعم بالحب ومهموم بإشغال العقل لخدمة الإنسان.
عندما كانت تسن الأسئلة أمامه تأتي إجاباته "غازية" مقرونة بالأدلة والأسئلة وعمق التفكير، ما جعله يصل إلى الجميع دون الحاجة إلى تسهيلات أو مساعدات، وقرار رفع الحظر عن مؤلفاته رغم انه تأخر كثيراً إلا انه دليل على قرب بزوغ الفجر الذي كان ينشده.
سعد بن عبد القادر القويعي : الاستثناء
تعددت مواهب " غازي " , وعطاءاته . فهو المثقف ، والمثير للجدل في الحياة الإدارية والاجتماعية والسياسية. وهو " الاستثناء " من أي ذاكرة، وهو الممتد زمانا ومكانا - منذ - توليه حقائب وزارية متعددة، إضافة إلى عمله كسفير لأكثر من خمس عشرة سنة .

بدر بن سعود: التواضع
كان الدكتور غازي القصيبي راقيا في اختلافه ومثاليا في تواضعه واخلاقه وقرآنيا في إسلامه، وكان حكوميا وناقدا للعمل الحكومي، كان شعبيا ورسميا، رومانسيا وبراغماتيا، و هو واحد من أهم رموز التغيير الحقيقي في العالم العربي...
احمد المهنا : وعد العصر
السعودية ليست دولة كلام . واذا ما خرج مواطن في تلك الدولة من مملكة الصمت الى جمهورية الكلام، فغالبا ما يكون معدودا على المنشقين. كان ذلك تاريخا وانتهى على يد كوكبة من المثقفين السعوديين امثال غازي القصيبي. وقد سمي زمن عربي ما ب" الحقبة السعودية". كانت تلك الحقبة، التي تشير الى نمو حجم المملكة السياسي والاقتصادي، تسير دون قوة دفع ثقافية. مع القصيبي ومبدعين ومجتهدين من امثاله نشأ في المملكة" ذراع ثقافي حديث". وهؤلاء الذين يتبوأ القصيبي مركز الطليعة بينهم هم وعد التحاق " مملكة التاريخ" بالعصر. كانت كثرة من الناس تتطلع الى بضاعة اخرى غير الصمت. وكان القصيبي احدى اكبر الاستجابات السعودية والخليجية لتحدي الكلام. الكلام الذي هو رحم جميع ما يتكون منه عالم الحرية.
عبدالمنعم الاعسم : معايير خاصة
لا يمكن إخضاع مشوار القصيبي الى معايير تستند الى علم النقد الاكاديمي، فهو صنع بنفسه معاييره الخاصة التي عبَرت بنفسها من تحت اسلاك الرطانات المحافظة الشائكة، وافلتت ببراعة من عيون الانكشارية ، وضمنت حمايات لفراخها التي سرعان ما طارت عن اعشاشها. معايير القصيبي قامت فوق بديهية بسيطة، قل كلمتك وامش، او، اعرفُ انكم قد لا تستمعون اليّ الآن، لكنكم ستستيقظون على صوتي يوما.

عبدالله إبراهيم : التوغّل الجريء في منطقة الجنون
في غياب صاحب "العصفورية": في كثير من الآداب السردية يتحدّث رواة عاقلون، ولم يأخذ أي روائي في الحسبان أنه مقروء من مجانين، أو مخرّفين، أو معتوهين.
.... شُغل غازي القصيبي بهذا الموضوع، فتلبّسه، وتمكّن منه، فكيف يقول قولته دونما شبهة، ويبدي رأيه دونما تعريض مقصود؟ اختلق شخصية اتفق العموم والخصوص على أنها رمز العقل، والدراية، ومنحها شهادات علمية، وخبرات كبيرة، وأطلق عليها تسمية "البروفسور".

عبدالله الفلاح : المبدع يبقى
الآن يرحل القصيبي بعد رفع الحظر عن كتبه.. لمَ لم يأت هذا القرار قبل سنوات ، لم الآن ، ولكن العزاء في أن المبدع يبقى ، والقصيبي كذلك .. هو الإنسان الذي كان يحلم بوجود عرب للمستقبل لا عرباً للهاوية .


فاطمة الصايغ: انعكاس حقيقي لتاريخ وثقافة الأحساء
كان رحمه الله نتاج منطقة الأحساء المختلطة بكافة الأعراق والمذاهب وبالتالي فهو انعكاس حقيقي لتاريخ وثقافة الأحساء
لقد تألمت شخصيا لخبر المنع فما اقسى على الكاتب ألا يرى نتاج عمله متداولا ومباحا بكل ما يحمل من فكر شجاع وقدرة على مواجهة الواقع المر، أن أمثال غازي كثيرون اليوم وهم يعيشون بيننا ويحملون هموم غازي، هذه هي بلادنا العربية وتعاملها مع المثقفين الحقيقيين

بصيرة الداود : في الذاكرة
هي كلمة "إلى جنات الخلد يا أبا سهيل" وستبقى كلمات شعره وأحداث رواياته خالدة في ذاكرة تاريخ الأدب السعودي المعاصر

ابراهيم عباس نــَتـــّو: ذكريات مشتركة
سعدت بمعرفته منذ العام 1973 في الرياض حين كنا اطفالا كل منا في مدارس الرياض الأهلية؛ ثم دام تواصلنا، على الأقل اسبوعياً، في ديوانيته في السفارة السعودية بعيد تعيينه سفيراً هناك بعد ربيع العام 1984، و استمرت ديوانيته طيلة فترة عمله سفيراً في دولة البحرين لسبع سنوات سمان..قبل ان ينتقل سفيراً في لندن لمدة عقد من الزمان؛ و كانت الفترتان جزءاً من سيرورة حياته الزاخرة في الدبلوماسية و الادارة ..خدمة لوطنه في الداخل و الخارج.
حليمة مظفر: صادق في إخلاصه الإنساني
الرجل الذي لن يتكرر مرتين وخسارته لا تعوض؛ فلم يعرف في حياته سوى العلم والعمل والأدب والفكر، وقد رحل إلى بارئه تاركا إرثا ثمينا للمجتمع العربي والسعودي بشكل خاص؛ ولا أظننا هنا نستطيع الوفاء بحق هذا المثقف الذي استطاع أن يستوعب الثقافة فكرا وسلوكا ومبدأ لتتجسد في إنجازات أدبية ووطنية أخلص لها بحق؛ ويكفي القصيبي أنه كان صادقا في إخلاصه الإنساني المترجم في إبداعه الأدبي وعمله الوزاري والدبلوماسي، ويكفيه أنه كان صادقا في طموحاته الوطنية التي لا توازيها سوى طموحات المخلصين أمثاله من القلة النادرة بيننا ممن اعتلوا المناصب.
خيرالله خيرالله: في طليعة الاصلاحيين
كان الدكتور غازي القصيبي رجلا من هذا العالم. كان ينتمي الى كل ما هو حضاري في هذا العالم. لذلك كان يُنظر اليه عندما كان سفيرا في لندن بصفة كزنه سفيرا مختلفا بمعنى انه لم يكن من نوع السفراء المتزمتين الذين كانوا يعطون صورة سيئة عن بلدهم.
يستطيع غازي القصيبي الرحيل الى العالم الآخر مطمئنا نظرا الى انه استطاع فرض الاصلاح في المملكة العربية السعودية.
كان في طليعة الاصلاحيين. كان يؤمن ان ذلك ممكن من خلال العمل من داخل النظام ومن داخل المجتمع السعودي. الاكيد ان السماح بنشر كتبه خطوة في الطريق الصحيح. لكنها قبل كل شيء امتحان للقدرة على الاستمرار في الاصلاحات والمثابرة عليها. شئنا ام ابينا، ان مستقبل السعودية رهن بذلك ورهن برجال يمتلكون جرأة الاعتراف بان لا مفر من الاصلاحات.
راجح الخوري: الوطن والانسان
لم يكن مجرد وزير مميز حفر بصمته على السياقين السياسي والانساني. غازي القصيبي كان المبدع الاديب والشاعر والانسان المفعم انسانية راقية، ذلك الذي لن يموت، وهو صاحب عشرات المؤلفات الادبية والفكرية.
غازي العقول والقلوب والشعر والادب والدماثة والابداع التواضع، الذي صنع فرقا لا يزول.
كان رجلا من مسك عطره يسبقه دائما. وكان صاحب اسهامات كبيرة في خدمة الوطن والانسان. وسيبقى صوته صارخا في خواء الحياة .

علي الرز: جرأة الواحات
كان هنا... هناك... هنالك. منتشرا كجرأة الواحات على اقتحام الصحارى.
كان هنا. قبس من شعاع اخضر في غابة الشوك. يتمدد في كل اتجاه ممكن ولو اقام الوشاة الف حاجز من اسمنت الحقد وخرسانة الكره واحجار التآمر، فهو العائد من كل وشاية بعطر القصيد، والمفجر لكل الحواجز بأحزمة الابداع، و"الغازي" لكل مضارب اللغة بسيف المباشرة، والقاهر لكل "رواية مفبركة" برواية حقيقية يتقي بأدبها شر... قليلي الأدب.
كان هنا. حسبه انه خرج من كل حقول الالغام مثخنا بالارادة ... حسبه انه غازي القصيبي!.
عبدالرزاق الربيعي : من الإستثناءات القليلة في ثقافتنا
حين حضرت للراحل غازي القصيبي محاضرة له أقيمت في مسقط قبل ثلاث سنوات فوجئت بالعدد الهائل الذي حضرها ، وكان جمهورا متنوعا من مختلف الأعمار والميول، فعرفت أن لهذا الرجل الذي كان ينثر ضحكاته ومداعباته في المكان منزلة خاصة في نفوس الخليجيين خاصة والعرب عامة ، فطروحاته التنويرية المثيرة للجدل كانت محل اهتمام الجميع وفوق كل ذلك فهو شخصية فاعلة في المجتمع السعودي متعددة الإهتمامات وكنت أستغرب دائما كيف يجد فسحة للكتابة بهذه الغزارة والتميز رغم كل تلك المشاغل التي يغرق بها ،مشيرا الى إستثنائية إبداعية . سيظل القصيبي واحدا من الإستثناءات القليلة في ثقافتنا العربية .

عبدالعظيم محمود حنفي : اساطير الغرب ضد المملكة
تعرفت إلى فكر د. غازي القصيبي كسياسي اولا للمملكة العربية السعودية في لندن وقرأت له مداخلات ومقالات وجولات في مرحلة مهمة هي مرحلة ما بعد اا سبتمبر 2001 ردا على الحملات الظالمة ضد المملكة واذكر انه كان يطلق تعبير اساطير الغرب ضد المملكة التي راح الراحل يفندها بمنطقية وعقلانية وتعرفت إلى الرجل المفكر الاديب عبر دواوين شعره التي يقرأها كل العرب مترجمة للإنكليزية ، وبعض رواياته كانت في رأس قائمة الكتب الأكثر مبيعاً مثل ، شقة الحرية و العصورية و سبعة التي صدرت بالإنكليزية وهو مثقف له سعة فكرية كبيرة. وقد رشحته بلاده كمدير عام لمنظمة اليونسكو ولم يوفق بل هوجم الرجل لان كل من كان يريد الهجوم على المملكة جعله مدخلا لذلك . ويأخذ القلة عليه ان قبل المهادنة مع افكاره وقناعاته بقبوله ان يكون وزيرا وهو نقد في غير محله لانه اراد خدمة بلده عبر الخدمة العامة اي وضع ما ينفع الناس على الارض الى جانب ما يضعه ويخطه ويبدعه في العقول . رحم الله الفقيد واسكنه فسيح جناته .
لانه اراد خدمة بلده عبر الخدمة العامة اي وضع ما ينفع الناس على الارض الى جانب ما يضعه ويخطه ويبدعه في العقول.
سعد بن عبد القادر القويعي : جرأته وصخبه
استطاع " غازي " أن يكون ورقة رابحة في كل مضمار يحل فيه ،وأن يخلق حراكا فكريا - دائما - بإبداعه وتمرده وجرأته وصخبه . حين دخل في محطتين من محطات حياته، في صراع مع التيار الديني . الأولى : عندما أطلق ديوانه الشعري الثالث ، بعنوان : " معركة بلا راية " , عام 1970م . والأخرى : عندما استأنف معركته أيام أزمة الخليج الثانية ، التي نشرت في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، بعنوان : " في عين العاصفة " , عام 1991م .
بكلمة، يمكنني القول : إن غازي يعتبر رمزا من رموز الحالة الفكرية والسياسية والتنموية والثقافية والأدبية بشقيها - الشعر والرواية - . وذلك من خلال مؤلفاته ، التي بلغت أكثر من " 20 " كتابا ورواية . إضافة إلى إسهاماته الصحافية المتنوعة، التي نشرت في كثير من الصحف والمجلات العربية .

عبدالله الصغير
08-19-2010, 09:59 AM
مثقفون: إنشاء جائزة لمن جرح الظلام بماء الحبر
سعيد الباحص ـ الدمام
دعا مثقفات ومثقفون إلى إنشاء جائزة أدبية سنوية باسم «غازي القصيبي» لإحياء ذكراه ووفاء لما قدمه للمشهد الثقافي السعودي والعربي على مدى سنوات من العطاء، لافتين في الوقت نفسه إلى أن وهج شجاعة القصيبي سيبقى في الانحياز للحق والجمال، «وموهبته الإبداعية والإدارية الفذة على جرح الظلام بماء الحبر».
ويبادر الناقد الدكتور عبدالله الغذامي للقول عن القصيبي: «هو رمزنا الذي يسبقنا إلى كل بقعة من بقاع العالم، فما يذهب أحد منا إلى مكان إلا ويجد غازي قد سبقه إليه، فيزين هاماتنا ويعمق قيمتنا في وجوه الآخرين. هو غازي الذي كان يعيد صياغة أحاسيس كل مواطنة ومواطن حتى كان كل فرد منا يشعر أن غازي، هو حقه الخاص وأنه غازيه هو أو هي».
ويزيد الغذامي عبر حديثه لـ«عكاظ»: «لقد كان القصيبي رمزا وجدانيا للجميع مثلما هو رمز ثقافي للمثقفين وسياسي للسياسيين، وإداري للإداريين ورجل عمل وأعمال لمن يعملون. تنوعت مواهبه وتعددت وتبعا لهذا تنوعت محبته وتعددت، حتى مع خصومه وكنا نعرف الكتب الخمسة عن المشايخ الخمسة، الذين صارت بينه وبينهم حروب ضروس، وكان قويا وواضحا في قول رأيه وفي مواجهة من واجهوه، وهو بهذا لم يعمق الخصوم ولكنه فتح أبوابا للفهم ومعرفة الرأي والرأي الآخر، إلى حد تحول معه خصومه إلى أصدقاء».
كل واحد منا
الشاعرة فوزية أبو خالد تطالب بإنشاء جائزة أدبية باسم القصيبي لإحياء ذكراه وفاء لعطائه الأدبي والفكري، وتقول: «إن غازي كل واحد منا، فردا فردا، وهو لهذا غازي الوطن وغازي ضميرنا الثقافي، هو الذي ملأ حياته بالعمل الدؤوب الذي لم يكل قط، وكنا نغبطه ونتعجب منه على قدراته الهائلة في سيطرته على الوقت، وعدم السماح للمشاغل الكبرى في أن تزاحم مهاراته التأليفية والإبداعية، أو تحول بينه وبين التواصل مع الناس، وكلنا نعرف أنه يتابع الخطاب الإعلامي بكل مفرداته، ويتواصل مع الإعلاميين في شكل يومي ومباشر ومستمر».
شمس غازي
الأديب والإعلامي محمد بن عبدالله بودي يقول: «بغياب غازي القصيبي غابت شمس من الشموس النادرة، التي لم يخجلها البريق عن مشاغبة الظلام، بجرأة وبأدوات مبتكرة.. مرحة حينا، وجادة أو ساخرة أحيانا. فالمهم في كل حالات غازي وتحولات تاريخه الخاطف الأخاذ عدم الاستسلام، هكذا كانت شمس غازي، وهكذا ستبقى للأجيال، وهو وإن رحل فسيبقى وهج شجاعته في الانحياز للحق والجمال وموهبته الإبداعية والإدارية الفذة على جرح الظلام بماء الحبر».
وأشار بودي إلى أن نبأ الوفاة كان صادما، «حيث كنت أتابع أخباره وكنت أدعو الله له بالشفاء وأترقب خبر عودته وشفائه، لكنه القدر وعلينا الإيمان بقدر الله خيره وشره، وعزاؤنا أن أبا سهيل قدم إلى جوار غفور رحيم في هذا الشهر الكريم».
وخلص بودي للقول: «لم ندفن غازي القصيبي رجل الدولة من الطراز الأول، والشاعر والروائي، بل سندفن رجل البر والإحسان وكافل الأيتام.. رحم الله أبا سهيل رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان».

عبدالله الصغير
08-19-2010, 10:07 AM
غازي القصيبي .. القدوة

محمد بن عبدالله المشوح
وهكذا رحل الدكتور غازي القصيبي عن هذه الدنيا بعد حياة مليئة بالعلم والعمل والإنجاز لهذا الوطن وأهله.
أجزم أن الحديث عن المنجز الوطني الذي قدمه الراحل غازي ثقافياً واجتماعياً وفكرياً وعملياً لا يمكن أن تلم به هذه السطور.
لقد ملأ الدنيا وشغلها حياً كما شغل الناس ميتاً، وتلك هي حياة الكبار ورحيلهم كما كان صاحبه (المتنبي) عندما وعيت نفسي مثل أبناء جيلي ولما تتجاوز أعمارنا العاشرة كان اسم القصيبي ملء أسماعنا وعيوننا.
وعينا أنفسنا منذ منتصف التسعينات الهجرية وهذا الاسم المتميز يتردد علينا في المجالس والصحف والتلفزيون والإذاعة وزيراً للصناعة والكهرباء ووزيرا للصحة ثم أخيرا سفيرا للمملكة في لندن والبحرين حتى حط رحالة في وزارة العمل.
كان بإجماع لا نظير له نعم المؤتمن في جميع تلك المسؤوليات التي تقلدها.
كان عنوانه الأوحد هو النزاهة وعفة اليد والنقاء الذي استطاع أن يمثل من خلاله أنموذجا للمسؤول الصالح الصادق.
ولم تكن الأمانة والنزاهة هي العنوان الأوحد لنجاح القصيبي بل كان النجاح والجد والطموح لتحقيق تطلعات ولاة الأمر وتقديم الخدمة المستحقة والواجبة للمواطن لذا لم يكن غريبا أو مفاجئا أن يحظى بهذا القبول الكبير من لدن المواطنين لأنهم وجدوا فيه المسؤول الصادق بحق مع ولاة أمره ووطنه.
أما أخلاقيات غازي القصيبي فكان مدرسة قدوة فمن ذلك أني التقيته قبل حوالي ثلاث سنوات لدعوته بتشريف (الثلوثية) في لقاء ثقافي يطل من خلاله على محبيه وعشاق قلمه، جلست بجواره في مكتبه بوزارة العمل وهو يستقبل المواطنين ويقضي حوائجهم ويرد عليهم بلطفه وابتسامته وأسلوبه المقنع الذي يبهر الناس جميعاً، اعتذر إلي بلطفه المعهود وأمطرني بعبارات يقطر معها التشجيع والدعم للثلوثية ونشاطها ثم اعتذر إلي بأدب جم وعزا ذلك إلى المسؤوليات التي حملها والجميع يعرفها ويكفي أن أقلها وزارة العمل ثم لحق ذلك بخطاب رقيق بعثه إلي مؤكداً على اعتذاره.
أي عقل احتمل هذا الزحام الكبير من المواهب والقدرات والإمكانات التي وهبها الله لهذا الراحل.
لنا أن نتساءل كيف كان يدير وزارة ويرأس لجانا ويرافق ضيوفا ويصدر قرارات ويدرس معاملات ويقدم الرأي والمشورة.
يكتب الرواية والقصة ويقرض الشعر ويدون الذكريات ويصدر للإبداع كتاباً جديداً في سماء الثقافة ويلاحق في كل لحظة أخبار السياسة.
كان بحق شخصية استثنائية ليس في المملكة العربية السعودية فحسب بل حتى في العالم أجمع.
كان لا يقف رحمه الله في كل أزمة مرت بها المملكة موقف المتفرج كحال بعض المسؤولين بل كان دوما يبحث عن الوسيلة الناجحة لمؤازرة الوطن والوقوف مع ولاة الأمر.
إن حياة وسيرة غازي القصيبي لم تكشف بعد وإني أطالب أسرته وذويه وأصدقاءه ومحبيه أن يزودوا الوطن بمزيد من حياة هذا الرمز الكبير وبالأخص الأستاذ عبدالرحمن السدحان والدكتور عبدالعزيز الخويطر والشيخ محمد أبا الخيل والدكتور إبراهيم العساس فهؤلاء في ظني في جعبتهم الكثير مما لم يكشف بعد عن حياته رحمه الله.
لقد حظي بثقة مطلقة وكبرى من ملوك هذه البلاد المباركة الملك فيصل والملك خالد والملك فهد رحمهم الله إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز أيده الله.
وهكذا طويت أنفاس غازي القصيبي لكن أعماله وجهوده ومآثره باقية لا تمحى على مر الدهور.
لقد أبقى لنا غازي القصيبي شيئاً ثميناً وعظيماً وهو القدوة في حبه لوطنه وإخلاصه لولاة أمره وخدمته للمواطنين وعشقه للأدب والثقافة ونزاهته وعفة يده وقائمة طويلة من المثاليات والأخلاق التي لا يجمعها سواه (القدوة).
رحمك الله يا أبا سهيل فلقد فقدناك وأحوج ما نكون إلى الأوفياء الصادقين.

عبدالله الصغير
08-19-2010, 10:11 AM
قصب السبق بقواف قصيبية

ميرغني معتصم
كان يحلم، يوما، بقوم سافرين .. مغربين في الوضوح .. يتوارثون الأرض بتؤدة وجلد .. يماطلون الحياة بصدقهم، .. دون فسحة لتقمص دسيسة أو لغة، .. قوم «يقفون تحت أشجار كريمة»، لم تضن بالثمار أو الفيء، .. وحالما يرفعون أبصارهم إلى الناضجة منها، تقع بلطف في أفواههم دون أن يقذف غصن بحجر، .. بيد أنه انكفأ في ثانية ما ذات صباح.
***
لله ما أعطى ...
ثمة وجل يستشري من قلق الكلمات،..
ثمة حِمام يسكن أعماق الكائن..
ثمة قلق بارد يساقط مطلول من ماضٍ.
وثمة أيضا الأوهام، نعم، تلك الفاعلة المولدة التي وطنا أنفسنا عليها فيك. وثمة، ألف مرثية تقض مضجع الليل وتقلم مخالبه بعد رحيلك. وثمة إيقاعات للموت. ولكنا لن نكتب المراثي الرحيمة، سنترك ذلك للقادمين يعبثون بالمجدول من التعبيرية السوداء. وفي الليل عندما ينشغل الآخرون بتشييع الآهات، سنعبأ نحن بالنهايات، بتلك الأيام البيضاء. سنكتب نصوصا للا شيء، ونغني في انتظار السديم الذي احتواك. سنخرج للعالم بنصوص «دادية»، بلغة قصيبية، بحساسية الزمن من حيث الفكرة، ومن حيث الرؤية، ومن حيث تمسرح الزمن الشعري، الروائي، والقصصي. ونصرخ نحن بعدك: ماذا تبقّى؟، قد يحدثنا «أبو شلاخ البرمائي» بنبرة ساخرة مفصحا بمناكفة: تبقّت لكم مضارب الإدهاش والردة الإبداعية. تبقّى لنا التقاء ذواتنا على لا معقوليتها، عبثيتها، ولا جدواها. تبقّى لنا أن نؤثث غابات من «شقق الحرية».
لله ما أعطى ...
إذ لم نقنع منك يوما بلغة بكماء باردة مدفونة تحت الصمت منذ «إيريك هوفر». ولم نعتمد الوسائل الشخصية وحدها بل بالنص العارف المعرف والمعرفي. لم تصرخ، مثل غيرك، بجميع العبارات المستهلكة، ولم تفرط في سوداوية. ما آمنت به، أن جيلا جديدا أعلن أنه أتى «من جزائر اللؤلؤ» الشعرية، وجاهر بالخروج من دوائر التكلس بحثا عن جديد ينكأ الموجود، فهكذا فكرت بترك الشعر لنوره الأعمق وألحقته وراءك إلى المعالجة الراقية تبعده عن العالم ولاتدعوه إلى العزلة. كنت ترى، أيها الباذخ، أنك ستحضر بعمق أكثر في توليفة الأزمة، ندعوها إلى البحث الفكري الصارم. وبذلك لن يستمر الشعر صدى للعصر ولا ناقلا لانفعالات أصحابه. تدفعه إلى اللامبالاة المطلقة بالفائدة، فالجمال يناقض الفائدة مناقضة كلية.
لله ما أعطى ...
هكذا قرأناك ــ أيها الباذخ ــ من أبيات نضحت حبرا وتبرا، جعلت فيها الإنسان بستانا للجمال. وكنت، كما قالت لك مرآتك يوما، أرهم مكارمك ومحاسنك، فكان منك الصدق والإكرام ولا أبلغ..
أحببناك بكل تجرد الحرف الذي يلبس عباءة النقاء. وقرأناك فتفصدت كل مسام الانتماء إلى المستجلب من وادي عبقر. قرأناك كما لم نطالع قافية أحد من قبل، ونكاد لا نبرح القبس الصادر عن حروفك. وسيبقى سر توددنا لحرفك في شغافنا نستأثر به حتى على أوراقنا، فلن يتبخر قط من تلافيفنا أيها الباذخ.
لله ما أعطى ...
أيها المستلقي بكامل أوركيدك، .. أيها الباذخ، ..
رغم ظلت مسكونة بسؤال المتى والأين، كانت قارة الـحاضر في حاجة إلى حصانة الماضي، وظل خطابك الحواري مع ذاتنا الراكدة، متجاوزا القوانين العروضية التي يسعى زمانهم التشبث بجمودها ورتابتها، وتواصل هذا المبحث مع يراعك المعاصر التي أعلت روح العصر والمعاصرة. واستطعت أن تخرج بالحوار من هذين المعطنين إلى أفق أرحب. ولم نتجاوز، كمتلقين، وقفونا أمام مفهوم أساس في فهم العملية الشعرية، هو مفهوم الرؤية، إذ لم تعد انعكاسا ولا تقريرا ولا شهادة بل انجذاب كلي نحو المتخيل الإنسان، وبحث عن المنابت والجذور الغامضة التي تحكم الوجود داخل ذواتنا الممزقة. هنا، قررت لنا قبل رحيلك، أن قارة الرؤية هي الرحم الوحيد الحاضن لجزر الحواس والناس.
الله أيها الراحل، ..
ففي حضرة غيابك أدركنا مقدار ضعفنا التعبيري...
.. ولله ما أخذ.

عبدالله الصغير
08-19-2010, 10:24 AM
القصيبي .. شخصية متفردة

عبدالله عمر خياط
أنا لا أشك لحظة واحدة في أن كل من عرف ، وكل من لم يعرف الدكتور غازي القصيبي قد تألم لوفاته ، بل إنني أكاد أجزم بفزع وحزن الذين عرفوه عن كثب أو كانت لهم به صلة حال سماعهم نبأ انتقاله إلى رحمة الله رغم معرفة الجميع بمرضه ورغم إيمان الجميع – أيضاً – بأن الموت حق وأنه مصير كل حي .
لقد تألم الجميع .. وفزع وحزن الكثير لأن الدكتور غازي تغمده الله برحمته لم يكن شخصية عادية ، وإنما هو من الرجال الذين دائماً ما تتجه نحوهم الأبصار حيثما كان موقعه ، لأنهم أصحاب أداء متميز ، وغازي عليه رحمة الله كان صاحب أداء متميز في الإدارة والوزارة كما هو متميز فيما كتبه من شعر ومقال ورواية .
يوم اختاره معالي الأستاذ محمد عمر توفيق إبان توليه وزارة المواصلات لتولي إدارة السكة الحديد قال عنه : إنه رجل يملأ مركزه .
ويوم أدركته الثقة الملكية بتعيينه وزيراً للصناعة والكهرباء استطاع بمهارة أن يضع للوزارة التي ولدت على يديه منهجية لخطط مستقبلية تحققت من خلالها أفضل المنجزات .
وعندما تولى وزارة الصحة شهدت الوزارة في عهده رغم قصر المدة منجزات بلغت حد الاعجاز ولازال الكثير من الذين عملوا معه في الوزارة يذكرونه بالكثير من الخير والاشادة بما كان يمارسه من اقتدار وحسم لتحقيق أفضل العطاء وأسرع الأداء .
وفي سفارتي المملكة بالبحرين وبريطانيا كان ممثلاً بارعاً وسياسياً محنكاً كما يشهد له بذلك رجال السلك الدبلوماسي الذين كانوا يتابعون نشاطه .
أما عندما عادت به الثقة الملكية لتولي وزارة المياه والكهرباء ورغم قصر المدة فقد وضع الكثير من الخطط لتوفير المياه والكهرباء ولجميع المدن والمحافظات والقرى.
.. وفي وزارة العمل وهي آخر المحطات التي فارق الحياة وهو على رأسها فقد اجتهد وإن اختلفت الآراء حول قراراته إلا أنه كان صادقاً مع نفسه ، مخلصاً لرسالته التي كان حريصاً على أداء مسؤولياتها التي تفرضها أمانة الواجب الوطني بحسب اجتهاده .
وإذا كان هذا عطاؤه في ميادين الإدارة والوزارة فإنه في الساحة الأدبية كان متميزاً بعطائه الذي أثرى به المكتبة العربية بما يزيد على ستين مؤلفاً تتمثل في عدد من الروايات والمؤلفات الأدبية وما حوته بعض المؤلفات من مقالات ومحاضـــرات كتبها في مراحل ومناسبات مختلفة لعل أبرزها سلسلة مقالاته «في عين العاصفة» و «حتى لا تكون فتنة» كما قدم لقرائه من خلال مجموعة دواوينه الشعرية الكثير من روائع الشعر الذي كاد أن يجعله عند النقاد واحداً من الشعراء الموسومين بهذه الصفة فقط لاغير وهو ما كان يرفضه رحمة الله عليه ، إذ يقول فيما كتبه بقلمه تحت عنوان «من سيرتي الشعرية» :
ونظراً لأنني أعتبر نفسي إنساناً ذا جوانب متعددة بالإضافة إلى كوني شاعراً ، فإنني لا أحرص على أن أحيط نفسي بما يذكرني بأني شاعر )) .
ثم يضيف : إنني كبقية البشر ظاهرة مركبة ذات جوانب متعددة ، وليس كوني شاعراً سوى جانب واحد منها ، لقد قال لي الصديق الأديب الدكتور محمد جابر الأنصاري مرة إن "مشكلتي" أنني لا أعتبر الشعر حياتي كلها وأنني شاعر "هاو" أو "غير متفرغ"، وقال لي إن الشاعر لكي يكون شاعراً عظيماً ، يجب أن يعتبر وجوده كله مسخراً لقضيته الأساسية ، وهي شعره ، وأنا بالتأكيد لا أنظر إلى الشعر نظرتي إلى هواية كجمع الطوابع ، أو التحف ، أو لعب الشطرنج ، ولكني بالتأكيد أرفض أن أُختزل وأصنف في كلمة واحدة ، هي كلمة شاعر )) .
وهذا في الواقع صحيح فالدكتور غازي القصيبي وإن كان شاعراً مبدعاً إلا أنه أيضاً كان متفوقاً في أدائه الإداري والأدبي والروائي ، وأهم من هذا كله صدقه مع ما يؤمن به واخلاصه لدينه ووطنه ومليكه والشاهد على ذلك ما تضمنه بيان الديوان الملكي القائل : والفقيد رحمه الله من رجالات الدولة الذين خدموا دينهم ومليكهم وبلادهم بكل تفان واخلاص )) .
تغمد الله برحمته معالي الدكتور غازي عبد الرحمن القصيبي وأسكنه فسيح جناته وألهم أسرته وذويه ومحبيه الصبر وجميل العزاء وإنا لله وإنا إليه راجعون .

عبدالله الصغير
08-19-2010, 10:27 AM
حبر وملح - غازي القصيبي: المشاكس الرسمي!
الخميس, 19 أغسطس 2010
زاهي وهبي
دائماً كان بيني وبين غازي القصيبي موعدٌ مؤجل. من بين قلّة قليلة من شعراء العرب الذين لم يسمح الوقت لمحاورتهم في «خليك بالبيت» الذي كان شاعرنا دائم الثناء عليه، ومع ذلك لم يجلس على كرسيه التي تعاقب عليها على مدى أربعة عشر عاماً مبدعو العرب من اقطارهم كافّة. تلك طبعاً خسارةٌ للبرنامج وللشاشة وللمشاهدين لأن «الضيف المؤجل»..... الى الأبد هذه المرة، صاحب تجربة جديرة بأن تُروى على الملأ، ولعلنا نعوّض تلك الخسارة بحلقة تناقش مسيرة الرجل وتستعيد تجربته المؤثرة.

لست أدري ما الذي كان يخفف من حماسة القصيبي للمجيء الى بيروت التي يعشقها معظم أبناء جيله وأقرانه، كنت كلما هاتفته دعاني الى محاورته في لندن أو في الرياض، وكنّا نادراً ما نصور حلقات خارج لبنان إلا لمناسبة مهرجان أو منتدى ، وهكذا كان الموعد يؤجل مرّة تلو مرّة حتى حان موعد القضاء الذي لا منافس ولا رادَّ له.

لم أحاور القصيبي مباشرة، لم التقه في لندن أو في الرياض أو في بيروت لكنني التقيته في «شقّة الحرية» وسواها من روايات ودواوين وكتب مثل العصفورية، معركة بلا راية،... من جزائر اللؤلؤ، حياة في الإدارة وسواها من أعمال قرأتها بمتعة وشغف خصوصاً حين كنت أقيس ما يكتبه بالظروف الاجتماعية والرسمية التي أحاطت به وبتجربته، وهو المقيم في قلمه وفي ألمه على حافة تناقضات كثيرة، وهو المعلي جسراً شائكاً بين نقائض وأضداد : كلاسيكيٌ منفتحٌ على الحداثة، متحررٌ لا يخلو من محافظة، ديبلوماسي ٌلم يتخل عن نزق الشاعر، رسمي لم يتورّع عن المشاكشة. وكأن قدره أن يعيش هذه الثنائيات التي لا أظن الإقامة فيه هينة أو يسيرة، ولعلها تدفع صاحبها ذا العلم الى مزيد من الشقاء وجحيم المعرفة.

رغم فرادته بين أقرانه، لا مفاضلة ولا تقديماً أو تأخيراً عليهم، ولا من باب الأولويات الابداعية وتصنيف المبدعين على طريقة رافعي الاثقال أو لاعبي الجمباز، بل فرادته المتأتية من سطوة حضوره ورسمية مواقعه ومنصبه وميله الدائم الى مشاكسة نفسه أو موقعه. رغم تلك الفرادة، الا أن القصيبي يمثل في الوقت عينه جيلاً بأكمله من السعوديين الذين عاشوا مرحلة مفصلية من حياة وطنهم والمنطقة، ولعل «شقة الحرية» بمقدار ما هي سيرة شبه ذاتية، هي في الوقت عينه سيرة شبه جماعية لجيل كامل من أبناء الخليج وعلاقتهم بالأحلام العربية وتحولاتها وانكساراتها، وتحديداً بالتجربة الناصرية التي لا تزال رغم تقادم الأيام تثير الجدل والنقاش.

أكثر ما سوف نفتقده في القصيبي حسّ المشاكسة والجرأة في التعبير عن موقف أو رأي لا يتماشى مع اللقب الرسمي فمعالي الوزير لا يستطيع أن يكون «معالي الكاتب» أيضاً وسعادة السفير لا يجوز أن يمسي «سعادة الشاعر»، وإلا حكم على نفسه وعلى تجربته بالتصحّر والتبلد واليباب. في الديبلوماسية نستطيع ارتداء أقنعة وقفازات، لكننا في الابداع الأدبي والفني نحتاج أولاً الى خلع كل الاقنعة والقفازات. القصيبي أدرك هذه المسألة جيداً لذا لم يمنعه موقعه الرسمي من كسر القالب والخروج عن المألوف مغلّباً الشاعر على الديبلوماسي، متكلاً في الوقت عينه على حصانة الشاعر والديبلوماسي معاً وإن كانت قصيدته الشهيرة لحظة سقوط الاستشهادية آيات الأخرس قد كلفته منصبه كسفير في العاصمة البريطانية.

هل كان القصيبي يستلهم في قصائده الرافضة المتمردّة عمر أبو ريشة ونزار قباني وسواهما ممن تقاسم وإياهم الشعر والديبلوماسية والغضب؟ الله اعلم، لكن الأكيد من قراءة تجارب كل هؤلاء أن الديبلوماسي يستطيع أن يكون شاعراً، لكن الشاعر لا يستطيع أبداً أن يكون «ديبلوماسياً»...!

بغياب القصيبي تخسر الكتابة العربية شعراً ونثراً أحد أعلامها وتخسر المشاكسة الواجبة والضرورية أحد رموزها كذلك تخسر القضية الفلسطينية أحد مناصريها والمدافعين عن عدالتها وأحقيتها، مثلما يفتقد التيار المناهض للتطرف الديني وللسلفيات الاصولية صوتاً من أصواته المؤثرة يرفع راية التفكير في زمن التكفير...وهل من شعر ونثر وابداع بلا مشاكسة ورفض وعصيان؟

عبدالله الصغير
08-19-2010, 10:31 AM
القصيبي: خادم الحرمين صاحب القرار والمعركة مع التطرف شرسة
الخميس, 19 أغسطس 2010
المنامة – بارعة علم الدين
Related Nodes:
الدكتور غازي القصيبي مع زوجته وأولاده وأحفاده في منزله في المنامة.jpg
طوال فترة تلقيه العلاج في مستشفى «مايو كلينيك» في ولاية مينيسوتا الأميركية، ألححت كما العديد من الأهل والأصدقاء، على الراحل غازي القصيبي السماح لي بزيارته. كنت أحاول وزوجته الصديقة سيغريد نسج ظروف الزيارة، لكننا فشلنا، وكان يقول في كل مرة انتظري... ثم بعد النجاح النسبي للعلاج الأولي، قال: أنا آتٍ الى البحرين فأهلاً وسهلاً.

في الخامس عشر من أيار (مايو) الماضي حطت الطائرة الخاصة التي حملته وزوجته في مطار المنامة، وكان لقائي الأول مع الصديق غازي والعائلة في اليوم التالي.

بدا غازي أكثر وسامة بعد خسارته الكثير من الوزن، الذي كان يصارعه طوال حياته، لم يكن وجهه شاحباً أو مريضاً بل علت سحنته معالم الرضا والسكون، وكيف لا وهو المؤمن بالله والقدر. بدا غازي كعادته فارساً متوقداً شامخاً حنوناً عطوفاً، ولكنه كان أكثر هدوءاً وصبراً، ولم تطل ابتسامته إلا عندما قبّل الأحفاد أو داعبهم واختفت الضحكة والسخرية والنكتة.

اللقاء الأول سيطرت عليه فرحة العودة بالسلامة والأمل بالمستقبل ودوشة الأحفاد سلمى، ليث، سلمان، دانا، تالية، تميم وغاب عن اللقاء حفيداه فهد وغازي. كنت سعيدة بمراقبة غازي والاطمئنان عليه وتركز حواري مع الصديقة سيغريد.وبعد أكثر من ساعة شعرت أن عليّ الرحيل لأنني أريد أن أفسح له المجال للراحة، ولم يبدُ متعباً، وسألني «الى أين تذهبين؟».

- لزيارة الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وزير الديوان الملكي البحريني...

ويجيب: «الشيخ خالد صديقي... وهو زميلي في الشعر. بالله احملي إليه هذا الكتاب الذي ترجمته عن الإرهاب، هو قديم، لا أعرف ما إذا كان قرأه». ويضيف: «أنت تحبين البحرين».

وأقول: وأنت تحبك البحرين...

ويجيب: «حب متبادل والحمد لله... أحبني كثيراً الشيخ عيسى رحمه الله، وتجمعني والملك حمد صداقة ومحبة والبحرين بلدي وأهلها عشيرتي».

لقائي الأخير مع غازي كان بعد عودتي من الشرق الأقصى، وفي منزله في المنامة، وكانت الغالية سيغريد تحضر مراسم دفن والدتها في ألمانيا. كان غازي في مكتبته الجديدة في منزله الجديد. ودام اللقاء نحو ساعتين، اهتم خلاله عبدو الذي عمل في منزل الدكتور غازي منذ عام 1984 وهو من أهل المنزل بتقديم الماء والشاي، وكانت هذه الدردشة التي جمعتُ بعض تفاصيلها من ذاكرتي، وطاولت الأصدقاء، الحياة والسياسة. استأذنت زوجته سيغريد، لنشر وقائع هذه الدردشة، التي بدا الراحل خلالها زاهداً بالمواقف الحادة، وجاء الحوار معه عميقاً وهادئاً.

يسألني غازي: كيف كان حوارك مع رئيسة الفيليبين؟ كنت رافقتها خلال إحدى زياراتها الى المملكة، أعتقد بأنها سيدة مثقفة؟

أجيب: نعم، هذا صحيح، لكن هذا البلد فقير.

يعلق غازي: الفساد، الفقر والجهل آفة هذه الدول، وهي لن تستقيم أحوالها، أليست هذه حال باكستان. قلت لي إنك تناولت الغداء مع الراحلة بينظير بوتو قبل رحيلها بأسبوعين. هل كانت تتحدث عن إمكانية موتها؟

> كانت بينظير تشك في ان «طالبان باكستان» ستتعرض لها، وفي الوقت ذاته لم تكن تثق بأن النظام سيحميها. ولكن في آخر حوار هاتفي معها وقبل مقتلها بثلاثة أيام، بدت سعيدة جداً بما حصلت عليه من دعم شعبي، وكانت تقول أنها ستقيم الديموقراطية في باكستان.

- مسكينة... ذهبت ضحية قدرها، كونها ابنة ذو الفقار علي بوتو. من كان يعتقد بأن زوجها سيستلم الحكم، غريب هذا القدر. المشكلة في مثل هذه الدول، أن من الصعب إيجاد ظروف مؤاتية دوماً لوجود أشخاص مثل بينظير بوتو، ذوي خبرة وخلفية سياسية وعائلية، وهي إضافة الى ذلك كانت حاصلة على شهادات من جامعة أكسفورد.

> هذا التطرف والإرهاب آفة تكاد أن تقضي على مجتمعاتنا.

- هناك حرب بين التطرف والاعتدال...

> من سيربح؟

- الله أعلم... لكنها معركة شرسة.

> أنتم في السعودية نجحتم الى حد كبير...

- الحمد لله، لكن الفئة الضالة لا تزال موجودة، والشعب السعودي لن يرضى بأن يمس أحد كيانه أو يستهدفه.

> حدثني وليم بيتي الســـفير البريطاني السابق في الرياض، (وهو اليوم ســـفير بلاده لــدى افغانستان) مطولاً عن الجهود التي يقوم بها الأمير محــمد بن نايف في محــاربة المــتطرفين في المملكة.

- نعم، هذا صحيح، ما أخبار وليم؟

> التقيته أخيراً في لندن قبل سفره الى أفغانستان وهو يرسل تحياته لك، ويقول انك ساعدته جداً في فهم الثقافة الإنسانية والسياسية السعودية وأنك مكّنته من حل أي مشكلة صغيرة أو كبيرة خلال فترة عمله، وقال أيضاً ان المملكة بحاجة ماسة لأشخاص معتدلين مثلك.

- (لم يبتسم كأن هذا المديح لا يعنيه)... وليم ديبلوماسي جيد، خدم مصالح بلاده. قابلت رئيس الوزراء (السابق) توني بلير في منزله قبل أشهر، وخلال حوارنا شعرت بأنه غيّر رأيه حول حرب العراق، وبات يعتقد بأنه كان من الأفضل عدم خوض هذه الحرب.

> الوضع في العراق مأسوي، والتدخل الإيراني سافر، والعرب غائبون.

- الوضع العربي لن يستقيم ما دامت الأحوال العربية الداخلية كما هي قائمة، ولن يتحسن وضع العرب وقضاياهم في الغرب، ماداموا يعيشون حال التشرذم هذه.

ما أخبار كلير شورت، وزيرة التنمية البريطانية لما وراء البحار السابقة، والمعارِضة الشرسة للحرب على العراق؟

> تقـــاعدت من عمـــلها كنائبة وقالت انها تريد ان تكتب، وهي ناشطة ســـياسية. ســـألتني عنك وقالت إنك أكثر الديبلوماسيين حذقاً، وأظرف عربي تعرفت إليه، ولا تزال تذكر ذلك العشاء في منزلكم في لندن.

- كانت مقتنعة بدعمي لها لتولي منصب المدير العام لـ «يونيسكو»، لكن حكومتها لم تكن كذلك... إنها انسانة ظريفة، وصاحبة موقف، والإنسان الذي لا تكون له مواقف يكون ميتاً.

> قالت لي سيغريد انك تريد الذهاب الى الرياض لزيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز؟

- إن شاء الله بعد عودته من جولته في الخارج (مشيراً الى جولة خادم الحرمين الشريفين على الولايات المتحدة والمغرب ومصر ولبنان وسورية والأردن).

> الصحافة البريطانية تحدثت طويلاً عن زيارة الملك الأخيرة الى بريطانيا، وكان هناك إجماع على أنه إصلاحي.

- أطال الله عمره، هذا صحيح.

> بعض الصحافيين البريطانيين يطرح تساؤلات عن آلية اتخاذ القرار في المملكة، ويثير تكهنات حول ما يزعم أنه تأثير الولايات المتحدة على الســــياسة الخارجية للسعودية.

- خادم الحرمين الشريفين يأخذ القرارات بحكمته، يسمع للمستشارين، لكنه صاحب القرار. عندما اتخذ قرار المصالحة العربية في قمة الكويت، لم يكن احد منا يعلم بهذا القرار. ذروة السخف ان يتصور احد ان السعودية يمكن ان تخضع لضغوط أو تتخذ قرارات لمجاراة أي جهة غربية، أميركية أو غيرها».

ويتطرق الحديث الى الإعلام والإعلاميين العرب، وخلاصة رأي الراحل ان الضعف العربي يعني عدم وجود قوة إعلامية مؤثرة في الغرب.

وعن العدالة يقول: المؤسف ان العدالة اليوم لا تتحقق إلا بالقوة.

وعن التقسيم الجغرافي لبعض الدول العربية يقول: آمل ألاّ تحظى مشاريع التقسيم الجغرافي بالنجاح، لأن فتح باب الفوضى سهل لكن إغلاقه صعب جداً. ويرى ان «من المفجع اعتقاد الغرب بأنه اخترع حقوق الإنسان».

وبعد حوار عن فترة عمله في السفارة السعودية في لندن قال: كتابي «سعادة السفير» فيه الكثير من الحقائق، والواقع اعيد قراءته، ولا شك انك ستتعرفين إلى كل شخصية فيه. انا عندما أترك عملاً لا أعود إلى زيارته بل أركز على عملي الجديد.

وتطرقنا ايضاً الى الندوات القيّمة والمعرض الذي أقامته مؤسسة الملك خالد بن عبدالعزيز الخيرية في الرياض، وبصماته الواضحة في عهد الملك خالد. وأبلغته تحيات الأميرة بندرى بنت خالد.

قال: «لقد أحبني الملك خالد كأحد أبنائه وأوكل إليّ مسؤوليات، آمل بأن أكون وُفّقت فيها. كان رحمه الله مثال الملك الصالح. ولقد زارتني الأميرة بندرى بنت خالد والأميرة بندرى بنت عبدالرحمن الفيصل، وطلبتا مني افتتاح هذا المعرض والمشاركة في الندوات. ولكن كما ترين الوضع، لم أستطع القيام بذلك.

ودار حديث عن منزله الجديد الذي وضع به «شقا العمر»، وبدا فخوراً جداً بمكتبته التي تحتوي آلاف الكتب، وقضى فيها آخر أيام حياته، وكان حلمه رحمه الله أن يتقاعد، ويتفرغ للكتابة ولزوجته وأحفاده وصيد السمك.

رحم الله الصديق غازي القصيبي، فهو خسارة ليس فقط لأهله وأصدقائه، بل كذلك لأمته.

عبدالله الصغير
08-19-2010, 10:39 AM
وترجل الفارس بلا راية
أحمد الحناكي
gmt 6:37:00 2010 الخميس 19 أغسطس


غادرنا ابو يارا الى الابد. رحل غازي القصيبي الوزير والسياسي والاداري الشاعر المثقف بعد ان علمنا جميعا دروسا لن ننساها.
كتلميذ لغازي القصيبي الذي ودعنا قبل يومين دون ان اشاهده لمرة واحدة في حياتي على الطبيعة او حتى ان اهاتفه تلفونيا، كتلميذ بدأ الدرس الاول المهم في حياتي عندما كتب عدة مقالات في الشرق الاوسط بعنوان في عيون العاصفة تصدى بها للاعلام العربي في بعض الدول العربية التي ساندت النظام العراقي السابق في احتلاله للكويت. وبعيدا عن بعض الماخذ التي راها البعض عن مقالاته الاستفزازية احيانا الا انه والحق يقال كون قاعدة شعبية خليجية سعودية على عدة مسارات اولها انه اكد ان الخليجي وخاصة السعودي لديه القدرة الكافية لمقارعة اي قلم اخر حتى من يسبقه بعقود من الثقافة والتعليم والمعرفة، ثانيا وهو الاهم انه كرس مفهوم الانتماء للوطن وخاصة بكلماته الشعرية التي صاغها بانامله الرشيقة وغناها فناننا الكبير محمد عبده مثل (نحن الحجاز ونحن نجد) وفتح اعين الشباب الصغير على مفهوم الوطن الكبير الواحد دون اي طائفية او مناطقية او اقليمية في مواجهة اي عدو اخر. وثالثها هو ان افكارك لا يجب ان تتعارض ومصلحة الوطن فمهما كانت هناك اخطاء الا ان الخطر يجعلك تنسى الخلافات والضغائن وتنطوي تحت راية واحدة. وغازي السياسي طبقها تماما عندما اصبح بعدها سفيرا والتقى باعداء الامس بعدة مناسبات وكأن شيئا لم يكن.

وبعدها بسنوات بدا الدرس الثاني اثناء مقابلة معه في قناة بريطانية وقد حاوره مذيع مشهور وتحول الحوار اثناءها فاصبح القصيبي هو الذي يحاور وحشر مستضيفه في زاوية ضيقة ليبين بعدها الفرق بين السياسي المثقف وغير المثقف وامتدادا لذلك جرت حواراته الاخرى مع الاجانب او العرب او السعوديين فكل اونة ياتي بجديد.
وقبل ذلك كله وبعد ذلك كله قصائده التي اقصي على اثرها من وزارة الصحة في المرحلة الاولى ومن سفارة المملكة في بريطانيا في المرحلة الثانية التي تعبر جميعها عن شخصية استثنائية.

الدروس الاخرى جرت بشكل مغاير من خلال رواياته وبالذات شقة الحرية التي كانت بداية الروايات المعاصرة المكشوفة عن المجتمع السعودي حتى لو كانت احداثها تجري في مصر ثم العصفورية التي وصفت من اكثر من ناقد بانها نقلة حتى على المستوى العربي. ثم حياة في الادارة الذي لم اقراه بداية ظنا مني بانه يحمل نظريات في الادارة وفوجئت عند قراءتي بشيء مختلف وبمتعة من يشاهد فيلما مثيرا لا يغادره الا بعد المشهد الاخير.

اما دروسه الادارية الكبيرة فيكفيها الكهرباء وسابك والصحة سابقا ولا ازيد.
كاريزمية القصيبي لا تحتاج الى دليل ويكفي ان تسأل اعداءه قبل اصدقائه وقد اشتهر عنه انه لا يغضب من النقد الا ان كان شخصيا واحيلكم الى انتقاد قديم له من المبدعة الدكتورة لطيفة الشعلان في مجلة المجلة (اعاد الله قلمها) تقبله بصدر رحب وعندما خرجت من المجلة كان من الساعين الى عودتها مرة اخرى انذاك ولعل الدكتورة ادرى مني بالتفاصيل.
وبعيدا عن مايقال اننا لا نكتب عن محاسن قومنا الا بعد رحيلهم فقد كتبت عنه اكثر من اربعة مقالات احدها مقال عنه هو( نادي حساد القصيبي) عندما هاجمه البعض بعد كتابه حياة في الادارة وهو ما يثير العجب خاصة ان الكتاب قد صدر بعدة طبعات وكلها تنفذ. والمقال الثاني بعد حواره في القناة البريطانية والثالث عند ترشيحه لليونسكو بعنوان (مبروك لليونسكو) والرابع بعد ان تناوشته عدة اقلام عربية مستنكرة ترشيحه لليونسكو وهو من الامور التي ضايقت الراحل وكأن ليس للخليجي الحق في الترشح للشؤون الثقافية.
غازي في حياته جمع الكثير وبعد مماته وحد جميع الاصوات رثاء له الا من في قلوبهم مرض.
وداعا ابا يارا والعزاء ليس في عائلته فقط بل لنا جميعا.

كاتب سعودي

عبدالله الصغير
08-19-2010, 10:41 AM
أما آن لهذا (الغازي) أن يترجل؟
شاهر النهاري
gmt 8:03:00 2010 الأربعاء 18 أغسطس


تختلف المجتمعات في طرق التعامل مع الفكر، والمفكرين، فكلما كان المجتمع متقدما منفتحا فإن الفكر يعليه ولا شك، ويجعله دوما متحفزا للوصول إلى آفاق وقمم الثقافة الحقيقية عن طريق الرأي والرأي الآخر، والمحاورة الراقية المعتمدة على الاحترام المتبادل، والتبيان والحجج والمنهجية والخلفيات الثقافية المتنوعة. وكلما كان المجتمع منغلقا، كلما كانت العقول المفكرة فيه مقصية مهاجرة ممنوعة محرومة من مجرد التواجد الطبيعي، الذي تكفله للفكر كل الأعراف والقيم.
وحقيقة أن وفاة الأديب والمفكر العربي (غازي القصيبي) رحمه الله بالأمس لحدث يستحق التوقف عنده، ويجعلنا نتعجب من هذا الفارس، الذي لا يشق له غبار، ذلك، الذي لم يترجل عن صهوة فكره طوال حياته، ولا أظنه سيترجل عنها في القريب المنظور.

فقد كان محاربا مدججا بالثقافة العالية وبالحضور الطاغي، والقدرة العجيبة على قيادة معاركه الخاصة، والتي تعتبر عامة للكثير من مفكرينا، بيقين ودراية وثقة وثبات.
لقد كان نقطة ضوء وتوهج فكري أينما سار، في شعره، وفي رواياته، وفي حياته العملية، وفي تولي مناصبه المتعددة، وفي عزله عنها، وفي مناظيره ورؤاه الاجتماعية والسياسية.

لقد كانت أشعاره تقارع وتتآخى مع ثورات قوافي المتنبي، وكانت رواياته تجعل الفكر يتساءل ويبتكر ويرحل في الآفاق، وينفتح على كل الاتجاهات، فقد كانت رواياته حبكات محلية تسبق زمانها، وجرأة لا تمتلك معها إلا أن تقف متعجبا من قدرته على الإبداع، وعلى تمكنه من خوض الحروب المتعددة مع مناوئيه.
وقد كانت معاركه الفكرية مع بعض المفكرين المعارضين لفكره دليلا على أن سيفه حاد باتر، وعقله لامع ساخر، وفيضه الثقافي وأفر.
وللأسف الشديد أن يكون مثل هذا المفكر محاربا في بلده الأم طوال حياته، وممنوعا من نشر كلمته بالشكل الطبيعي، فيضطر كالكثيرين غيره للالتجاء لقنوات النشر العالمية، بعد أن لفظته قنوات النشر المتشددة في بلده.

وللأسف الشديد أن يأتي العفو عن كتبه في وقت متأخر جدا، بعد أن التهبت حكاياته وقصائده، حتى في أيام مرضه الأخير.
وتطوله يد المنية (رحمه الله)، فتكون وفاته، والصلاة عليه، ودفنته حكاية أخرى من حكايات معاركه، وحرب يخوضها بشراسة، حتى وهو مسجى بين يدي ربه.
إنه (رحمه الله) ذلك الفارس الذي لا يقبل أن يترجل، رغم رحيله عن دنيانا.

وسيضل ممتطيا لصهوات الأفكار، مشغلا لجميع من عرفوه، سواء كانوا مع فكره، أو ضده.
ببساطة لأن أفكاره مهما اختلفنا معها، لا تقتل بريئا، ولا تسفك دما، ولا تمسح حقوق المعارض ولا تنفيه وتحرمه.
إنه ببساطة طيف ثقافي متوهج كنا وسنضل نحتاجه في حياتنا الثقافية،
رحمه الله.

عبدالله الصغير
08-20-2010, 09:32 AM
غازي القصيبي وبناء الحداثة العربية
الشرق الاوسط اللندنية
gmt 23:20:00 2010 الخميس 19 أغسطس


رضوان السيد

ينفرد غازي القصيبي من بين أبناء جيله من المثقفين العرب، بأنه مارس العمل الثقافي بشتى أبعاده وفنونه، كما مارس العمل السياسي والإداري أيضا، وفي مواقع متعددة. وكان حتى وفاته طليعيا بين المثقفين العرب، وظل كذلك طليعيا بين رجال السياسة والدولة في العالم العربي. فقد أمتد عمله الثقافي على مدى نصف قرن، كما امتد عمله الإداري والسياسي على مدى ثلاثة عقود ونيف.

وتأتي فرادة شخصية القصيبي وتجربته الثقافية والسياسية من جانبين: جانب التميز في شتى الحقول التي خاض وعمل فيها، وجانب الموقف من الدولة وعملها وبنائها على مديات متطاولة. فقد أوضح القصيبي في رواياته ومقالاته أنه كان من جيل المرحلة الناصرية خارج مصر. وهذا الجيل خاض غماره غالبية المثقفين بالمشرق العربي، ونخبة من مثقفي المغرب. وقد انتهى هؤلاء جميعا تقريبا إما إلى ثوران واعتزال وكآبة، أو إلى خوض غمار معارضة عدمية، عطلت في غالب الأحيان إنتاجهم الفكري أيضا. فالمثقفون القوميون تحولوا جميعا تقريبا بعد هزيمة عام 1967 إلى اليسار الماركسي، وغادروا الأنظمة تدريجيا باتجاه الصمت أو المعارضة، لكن الذين استمروا في الكتابة منهم صاروا جذرين، وانصرفوا عن العمل السياسي المباشر إلى أعمال تتصل بالخروج من الموروث العربي والإسلامي، وباستكشاف طرائق الدخول في الحداثة من طريق الغرب الماركسي أو الغرب الليبرالي.

أما القصيبي - وبخلاف أبناء جيله من القوميين حتى في الخليج - فإنه ما انصرف عن الناصرية إلى اليسار، ولا اتجه للعمل الآيديولوجي، ولا كفر بتجربة الدولة والنظام السياسي. لقد ظل مجددا في الشعر والرواية والمقالة، ومارس العمل الإعلامي، وتفاعل باستمرار من الناحية الشعرية والنثرية مع أحداث المنطقة وتقلباتها وحروبها، وازداد في الوقت نفسه اقتناعا بضرورة الدولة وترقية التجربة السياسية، والدخول في الحداثة من هذا الطريق، دون أوهام أو حقائق آيديولوجية!

امتلك القصيبي مزاجا أدبيا عبر عنه بالشعر والنثر. بيد أن تجديده لهذه الناحية كان معتدلا غير ثوري. فقد ظل يقول بغنائية القصيدة العربية، وما تجاوز في البنية الروائية الجيل الثاني، جيل ما بعد نجيب محفوظ. وهو كان في شعره معنيا بالقضايا الكبرى للأمة، وشديد التأثر بالأحداث المفجعة التي توالت منذ السبعينات. وكذلك الأمر في مقالات الرأْي المتابعة للأحداث. وحتى عندما كان يبدأ بالخاص أو المحلي؛ فإنه سرعان ما كان يفضي إلى العام والمتعلق بالقضايا العامة لدى العرب. أما في رواياته فقد كان يعرض تجربته الذاتية وتجربة أبناء جيله، وعلى سبيل المراجعة أو حتى الدراسة والتأمل والاعتبار، مع الحرص على أن لا تتحول الرواية إلى بنية تعليمية أو وعظ مباشر. وقد سمعت منه مرتين على الأقل أنه إنما يأخذ على بعض الروائيين العرب المعروفين، أنهم صاروا مباشرين بشكل حاد في رواياتهم وقصصهم القصيرة. وهذا الأمر إن اغتفر في القصيدة؛ فإنه لا يغتفر في العمل الروائي، وفي المقالة النثرية.

على أن هذه الميول «الثورية» المعتدلة - إذا صح التعبير - في الأدب والفكر، ما ظهرت أبدا في عمله السياسي والإداري. فبدءا كان الرجل يمتلك وعيا ظهر أو تطور لديه أن بناء الدول لا يقوم على الهزات والانقلابات، ولا على شخصيات الأفراد الأبطال، وأن الثورة القاطعة إن حلت مشكلة نفسية لدى بعض الأفراد؛ فإنها غير قادرة، بل كارثية، إذا تعلق الأمر بسياسة شعوب وإقامة دول. وهو ما كان يقول إن التجربة السياسية السعودية معصومة من الخطأ، إنما كان يرى أن هذه التجربة ظلمت من جانب المثقفين القوميين، الذين تحولوا إلى ثوريين. ومأخذه على هؤلاء، ليس أنهم انخدعوا بالتجربة ذات الدعوى القومية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي - فقد وقع الجميع في ذلك - بل أن هؤلاء وعندما أدركوا تحول الثورية العربية إلى طغيان سافر، ما راجعوا أنفسهم، لينظروا للتجارب الأُخرى، ويحاولوا أن يعودوا إلى الرشد في عمليات بناء الدول. أما هو فقد خاض التجربة الإدارية والسياسية في المملكة، كما خاض في العمل الدبلوماسي، وظلّ مقتنعا أن العمل المؤسسي في هذا النطاق ممكن، وأن رجال الإدارة والسياسة العرب قادرون - ودون دعوى آيديولوجية - على بناء الدولة الحديثة بالكفاءة والتطوير والنظافة. وبالكفاءة، والنزوع المؤسسي، تبنى الدولة التي طمح إليها العرب منذ أواخر القرن التاسع عشر.

تأخرت معرفتي بالدكتور القصيبي إلى التسعينات من القرن الماضي. والمعروف أنه خاض معارك عنيفة أثناء حرب الخليج الثانية عندما غزا صدام حسين الكويت. وقد شهدتُ نقاشا حادا وممتدا له مع بعض مثقفي اليسار القومي من زملائه السابقين كما قال، وكان هؤلاء يرون أنه لا ينبغي النظر إلى فشل التجربة القومية وحسب؛ بل إلى أسباب ذلك، وظروف الحرب الباردة. وكانت وجهة نظره أن الأسباب مهمة، لكن القائد الحكيم لا يعرض بلده وشعبه لتجارب مستحيلة مثلما فعل صدام في الحرب على إيران، وفي غزو الكويت، رغم كل الأسباب التي يمكن أن ترد. أما الرئيس عبد الناصر، فقد كان عليه أن يكون أكثر واقعية في تقدير موارده وقدراته وقدرات الدولة المصرية في «مغامراته» منذ عام 1958 وحتى عام 1967. فمغامرة الكاتب الإبداعية أو الفكرية التي تنجح أو تفشل، هي غير مغامرة القائد السياسي التي تنجح أو تفشل، لأن المترتبات على النجاح والفشل في الحالتين بينهما فروق شاسعة تستحق النظر والاعتبار. وما وصل النقاش إلى مآل، لكن القصيبي كان يكره التبرير والتسويغ لنفسه أو لغيره. فالتوبة ورثاء النفس شعوران ما كان القصيبي يريد لهما أن يسودا لدى الأفراد، فكيف لدى القيادات ومؤسسات الدول وجيوشها.

على أن القصيبي من جهة ثانية، وبخلاف كثير من الليبراليين العرب، ما كان حسن الظن بالغرب أو الغربين الأميركي والأوروبي. ويرجع ذلك لمعرفته الواسعة بالعلائق الوثيقة بين الثقافة والسياسة في تلك الأصقاع، وأن «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا» كما قال روديارد كبلنغ. سمعت منه ذلك قبل ترشيحه لليونيسكو، ثم قرأت ذلك في روايته «دِنسكو» بعد الترشيح. والقصيبي شأن كثيري التجارب، ليس ممن يحملون الأحقاد أو يشخصنون الأمور، لكنه كان شديد المرارة بعد ما حدث للعرب في اليونيسكو ومعها. ولذلك فقد انصرف بعد خيبة المصريين في الأمر نفسه إلى مُراجعة الأمر معهم ولومهم، لأنهم ما استفادوا من التجارب الكثيرة التي خاضها العرب في النصف الثاني من القرن العشرين.

وما عرفت مثقفا عربيا، اتسقت في شخصه أبعاد ثقافية وفكرية بعضها ذات طابع رومانسي، وأبعاد عملية وواقعية متبصرة في المسائل الإدارية والسياسية. والطريف أنه كان يعبر عن تجاربه السياسية والإدارية تعبيرات أدبية وفي مقالات الرأْي. ثم يعود لقراءة التجربة نفسها في دراسة علمية تستحق أن تتخذ مرشدا في عمليات بناء الإدارة والدولة. وكما لم يكن رؤوفا بنفسه في المراجعة واستكشاف الأخطاء، ما كان رؤوفا بالمثقفين والسياسيين والمختلفين معه بالداخل السعودي والعربي. وكانت وجهة نظره دائما أن كل عمل إنما يحكم عليه بالعقل ومن جهتين: جهة البديهيات، وجهة النتائج. وقد كان يرى أن مشكلة المشكلات مع المثقفين والسياسيين العرب أنهم يعللون ما قاموا به تعليلات مبدئية، بينما يعللون الفشل تعليلات تهربية من مثل: صح مني العزم والدهر أبى!

إن جيل غازي القصيبي في الجزيرة والعالم العربي، هو جيل الثورة والدولة في الوقت نفسه. وما يميز القصيبي عن زملائه عدة أمور: أنه ما كفر بالدولة بعد خيبة الثورة، وأنه ظل قادرا على المراجعة والنقد، وأنه خاض تجربة التجديد والبناء في الفكر والشعر والرواية والعمل الإداري والسياسي، رائدا آفاقا للعمل الفكري والعمل السياسي الناجح. لقد كان يعي الحدود، لكنه ما خاب ولا يئس، وحقق وأنجز، وصدر له كتاب قبل وفاته بشهرين، ويصدر له آخر خلال أيام عن تجربته القاسية مع المرض. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

عبدالله الصغير
08-20-2010, 09:34 AM
«سابك» وتكريم غازي
الشرق الاوسط اللندنية
gmt 23:17:00 2010 الخميس 19 أغسطس


مشاري الذايدي

حسنا فعلت شركة الصناعات السعودية العملاقة «سابك»، في تكريم رائدها وفيلسوفها ومن أطلق عليها اسمها ووضع نظامها وترأس أول مجلس إدارة لها، غازي القصيبي.

«سابك» أكبر شركة صناعية غير بترولية في الشرق الأوسط، حسب كلام الشركة الرسمي في تعريفها الرسمي، نشرت أول من أمس إعلانا على صفحة كاملة في الصحف تقول فيه للفقيد الكبير: «نبادلك العطاء بالوفاء». وقال إعلان الشركة الموقع باسم رئيس مجلس إدارتها الأمير سعود بن عبد الله بن ثنيان آل سعود إن الشركة قررت بناء مسجد وإطلاق اسم غازي القصيبي عليه.

البادرة - من حيث المبدأ - لفتة حضارية، وموقف وفاء وتقدير لرجل يستحق الكثير، وبخاصة من شركة «سابك».

غير أن المنتظر من قادة الشركة الكبرى تجاه غازي كان شيئا آخر غير ذلك، فبناء مسجد ليس بالأمر الصعب ولا بالجديد والاستثنائي، كل يوم تبنى المساجد في السعودية وفي كل مكان في الخليج، والأرض كلها جعلت للمسلمين مسجدا وطهورا، وأعتقد أن بناء مسجد أمر قد تقوم به عائلة الفقيد نفسه.

«سابك» بالنسبة لغازي كانت «ابنته المفضلة»، حسب وصفه في كتابه «حياة في الإدارة». إعلان «سابك» اقتبس هذه العبارة من كتاب غازي، وفي بقية هذا الاقتباس يقول غازي عن «سابك»: «لم تعكس أي مؤسسة فلسفتي في الإدارة مثلما عكستها (سابك)، حتى الاسم كان من اختياري».

ما دام هذا المشروع يحتل هذه المكانة العقلية والنفسية الكبرى لدى الراحل، ويعكس فلسفته في الإدارة والتدريب والعمل، فكان من الأجدر بالشركة أن تطلق اسم غازي القصيبي على «أكاديمية للتدريب» مثلا، تدرب فيها «سابك» الشباب السعودي على أسس العمل الحديث وفق «فلسفة» «سابك» وغازي القصيبي. هذا أفضل تكريم للراحل، وأفضل تجسيد لما يمكن أن يكون غازي يريده من منفعة لهذه الشركة تجاه أبناء السعودية. أكاديمية التدريب مجرد اقتراح، ربما يوجد اقتراحات أخرى مشابهة، لكن كلها حتما جزء أصيل من العمل الخيري الدائم، الذي ليس بالضرورة أن يكون توزيع أكياس رز أو بناء مسجد فقط، فهذه وتلك أعمال خير، مطلوب فقط توسيع النظر في فهم معنى الخير.. نحن لدينا مشكلة واضحة في «مفهوم» العمل الخيري، وكأن الخير كله محصور في صورة أو صورتين، الخير لا حدود له.

مثال غازي القصيبي ليس إلا مثالا واحدا، بحكم المناسبة والتوقيت، وإلا فإن كثيرا من الذين قدموا خدمات وطنية كبرى لم يحظوا بما يناسبهم من صور التكريم والوفاء المناسبة لطبيعة أعمالهم؛ الفنان في مجاله، والأديب والسياسي والتربوي ورجل الخير وسيدات العمل الاجتماعي.. وهكذا.

وبالمناسبة في هذا الشهر، أغسطس (آب)، مرت في الـ11 منه الذكرى العاشرة لوفاة رمز كبير من رموز الفن السعودي وهو طلال مداح. سقط وهو على المسرح في أبها يوم 11 أغسطس 2000... للتذكير فقط!

هذه الملاحظة لا تنفي الإشادة ببادرة «سابك» لغازي، ولكن تعني أن أزمة مفهوم العمل الخيري وصلت حتى إلى ثقافة «سابك» الحديثة!

عبدالله الصغير
08-20-2010, 09:36 AM
الكاريزما القصيبية.. ما الذي ميّز غازي؟
الوطن السعودية
gmt 1:36:00 2010 الجمعة 20 أغسطس


شتيوي الغيثي


غازي القصيبي كان يمتلك ثقة رسمية وشعبية منقطعة النظير حتى بعد توليه وزارة العمل رغم صعوبة النجاح في مثل هذه الوزارة. أن يتفق الجميع (تقريباً) على حبه واحترامه وتقديره حتى عند بعض خصومه السابقين فهذا نوع من الكاريزما التي لا تتحقق إلا لدى الندرة القليلة من الناس

المقالات التي كتبت عن غازي أكثر من أن تحصى خلال أسبوع فقط، وبعد وفاته بيوم مباشرة، بل إن الصحف الإلكترونية كانت أسرع في نشر الخبر والكتابة حول فكره وشخصيته مما جعل الحدث استثنائياً وإشكاليا كما هو غازي في كل حياته. غازي من النوع الإشكالي الذي أصبحت حتى وفاته حدثاً سعودياً عاماً وخليجيا؛ بل وحتى عربياً. والكتابة حول غازي، برأيي، لا بد أن تتجاوز مرحلة البكائيات القديمة والرثاء الحزين إلى استخلاص تجربة من التجارب الاستثنائية، والبحث عن سر ذلك التفرد الذي كان يتميز به عن غيره. غازي كان نموذجاً من النماذج العربية التي اتفق الناس عليها، وهذا الاتفاق يصعب العثور عليه فيما لو فتشنا في العديد من الأسماء العربية الأخرى التي كانت تنافسه داخلياً وخارجياً. أن يكون هذا الحب الشعبي بهذا المستوى فهو شيء ينم عن كاريزما خاصة يتمتع بها هذا القصيبي. إحدى الإشكاليات التي قيلت قبل سنة في بداية مرضه انتشار الشائعة بوفاته ونفيها في نفس اليوم. طبعاً هذا القلق من فقدان غازي كان ينم عن قلق شعبي من عدم تكرار نموذج آخر، لاستثنائه الذي لم يستطعه إلا هو!
الدكتور غازي القصيبي ـ رحمه الله ـ كان يمتلك ثقة رسمية وشعبية منقطعة النظير حتى بعد توليه وزارة العمل رغم صعوبة النجاح في مثل هذه الوزارة. أن يتفق الجميع (تقريباً) على حبه واحترامه وتقديره حتى عند بعض خصومه السابقين فهذا نوع من الكاريزما التي لا تتحقق إلا لدى الندرة القليلة من الناس، فلماذا تحققت لدى غازي ولم تتحقق لدى غيره؟ بل لا نجد في الأفق حتى الآن رجلا بمواصفات هذا الرجل يحمل ما كان يحمله من سعة ثقافة ونجاح في الإدارة وتحقيق توازنات سياسية وثقافية نخبوية وجماهيرية لا تتوافق في الغالب لمدى اتساع الهوية بين ما هو رسمي وما هو شعبي، أو ما هو نخبوي وجماهيري. وقد جاء غازي ليرمي هذه الهوة ويجعل الأمور متداخلة تداخلا متوازنا بشكل عجيب يثير إعجاب العامة والخاصة على حد سواء، وهي المعادلة الأصعب، خاصة في مواقع إدارية من أعلى المستويات كالوزارات أو السفارات.
أن يخرج مثقف ليحاول أن يحقق الكثير من المبادئ التي يراها، فهذا شيء طبيعي؛ بل هي طبيعة المثقف في كل عصر وفي كل مكان، لكن ما إن يدخل هذا المثقف إلى مستوى اتخاذ القرار فإنه يعود فيتحول إلى موظف بيروقراطي، أو الفشل المباشر لكونه يبحث عن التغيير الجذري فيكون الصدام مع المجتمع، وهذا فيه خلل في مدى معرفة الحد الفاصل بين كونه مثقفاً وكونه مسؤولاً، في حين أدرك القصيبي مدى حجم المساحة بين مبادئ المثقف وبيروقراطية المسؤول واستطاع العمل على المساحة الفاصلة بين هذه وتلك.
أيضا كان غازي نزيهاً جداً في العمل الإداري، وهذه النزاهة يفسرها البعض على أنه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، وهذا التفسير ليس كاملاً كون الكثيرين مثله ولدوا وفي أفواههم آلاف الملاعق الذهبية؛ لكن هذا لم يجعلهم نموذجاً شبيهاً لغازي في نزاهته.
الموازنة بين المبادئ والمسؤولية هي ـ حسب ما أتصور ـ جعلت من غازي نموذجا لابد أن يحتذى للأجيال الطالعة أو الأجيال الحالية، والقراءة في مرحلة وعمر طويل من العمل الإداري والشغل الثقافي من خلال قراءة جيدة لتحولات المجتمع وتبدلات القيم والأفكار والصراعات والمناوشات وأحلام النهضة وانتكاسات النضال، والتي حاول غازي أن يبث جزءاً كبيراً منها حتى أثناء مرضه الذي توفي فيه.
الأحلام الكبرى التي كان يملكها غازي لم تكن خيالية إلى الدرجة التي جعلت من غيره حبيسي مرحلة محددة وصلت فيها الأحلام إلى أبعد مستوياتها حتى إذا انهارت انهار الحلم بكليته مما سبب صدمة عنيفة لم يستطع أن يصحو منه حالمو الأمس حتى الآن، أي لم يكن أيديولوجيا إلى الدرجة التي أعمت بصره عن رؤية الحقائق بعين المثقف والذي ترجم كل ذلك إلى برنامج حقيقي له امتداده على أرض الواقع.
لقد تخلص غازي من الوهم منذ فترة طويلة من خلال رؤية ناقدة جعلته عروبياً من خلال نموذج مثقف نفطي؛ أي أنه لم تكن لديه عقدة المثقف العروبي الذي يرى في الدول الخليجية أنها دول نفطية أكثر من كونها دولا حقيقية، فعمل غازي على إثبات ذلك، إذ لا تشكيك في عروبة الخليجي لكونه نفطياً. من جهة أخرى فقد تخلص من وهم آخر هو وهم الإسلاموية، فليس عنده عقدة الأسلمة كما عند الآخرين، فلا مزايدة على إسلام الرجل المسلم حتى لو اتهم بالعلمانية كما اتهم غازي، كما أنه لم يحاول الوقوع في صراع التيارات، لأن التجربة الثقافية كانت ذات وعي مبكر تبلورت من خلال أحلام العروبة وانتكاساتها مما بلور لديه حساً نقدياً مبكراً لكل الخطابات العربية والتي كان لها امتداد سعودي هنا أو هناك.
كما أن قربه من القرار السياسي منذ صغره جعله يطلع على الكثير من القرارات والأسرار التي قد تغيب عن كثير من المشتغلين في العمل الإداري في السعودية، وهذا أعطاه حس الموازنة بين أحلام العروبة ورجل الدولة حين رأى دولة شارك أبوه في يوم من الأيام في إنشائها حين كان من رجال المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود.
هذه الأشياء مجتمعة خلقت تلك الشخصية القصيبية الفريدة، لكن تبقى هذه القراءة مجرد محاولة للفهم، ذلك أن الكثير من الشخصيات الإدارية أو الثقافية حصلت لهم نفس الظروف، لكنهم لم يتحولوا إلى نموذج استثنائي كما حصل لغازي، مما يجعلنا بحاجة ماسة إلى قراءات عديدة يضيف بعضها إلى بعض، لا تقتصر على الجانب الإبداعي أو الإداري، بل تحاول الجمع بين الجانبين لكون غازي نفسه لم يرد أن ينفصل هذا عن هذا، ولذلك نراه يكتب روايات أو ينشد قصائد بسب مواقف إدارية مرت به، فالقراءة المتكاملة يمكن أن تكشف لنا بعضاً من أسرار الكاريزما القصيبية.

عبدالله الصغير
08-20-2010, 09:38 AM
في العود دفنا رأس الأديب
الرياض السعودية
gmt 1:32:00 2010 الجمعة 20 أغسطس




عبدالله الناصر

يوم الأحد الماضي، كان صبحه صبحاً مشرقاً بالسواد .. كان يوماً دفنا فيه رأس الأديب العملاق، في مقبرة العود.. فعاد الطين إلى طينه، وعاد الثرى إلى ثراه... كان يوماً انتهت فيه فصول رواية طويلة اسمها غازي القصيبي.. الذي كان لا يهدأ ولا يترك أحداً يهدأ..

غازي القصيبي الذي أشغل الناس أكثر من خمسين عاماً هجعَ ونام.. واحتضنته الأرض والتراب.. يولد ابن آدم فيواجه الحياة بالبكاء والصياح.. ثم تأخذه إلى أحضانها فمنهم من يهدأ ويستكين ومنهم من تظل حياته صاخبة مليئة بالضجيج.. ولقد كنت أحدثت دوياً طويلاً ثم هاهو يلوذ معك صوتك، ويهجع هجعة القبور..

الله، الله. يا غازي، كم شعراً ألقيت، وكم حديثاً تحدثت وكم رأياً طرحت، وكم من مفكر، وسياسي صارعت، وكم رواية كتبت، وكم ديوان شعر تركت، وكم فيلماً وثائقياً استودعت.. فكأنك من عناه الشاعر بقوله:

أقسّم جسمي في جسوم كثيرة

وأحسو قراح الماء، والماءُ بارد..

وها أنت ترحل مخلفاً وراءك غبار المعركة، وقعقعة السلاح، لتترجل عن حصانك وتموت.. وكل نفس ذائقة الموت.. وكل نفس بما كسبت رهينة، وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام.. وها أنت لاقيت وجه ربك بما قدمت.. وإني لأسأل الله الكريم أن يحسن مقدمك وأن يجعل مثواك برداً وسلاماً.. فقد كنت مؤمناً عميق الايمان عميق الاحساس بالله، وكنت تحب الخير للناس، كنت أريحياً، كريماً، شهماً نبيلاً، ولقد عايشتك عن كثب، ورأيت فيك ربما ما يجهله كثير من الآخرين.

لقد كنتَ صاحب نجدة ونخوة.. وكنت صاحب كلمة وموقف.. وكنت شجاعاً في رأيك، صريحاً في قولك، تجاهر كثيراً بما تؤمن به دون خوف أو تردد.. وبدون تزلف أو نفاق.. وكنت بارع الكلمة، بارع الحضور تهيمن على المكان، والزمان اللذين تكون فيهما، فإذا تحدثت أنصت الجميع، وإذا حاورت أنصت الجميع، وإذا ألقيت شعراً أصغى الجميع.. ولم تقبل في يوم ما أن تكون مهرجاً.. أو سمسار كلام..

أما حكايتك مع الطلاب المبتعثين فهي طويلة لا يمكن اختزالها في أسطر وكلمات وتحتاج إلى أحاديث، وأحاديث.. ولكنك كنت تحبهم، تحاورهم، تمازحهم، تمازجهم، تفتح صدرك، وقلبك، ومكتبك لهم، وتدعم أنشطتهم، وكنت تدفع من جيبك للمحتاجين منهم، أو لمن أوقفت بعثته بسبب قرار أهوج، أو نظام أعوج..

وحين غادرت «لندن» تركت فينا ما يشبه اليتم..! لقد فقدنا الأحاديث المشتركة، واللغة المشتركة، والثقافة المشتركة.. فقد كانت بيننا مساجلات وقصائد ومطارحات أدبية.. بل وكانت بيننا اختلافات مشتركة.. كنا نختلف ولكنه ذلك الاختلاف الراقي المتعالي على الأهواء، والصغائر.. وإنما كان قائماً على البحث عن الحقيقة.. وظلت العلاقة بيننا وبينك موصولة.. فكنت بين الحين والحين تسأل عن الطلبة حيث كنت حفياً بهم، وتسأل عن المجلة الثقافية وكأنها مجلتك.. وحينما عدتُ إلى الرياض عرضت عليّ أشياء كثيرة، وأكرمتني، وكرمتني كرّم الله مثواك.. فهل أُلام أن أنعيك وأرثيك:

لقد لامني عند القبور على البكا

رفيقي لتذراف الدموع السوافك

وقال أتبكى كل قبر رأيته

لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك

فقلت له إن الشجا يبعث البكا

ذروني فهذا كله قبر مالك

* أبا سهيل لقد غادرتنا ومات جسدك ولكنك ستظل حياً بيننا، فأنت كما أسلفت رواية طويلة اكتملت فصولها بيوم رحيلك.. رواية مليئة بالأحداث، والابداع وستقرأها الأجيال جيلاً بعد جيل..

رحمك الله.. وحشرك في زمرة الأبرار، وجعل ما أصابك تمحيصاً، وتكفيراً، وأجراً.. ونستودعك رباً غفوراً رحيماً، لطيفاً بعباده.. ولله الحمد من قبل ومن بعد..

عبدالله الصغير
08-20-2010, 09:39 AM
«غازي»... فصل في كتاب التنمية
الحياة اللندنية
gmt 0:40:00 2010 الجمعة 20 أغسطس


عبدالله بن ربيعان


لم يكن المرحوم غازي القصيبي مسؤولاً عادياً، بل إن الرجل كان استثناءً في كل منصب تسلمه، وكان يحدث ما يشبه «الثورة» في المكان الذي يعمل فيه. وإن كانت «الكاريزما» والحضور الطاغي لغازي هما شهادة مروره نحو المناصب، إلا أن الكفاءة والإنتاجية والنزاهة ونظافة اليد كانت الثمن الذي دفعه غازي لكل الكراسي التي جلس عليها. وأنعم به من ثمن. فلم يذكر أن غازي سعى لمصلحة شخصية من وراء المناصب التي تسنمها، أو وظف قريباً شهادته القرابة فقط، أو أعطى مشروعاً لجهة اعتماداً على معايير الصداقة والمحسوبية، بل كان شعاره النزاهة ونظافة اليد وتحقيق مصلحة العمل من دون أي اعتبارات أخرى، وهذا ما شهد به أعداء غازي قبل أصدقائه، واعترف له به مناوئوه قبل محبيه.

وعلى المستوى الإداري، كان غازي رحمه الله رجلاً يعشق تحقيق الإنجازات، وكان متخذ قرار من الطراز الأول. فمما يذكره لي أحد كبار السن ممن عاصروا تولي غازي لوزارة الصناعة والكهرباء، أن كثيراً من حارات الرياض كانت موصولة بسلك كهربائي واحد يخرج من منزل إلى آخر. وكانت الكهرباء كثيراً ما تنطفئ نتيجة للتحميل الزائد، وبعد مجيء غازي بخمسة أشهر، تم حفر الكيابل ووصلت الكهرباء إلى كل بيت، وما زالت كثير من الكيابل الأرضية تعمل منذ عهد غازي إلى اليوم، ومما يذكر عنه أنه كان يرافق العمال في أعالي جبال الجنوب ومنحدراتها، حتى استبدلت ربات البيوت الطينية السرج والفوانيس بمصباح أديسون، وقلوبهن تلهج بالدعاء لغازي. وعلى رغم قصر مدته التي قضاها في وزارة الصحة، إلا أنه أول إداري سعودي يقوم بجولات فجائية متنكراً، ليرى استقبال الأطباء وعنايتهم، ومما يذكره أحد أقربائي أنه زار مستشفى شقراء متنكراً في زي رجل كبير السن رث الثياب، ولم يجد في الطوارئ طبيباً مناوباً ولا إدارياً مشرفاً، فأصدر قراراً بفصل ومعاقبة كثير من الأطباء والطاقم الإداري في المستشفى.

وأما عن قراءته للمستقبل، فلعل في قصة إنشاء «سابك» ما يثبت بعد نظر الرجل وتخطيطه للزمن المقبل وعشقه للتحدي.

يقول في «حياة في الإدارة»: «كل الكيانات التي عاصرتها قريبة من قلبي، ولكن سابك تحتل موقعاً خاصاً لا ينافسها فيه منافس. من ناحية بدأت سابك معي ولم تكن قبلي، ومن ناحية ثانية عاصرت ولادة سابك ثانية فثانية. كتبت المسودة الأولى لنظامها بخط يدي، وراجعت المسودة النهائية مع رئيس شعبة الخبراء الصديق الدكتور مطلب النفيسة كلمة كلمة. ومن ناحية ثالثة لم تعكس أية مؤسسة فلسفتي في الإدارة كما عكستها سابك».

ويقول عن رؤيته الإدارية لسابك: «لم أرد لسابك أن تكون كياناً متضخماً مترهلاً يعج بالمئات ثم بالآلاف. كل من رأى حجم المشاريع الكبير وعدد الموظفين الصغير كان يصاب بالذهول. وكان القرار أن سابك شركة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يجب أن تتصرف كما تتصرف الشركات، ويجب أن يفكر كل من فيها كما يفكر أصحاب الشركات. لم يكن هدفي إنشاء مؤسسة حكومية تتهرب من الأنظمة مستترة باسم الشركة. كان هدفي إنشاء شركة تجارية لا توجد بينها وبين مؤسسات الحكومة أي شبه. كنت عندما أدخل مبنى سابك - وكنت أدخله مرة في الأسبوع على الأقل - أذكر نفسي بأنني لا أدخله وزيراً ولكن رئيس لمجلس إدارة شركة تجارية».

والأكيد أنه لولا رؤية غازي هذه، لما كانت سابك قائدة ورائدة شركات البتروكيماويات في المنطقة، ولخسرناها كما خسرنا غيرها.

وسأتجاوز مرحلة غازي السفير إلى مرحلة وزارة غازي الرابعة في وزارة العمل. فعلى رغم التحدي وصراع لوبي التأشيرات والتهديد بنقل المشاريع إلى دبي والدول المجاورة، إلا أن رد القصيبي عليهم كان بارداً ومتحدياً وقال بالحرف الواحد إنه «سيحتفل مع من أراد الرحيل وأغلق مصنعه أو شركته». والإنجاز الوحيد الذي حُقق هو انخفاض معدلات الاستقدام شهراً بعد آخر من دون توظيف للسعوديين خلال وزارة القصيبي للعمل.

ومما أذكره أن غازي هوجم هجوماً عنيفاً بعد كلمته في منتدى جدة الاقتصادي، ووصفه أحدهم بالـ«بعبع» وهو ما أغضبه، ليرد بقوله: «إن أردتني أن أجيبك فلا تصفني بالبعبع، والألفاظ العربية واسعة»، ثم هاجمته سيدة محامية من الحضور فرد ضاحكاً: «إنه من الصعوبة أن تجادل امرأة، ومن الجنون أن تجادل محامية».

وسأله أحد الشباب إن كان هناك من يقبل ان يزوج أخته سباكاً، فرد غازي إنه شخصياً يقبل أن يزوّج أخته سباكاً «بشرط يشوفها أولاً»، وضحك الجميع ودوت القاعة بالتصفيق لحضور وبديهة غازي.

رحم الله غازي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه العزاء والسلوان، فسيظل فصلاً ناصع البياض في صفحات كتاب التنمية السعودية، يرويه الجيل الحالي للأجيال المقبلة.

عبدالله الصغير
08-20-2010, 09:41 AM
غازي القصيبي.. تنويري قبل الأوان
القبس الكويتية
gmt 0:14:00 2010 الجمعة 20 أغسطس


عبدالعزيز التويجري


ثمة أفراد يؤدون دور مؤسسات كاملة، يتركون في كل رواق من أروقة الحياة بصمة لا يمحوها الزمان، ومنهم الدكتور الراحل غازي القصيبي الذي كان صديقاً متميزاً للكويت، أحبها واحبته، وقال فيها أعذب القصائد. لقد تمثلت شجاعة الدكتور القصيبي الفكرية في كونه حمل عقلاً تنويرياً في أوقات صعبة وحرجة، كانت فيها عبارة التنوير تشكل قلقاً للكثيرين، وميزته ان أفكاره التنويرية لم تبق حبيسة عقله، ولا مجرد مسودات في دفاتره وادراجه، بل طبقها على أرض الواقع فحين تقلد المناصب الوزارية بدءا من وزارة الصحة وصولا إلى وزارة العمل، طبق هذا الفكر بحذافيره.
كانت حياته مزيجاً غريباً من حرص وحذر عليه ان يتحلى بهما كدبلوماسي، وسياسي، وبين انطلاقته وصراحته وشفافيته وجرأته في أعماله الأدبية أو في طرحه الثقافي، ومن يقرأ رواية «شقة الحرية» يدرك معنى هذا الكلام.
وكانت خطوة جيدة تلك التي أطلقتها الجهات المعنية في المملكة العربية السعودية بان سمحت بكل كتبه، فالدكتور القصيبي من الأدباء الذين يوظفون الفكرة الجريئة في محلها، وليس بغرض التسويق الذي لا يحتاجه أصلا، فشهرته وتاريخه يقدمانه للجمهور بالصورة المثلى.
الذين عايشوا القصيبي تحدثوا عن اسلوبه المتطور في فن الادارة، فهو ليس سياسيا تقليديا، بل لديه ثقافة الادارة، وربما نتمكن من تعميم هذا النموذج، خصوصاً ان الراحل ترك كتابا في علم الادارة، وترك اسلوبا متفردا يمكن النهل منه.
كان قريباً جداً من الكويت، وله معها مواقف مشهودة، ولذلك استحق عن جدارة وسامها من الطبقة الممتازة، وفي اثناء الغزو الآثم، كان القصيبي بعيد النظر، فتنبأ بالتحرير، بل كان مؤكدا له حين قال في قصيدة له بعنوان «الحمامة والكابوس»:
«أقسمت يا كويت
برب هذا البيت
سترجعين من بنادق الغزاة أغنية رائعة
كروعة الحياة
أقسمت يا كويت برب هذا البيت
سترجعين من جحافل التتار
حمامة رائعة
كروعة النهار».

***
• ومضة:

في أسبوع واحد تقريباً رحل ثلاثة أدباء عن عالمنا، آخذين معهم أجسادهم فقط، وتاركين لنا ارثا ابداعياً متميزاً، رحمهم الله: من الجزائر الطاهر وطار ومن السعودية د. غازي القصيبي ومن الكويت أحمد السقاف.

عبدالله الصغير
08-20-2010, 10:26 AM
أمراء ووزراء ومواطنون يعزون أبناء فقيد الوطن غازي القصيبي ويستعرضون مآثره

ابناء القصيبي يتلقون العزاء في فقيد الوطن أمس في الرياض
تغطية علي الحضان عدسة عبداللطيف الحمدان

توافد أصحاب السمو الأمراء والمعالي الوزراء إلى منزل فهد بن عبدالرحمن القصيبي رحمه الله الواقع في الملز بشارع الفرزدق جنوب معهد الإدارة العامة بالرياض لتقديم العزاء في معالي الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي وكان في استقبال المعزين أبناء الفقيد وأخوه.

وقدم جميع المعزين من الأمراء والوزراء وأعداد كبيرة من المواطنين عزاءهم في فقيد الوطن ودعوا له بالمغفرة فيما كان حديث المعزين فيما بينهم عن مناقب وصفات الفقيد معالي الدكتور غازي القصيبي وزير العمل وقدم أبناء الفقيد خالص شكرهم للمعزين الذي كان لحضورهم الأثر الكبير في تخفيف مصابهم الجلل.

"الرياض" التقت بعدد من المعزين وقال الدكتور عبدالعزيز السبيل: لا شك أن الدكتور غازي القصيبي فقيد الأمة العربية رجل ذهب جسداً لكنه بقي تراثاً كبيراً ملأ الساحة بإنتاجه الشعري والروائي والفكري ولذلك كثيرون يعرفون غازي القصيبي لكنهم يحتاجون إلى أن يقرأوا غازي بتمعن ليتعرفوا عليه أكثر، غازي ذو جوانب كثيرة وليس شخصاً بل مجموعة من المبدعين في كافة صنوف الحياة لذلك حينما نفتقد غازي فنحن نفتقد جزءاً من همنا العربي ولكنه إن غاب جسداً فتراثه لازال بيننا ويحتاج منا إلى مزيد من الدراسة والبحث وأعتقد أن من حقه علينا أن تعرف جميع الأجيال من هو غازي القصيبي وهذا على كافة مستويات الناس في جوانب إدارية وجوانب إبداعية، غازي القصيبي لا أحد يتعامل معه بصفته مبدعاً من المملكة العربية السعودية وإنما يتعاملون معه بصفته مبدعاً عربياً، وقال الدكتور السبيل إن الفقيد تجاوز الحدود الجغرافية ولم يقف عند حد العالم العربي وإنما ترجمت بعض أعماله إلى اللغات الحية ولذلك فقد أصبح نجماً عالمياً إلى حد كبير فالكل أتى ليعزي نفسه لا ليعزي أبناءه فقط وهذا لسان الجميع لأننا كلنا إما إخوان لغازي أو أبناءٌ لغازي أو تلاميذ لغازي رحم الله غازي رحمة واسعة.

جميله
08-21-2010, 10:05 PM
أخبار / خليجية غيابه خلق حالة حضور نادرة في الصحافة العربية
مثقفون وكتاب: القصيبي قلب المحاولة... قلب الحياة
إيلاف من الرياض
gmt 21:30:00 2010 الخميس 19 أغسطس


"لا تدوم الحلبات للملاكم اللامع" هكذا وُصف صاحب "شقة الحرية" من الكاتب غسان شربل، فيما غير أديب وكاتب وأكاديمي رثوا الراحل لا بالكلمات بل بالقيم التي عبرت عنها شخصيته، فهو الحر الذي فتح باب الحرية من دون مقابل، وهو طاهر اليد، والوزير العنيد والمشاكس، وهو محب الحياة ومصدر الأمل وصاحب القضية، والمؤسس وصاحب الأثر في الشعر والأدب والسياسة.

فكان بذلك المثقف الذي لا يموت بموراة الجسد الثرى.

وبدا أبرز ما ميز الراحل "غازي القصيبي" في حياته كما في مماته هو ذلك الاجماع المترامي الأطراف على شخصه، بدا إجماعا استثنائيا؛ أخذ من الثقافة والأدب والعمل ورحلة الكفاح الكثير ومن شخصية الراحل وإنسانيته ما هو أكثر.

ويمكن لأي متابع أن يرى ذلك الإجماع في مشهد نادر يتجلي في تغطيات الصحف العربية لخبر وفاته بداية ومن ثم تغطياتها الموسعة التي تركزت على شخصه ومنجزه الأدبي والمعرفي ودوره وشخصيته. فكان ما كتب عنه بمثابة حبال زينة أجادت توديعه وزفه إلى مثواه الأخير.

وفيما يلي سياحة في أهم المقالات التي قدمتها الصحف كافتتاحيات خاصة أو ما اجترحه أصحاب أعمدة الرأي والمختصين عن فعل غياب الأديب والوزير والمثقف الليبرالي السعودي غازي القصيبي.. أليس كل غياب حالة حضور؟




ملفات إيلاف: في رحيل غازي القصيبي

الأخبار اللبنانية.. ترك ساحة المعركة

نبدأ من الأخبار البنانية التي قدمت تغطية مميزة جاء أبرزها في مقال "بدر الإبراهيم" الذي عنون "غازي القصيبي ترك ساحة المعركة.. أحد الوجوه الرائدة في الثقافة السعوديّة".

حيث ذكر الكاتب أن صاحب «شقة الحريّة» لم يكن أفضل روائيي السعودية ولا أعظم شعرائها، لكنه كان الأكثر حضوراً وإثارةً للجدل. الدبلوماسي والوزير والكاتب الذي رحل يوم الأحد بعد صراع مع المرض، خاض معارك لا تحصى، وترك وراءه إنتاجاً أدبياً غزيراً.ومما جاء في مقال بدر الإبراهيم:

غازي القصيبي (1940 ــــ 2010) ليس رجلاً عادياً. لذلك لا يمكن أن يكون غيابه عن المشهد السعودي عادياً. صاحب المواهب المتعددة أغمض عينيه للمرّة الأخيرة أول من أمس، بعد رحلة طويلة ترك فيها أثراً مهماً في مجالات عدة، من الشعر والرواية إلى الدبلوماسية والوزارات المتعددة التي تقلّدها في حياته.

لم يكن أفضل الروائيين ولا أعظم الشعراء الذين أنجبتهم السعودية، لكنه كان أكثرهم إثارةً للجدل. وقد سمح له عمله العام، وإنجازاته الوزارية في نهاية السبعينيات، باكتساب شعبيةٍ إضافية جعلت حصر شهرته في الإطار الأدبي أمراً صعباً.

لقد كان ذكاؤه في التعاطي مع الإعلام سبباً لبروزه على حساب آخرين يفوقونه موهبة ربما، إضافةً إلى غزارة إنتاجه وتعرّض الكثير من أعماله للمنع الرقابي. كذلك، كان دخوله في صراعاتٍ شرسة مع تيار الصحوة الدينية عاملاً إضافياً لإثارة المزيد من الجدل حول شعره ورواياته.

صاحب «العصفورية» الذي تجاوز السبعين، رحل بعد صراع مع المرض استمر عاماً لم يتوقف خلاله عن الكتابة. وكان لرحيله أثر بالغ في الوسط الثقافي السعودي، هو الذي كان يُعدُّ من أهم من يذكرون عند استعادة الأدب السعودي المعاصر.

اشتُهِرَ في بداياته شاعراً، وصدرت له دواوين عدة: «اللون عن الأوراد»، و«أشعار من جزائر اللؤلؤ»... لكن ديوان «معركة بلا راية» يبقى الأشهر بالنظر إلى الضجة التي أثارها عند صدوره في بداية السبعينيات، إذ توافد المعترضون من المتدينين والمحافظين إلى الملك فيصل لحثّه على معاقبة الشاعر، وأُلّفت لجنة وزارية لمحاكمة الديوان انتهت إلى عدم وجود ما «يتعارض» مع الدين والخلق.

كذلك، كان للشعر أثر كبير في حياة غازي الوزارية. بعد نشر قصيدته الشهيرة «رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة» التي عاتب فيها الملك فهد لاستماعه إلى «الوشاة»، أُعفي من منصبه الوزاري قبل أن يصبح سفيراً في البحرين.

وخلال الانتفاضة الثانية في الأراضي المحتلّة، كتب قصيدة امتدح فيها العمليات الاستشهادية في فلسطين، ذاكراً بالاسم الاستشهادية آيات الأخرس. وكانت النتيجة أن طالبت بريطانيا بإقالته من منصبه سفيراً للملكة السعوديّة فيها... هكذا عاد إلى الرياض معرباً عن عدم دهشته: «ما من موقف يمرّ بلا ثمن».

في منتصف التسعينيات، أصدر باكورته الروائية «شقة الحرية» (الريس ـــ 1994) التي تحكي قصة أربعة شبان من البحرين يكملون دراستهم الجامعية في القاهرة. وعزز القصيبي في هذه الرواية صورة «الناصري التائب» التي اكتسبها بكتاباته السابقة وبسلوكه السياسي. وكانت الرواية نسخة سعودية عن أدب «عودة الوعي» الذي انتشر في العالم العربي بعد النكسة، ويُدين «الحلم الخادع» الذي عاشه الجمهور العربي في فترة الستينيات، ويكرّس ثقافة الهزيمة.

هذه الرواية نالت شهرةً واسعة، وطُبعت مراراً، وتحولت إلى مسلسل تلفزيوني. ورغم أنها تحاكم الناصرية وتمجّد خصومها (بطريقة غير منطقية وساذجة أحياناً)، فإنها ظلت ممنوعة لفترة طويلة في السعودية قبل السماح بها في السنوات الأخيرة.

ثم توالت الأعمال الروائية، فكانت «العصفورية» و«أبو شلاخ البرمائي»، وقد جنح فيهما إلى السخرية اللاذعة من الأوضاع العربية، وأصدر رواية «دنسكو» التي ينتقد فيها الأونيسكو بعد فشله في الوصول إلى منصب مدير هذه المنظمة الدولية. كذلك أصدر «سبعة»، و«سعادة السفير»، و«الجنية».

إلى جانب الشعر والرواية، كتب مجموعة كتب ضَمَّنها مقالات متنوعة، بعضها نُشر في الصحف، أشهرها «في عين العاصفة» وهي سلسلة مقالات كتبها أثناء حرب الخليج الثانية. كذلك دخل في جدل فكري مع مجموعة من مشايخ الصحوة الدينية مثل ناصر العمر وسلمان العودة في كتاب «حتى لا تكون فتنة» الذي أثار نقاشاً واسعاً في السعودية. نشر القصيبي أيضاً جوانب من حياته الإدارية التي تنقّل فيها بين الجامعة والوزارة والسفارة في كتابه «حياة في الإدارة». وأحياناً كان ينشر خواطر في كتيّبات صغيرة، ما جعل إنتاجه شبه سنوي.

كانت للقصيبي قدرة عجيبة على تنظيم الوقت. إلى جانب مسؤولياته المتعددة، لم يترك الكتابة والشعر. وقد نجح نجاحاً ملحوظاً في معظم المجالات التي دخلها، بغض النظر عن قيمة أعماله الكتابية والإدارية. وكان أذكى من تعاطى مع الإعلام، فتحوّل ظاهرةً على المستوى السعودي. مهما اختلفت الآراء بشأن الرجل، يبقى الإقرار واجباً بكونه ترك بصمةً حقيقية في التاريخ السعودي، شعراً ونثراً وحياةً إدارية.

رحل القصيبي، وترك ما كتبه إرثاً. هكذا أراد، وعبّر عن إرادته هذه في قصيدته الوداعية «حديقة الغروب»: «لا تتبعيني... دعيني... واقرئي كتبي، فبين أوراقها تلقاكِ أخباري». غيابه سيترك بلا شك فراغاً على الساحة السعوديّة والعربيّة...

الحياة اللندنية.. طوفان من مشاعر الحزن

صحيفة الحياة اللندنية قدمت مجموعة كبيرة من مقالات الرأي التي تنوعت خلفيات كتابها والأجيال التي عبرت عنهم، فكتبت "طفول العقبي" الكاتبة السعودية من لندن مقالا عنونته: "غازي القصيبي ... أيقونة الخلود" جاء فيه:

مغويةٌ هي الحياة! تترك لنا تلك المساحة من السراب اللا متناهي، نركض في دهاليزه، نشرب من ينبوعه، يتعاقبنا نهاره وليله. لا نشعر بأن عجلة الحياة ستقف يوماً أو على حين غِرّةٍ، هكذا من دون مقدماتٍ ولا مبررات!

في صباح الخامس من رمضان ضجّ رنين هاتفي بترنيماتِ حزنٍ مفاجئة! مخيفٌ أن تشعر بأن الغياب غيابٌ أبديٌ وليس موقتاً تماماً كما نتمنى أو كما يمنينا الأمل!

تمر أمامي صورٌ مختلفة! تختلط ثم تنطلق في الفضاء وتتناثر كنجومٍ مشعة كقناديلَ مشتعلةٍ كأكاليلَ من العوسجِ والياسمين. غازي القصيبي عرّابي وأبي الروحي، هذا الاسم الذي يحمل في ثناياه جزراً من اللؤلؤ وعناقيدَ من التجارب المميزة التي تتدلى اليوم فوق عرش نعشه مشكِّلة أيقونةَ الخلود.

لا أعرف من أين لي أن أبدأ وكيف سأنتهي! وأنا أقف حائرة أمام المشهد أحاول أن أطرد تلك الغيوم الملبّدة فوق عيوني.

غازي القصيبي تلك القامة الفارهة، وذلك الغصن العنيد في خضرته. غازي القصيبي رجل الإدارة المحنّك، السياسي غير المسيّس، الشاعر العذب، الطفل الشقي، الشاب المتمرد، الصديق الحاضر، الجار السخي، والمستقبل الذي نحلم أن يكون.

أطالع الصحف وتتردد أمامي كلمة رحل ورحيل تربكني هذه الكلمة بكل ما تحمله من معنى أبدي وقاسٍ للغياب. أهرع إلى مكتبتي التي تصطف في الجزء العلوي منها كتب غازي شعراً ونثراً فكراً وأدباً، كانت كل تلك الإهداءات المميزة باسمي بمثابة أجنحة للحلم، أعماله الناجحة والتي جعلتني أبكي أحياناً وأضحك بصوت عالٍ أحياناً أخرى تطل عليّ من نوافذه المشرَعة من بين أغلفة كتبه المفزوعة اليوم، شعرت بأن أيدي غازي الكثيرة امتدت إليّ ربتَت على كتفي. حينها تأكدت أن غازي لم يرحل ولن يرحل، هو باقٍ فينا، يعلمنا ويخجلنا بمواقفه وتجاربه التي لم يتركها لنفسه بل أشرك بها أجيالاً وأجيالاً.

كشريط سينمائي تمر أمامي صورُ غازي القصيبي، أتذكره عندما تسلّم وزارة العمل وزيراً (كووول) يلبس الجينز والقبعة الشبابية وبضحكته المجلجلة يشارك الشباب العمل بعفوية فنان واستراتيجية إداري يطمح أن يغير الوطن للأفضل.

أتذكره في تلك المقابلة الفذّة له مع كوثر البشراوي على قناة الـ mbc أواخر التسعينات حينها وعلى رغم صغري العمري هتفت من أعماقي بصوت عالٍ لابد أن أقابل هذا الشاعر الساحر. وقد ظننت أن تلكَ الأمنية الطفلة ضاعت وسط ضحكات أسرتي من أمنيتي لحظتها واحمرار وجهي. غير أنه لا يلبث أن يشاء القدرُ فتشرق شمس غازي على عالمي بسخاء، كان ذلك قبل أقل من عامين، كنت أحاول أن ألمح تلك الخلطة الساحرة التي تمتع بها غازي وهو يسألني عن أحلام الشباب وأمانينا للوطن وللمستقبل، كان يستمع إليّ بحنوّ أبٍ، بخشوع راهبٍ، وبإنصات صديقٍ. واليوم وأنا أشهد عبَرات العصافير وبكاء السماء لرحيله، تحيط بي صور غازي المتعددة وتطل على أفقي من جديد، ستظل رسالته لي عن كتابي الأول «طفولة سعودية» مدخراً ملهماً وسيظل مداد القلم الذي أهداني مشكاة ضوءاً لا ينضب.

لم يعبر غازي الحياة ليرحل! عبر غازي الحياة ليبقى يحيا بداخلنا الأمل بالأمس واليوم وغداً.



أما الناقد "شوقي بزيع" فكتب مقالا نقديا في الحياة عنونه "الديوان الذي باغت القصيبي به نفسه!" حيث جاء فيه:

لم يسبق لي أن تعرفت إلى الشاعر السعودي الراحل غازي القصيبي معرفة شخصية ولا شاءت الصدف ان ألتقي به ولو مرة واحدة خلال ملتقيات الشعر العربي ومهرجاناته. لكن ذلك لم يكن ليمنعني بأي حال من قراءة الكثير من مجموعاته ومؤلفاته الشعرية والأدبية التي ظلت تحتفظ لنفسها بنكهة مميزة هي أقرب الى الرشاقة والرقة والهم الجمالي منها الى الشعرية المتصلة بالكدح الذهني والمعادلات العقلية والفلسفية. لقد بدا الشعر في معظم أعمال القصيبي محاولة دائبة لجعل الحياة أكثر خفة وقابلية لأن تعاش في عالم القسوة والفظاظة وخراب القيم. وهو قد توسل لتحقيق ذلك لغة شفافة وآهلة بالإيقاعات والقوافي المتناغمة مع حاجة الشاعر الى الفرح والاستكانة ومعابثة العالم. وكانت لغته اللينة وتلويناته الصورية والصوتية تقربه الى حد بعيد من مناخات الكتابة «الشامية» التي تجمع بين طراوة نزار قباني وحسينة الكرنفالية الشهوانية من جهة وبين المدرسة الجمالية اللبنانية التي تحتفي باللغة المصقولة وأناقة التعبير وتوشيته من جهة أخرى.

تقع تجربة غازي القصيبي، بشقيها الخليلي والتفعيلي، في خانة ما يمكن تسميته بالكلاسيكية الجديدة. لذلك ظلت علاقته بشعراء الحداثة ملتبسة ومحكومة بالتوجس المتبادل. ومع ذلك، فإن قلة من الشعراء والمتابعين قد انتبهوا الى النقلة المفاجئة وغير المتوقعة التي حققها الشاعر من خلال مجموعته الاستثنائية «سحيم» التي أطلقت شاعريته، المحافظة نسبياً، من عقالها ووضعتها في قلب الحداثة الشعرية العربية. فنحن هنا امام عمل شعري شديد التكامل والتنوع والتناغم بين عناصره. ذلك ان الشاعر استطاع من جهة ان يطلق قصة سحيم، عبد بني الحسحاس، الذي عُرف بفحولته وجاذبيته النسائية وسطوته على النساء البيضاوات، من إطارها الزمني الظرفي الى فضاء المطلق ورحابته. انها المعادل الآخر لقصة عنتر العبسي سوى ان سحيم لم يقسم فحولته بين النساء والسيوف ولم يتعرف إلى لمعان ثغورهن بل من خلال المغامرات العاطفية المشبوبة التي جعلته لا يرتضي بامرأة واحدة. انه مزيج من عنترة وعمر بن ابي ربيعة، من الانتقام للسواد المهان عند الأول ومن الوصف الحسي وتلمس السعادة عبر الجسد الأنثوي المتكرر الظلال عند الثاني.

غير ان بيت القصيد في هذه المجموعة ليست القصة او الفكرة وحدها بل ذلك الانسياب الشعري الذي يتدافع كالنهر من أول الحكاية حتى آخرها ومن مقطع الى مقطع. ثمة تداخل في الأصوات والأزمنة والضمائر بقدر ما تتداخل الرؤى والأطياف والمشاعر المتناقضة والملتبسة، وبقدر ما تتداخل ايضاً ابيات سحيم بسطور القصيبي ووجدانه بوجدانه والأنا الأولى بالأنا الثانية في عملية تماهٍ نادرة. في هذه المجموعة تتحد الأضداد وتتصارع الخيارات فوق سطح واحد: الخير والشر، الجسد والروح، الذكورة والأنوثة والحرية والاستعباد:

«أنا عبد وحرُّ/ سميّة كانت مليكة كل النساء/ وكنت أنا العبد، كنت/ مليك جميع الرجال/ وحين اعتنقنا تصادم ليلٌ وفجرُ/ وفي الانفجار تحوّلت الأرض عرساً/ وجاء الشهود».

وكما الرؤية والمعنى كذلك اللغة والأسلوب والجسد البلاغي للنص. فالشاعر الذي يسلم القياد للتداعي العفوي في السرد واللفظ والتقفية يعمد أحياناً الى استخدام مهاراته البلاغية من خلال الطباق والجناس والإحالة والتناظر. لكن ذلك يأتي بلا كلفة ولا افتعال لا بل انه يصب في خدمة المعنى وتطوير الدلالة، كما هو في المقطع التالي الذي يلعب فيه الشاعر، عبر قناعه التاريخي، على اسم «سمية» واشتقاقاته الكثيرة والمؤثرة بما يخدم المعنى والقصد من ناحية ويخلق من خلال تكرار الحروف الصوتية مناخاً موسيقياً بالغ الجمال من جهة أخرى:

وأهمية مثل هذه النصوص انها لا تنجح في الإفلات من الآثار الجانبية السلبية للمحسنات البديعية والتزيين البلاغي والمهارات اللفظية فحسب بل انها تنجح في تطويع الشكل وترشيقه. بما يتلاءم مع طبيعة الموقف المعبَّر عنه والمعنى المراد إيصاله الى القارئ. كما ان تكرار حرف السين، وهو حرف صوتي بامتياز، يحول الشعر هنا الى نوع من الزقزقة التي تشبه زقزقة العصافير، والتي تتوافق أتم التوافق مع حالة العشق والوله التي يعبر عنها القصيبي بلسان بطله الذي يعرف كيف يتلاعب عن طريق اللغة بمشاعر النساء وعواطفهن. فالقصيبي يعرف بحسه الذكوري وخبرته العاطفية وحساسيته الشعرية المفرطة ان اللغة هي إحدى المفاتيح الأكثر نجاعة وفاعلية لولوج قلب المرأة والاستحواذ على إعجابها ولأنه يتقاسم مع سحيم افتتانه بالنساء وباللغة على حد سواء فهو يحول بطله «الاستشهادي» الى قناع له ويحمله بالتالي كل ما يختزنه في داخله من لواعج وشجون إزاء النساء اللواتي أحبهن واللواتي يتحولن الى ظلال متعددة لروح الانوثة الابدية التي تجرنا وراءها، كما يقول الشاعر الألماني غوته. وليس من الغرابة تبعاً لذلك أن تتعدد أسماء الحبيبات المقصودات بالخطاب بين سمية وأسماء وعميرة ومي وهند وبثينة وغيرهن فيما يحافظ الخطاب الشعري على وتيرته الساخنة والقلب على توتره وخفقانه. وحين يخطئ سحيم من دون قصد في تسمية احدى عشيقاته التي تسارع الى لومه ومعاتبته يقول لها: «أنا، هند، عبد الجميلات/أصبو لكل الجميلات/ لكن بعض الجميلات يعبرن مثل السحابة/ بعض الجميلات يرسخن في الروح كالنخل...».

ثمة في ديوان «سحيم» ما يظهر معرفة الشاعر العميقة بعلم النفس وبالكثير من وجوه التحليل النفسي لشخصية سحيم كما للشخصيات الأخرى. فسحيم لا يجد ما يرد به على استعباده من قبل بني الحسحاس كما على سواد لونه سوى شعوره العارم بفحولة طاغية لا يمتلكها أسياده المترهلون من الترف، لذلك فإن اندفاعه الشهواني الأهوج يجيء انتقاماً من هؤلاء الاسياد المستبدين من جهة وهجوماً على الحياة الجائرة التي حرمته من حقوقه الانسانية المختلفة من جهة أخرى. كأن سحيماً هنا يواجه سلطة المجتمع الاستبدادي والعنصري عبر سلطتين اثنتين توفرتا له في آن هما سلطة اللغة والجسد الفتي، وكلاهما معاً ضرب من ضروب الفحولة.

أما الوجه الآخر للتحليل النفسي فيظهر من خلال افتتان نساء بني الحسحاس بعبد قبيلتهن الأسود متجاوزات عقدة التفوق الاجتماعي وعقدة اللون والوسامة والشكل. فالنساء اللواتي افتتن بسحيم لم يفعلن ذلك بسبب وسامته النادرة، كما الحال بالنسبة لزليخة ويوسف النبي، بل لسبب معاكس تماماً ومتصل بجمال القبح، إذا جاز التعبير، حيث ينجح هذا الأخير في استثارة الغرائز الفطرية والشهوات غير المروضة. وهذه الظاهرة يتكرر التعبير عنها في الآداب العالمية المختلفة حيث يتكفل كل من الشهوة والحب في ازالة الفوارق بين الطبقات والأعراق والأعمار. اضافة الى مسالة أخرى تتعلق بما يمكن أن نسميه «حسن الغريب». فالعادة عدوة الجمال، كما يقول بعض المفكرين، لأنها تفسده بالتكرار والرتابة الباعثين على الضجر، في حين أن الغريب والوافد يحتفظ بسحره الخاص الناجم عن الغموض والمباغتة والفضول. وهو ما نرى نظائره في «ألف ليلة وليلة» حيث النساء، كما المدن، يسلسن قيادهن وزمام أمورهن للغريب الوافد.

ثمة بعد قدري في شخصية سحيم، كما يرسمها بنجاح غازي القصيبي، حيث يبدو البطل مشدوداً الى مصيره المأسوي من دون إبطاء وحيث تقوم علاقة ثنائية جدلية بين الحب والموت وبين الشهوة والألم، وهو ما يظهر في غير موقع من الديوان. فحين تطلب أم سحيم من ابنها أن يعلن ندمه وتوبته يرفض الأمر لأنه يرفض أن يخون معنى حياته الموزع بالتساوي بين الشعر والغيد، وفق تعبير الشاعر. وإذ تبدي أم الشاعر خوفها عليه من الاغتيال والقتل يتساءل مندهشاً: «أموت؟ متى خفت من ضمة الموت؟!»، بما يجعل شخصية البطل تراجيدية بامتياز وقريبة من التراجيديا الإغريقية أو الشكسبيرية. لكنه في أي حال ليس وحيداً على جلجلة الحب القاتلة تلك بل ثمة كثيرون في صحراء العرب شاركوه ذلك المصير الفاجع بدءاً من العذريين الذين قادهم الحب الى الجنون والعزلة والهلاك ووصولاً الى وضاح اليمن الذي دفنه الوليد بن عبدالملك حياً في أقبية قصره بعد أن استشعر خيانته له.

يبقى القول أخيراً بأن غازي القصيبي في ديوانه «سحيم» قد ترك لنا ولقرائه جميعاً أحد أجمل دواوين الشعر العربي المعاصر. لكن هذا الديوان لم يكن مأثرة الشاعر فحسب بل كان مأزقه وتحديه ورهانه الأهم على مواجهة الموت.



كما كتب رئيس تحرير صحيفة الحياة اللندنية "غسان شربل" مقالا عنونه "كما تهرب نجمة" وجاء فيه:

هذه قصة قديمة. لا تتغير. لا تدوم الحلبات للملاكم اللامع. تكمن له. تراقبه مندفعاً يسدد الضربات. والأحلام. والأوهام. تخدعه وتحرضه. لينزف كل ما في عينيه من البرق. كل ما في دمه من المواعيد. كل ما في مخيلته من الأجراس. ثم تجلس تراقبه. تتراخى القبضة. يتقوس الجسد المديد. تهرم الالوان في قوس القزح. كان غازي القصيبي ملاكماً. يلاكم الحلبات وهي غدارة. ويلاكم العمر وهو غدار. ويلاكم الحبر وهو استاذ عريق في معهد الغدر القديم.

كان غازي القصيبي مصاباً بنار تقيم في داخله. انها النار التي تلازم الأنقياء الأقوياء. يريدون فتح نوافذ الغد لبلدانهم. ويريدون وقف مواسم القحط في امتهم. ويريدون عزل جينات الوهن. والتصدي للافكار التي تديم السلاسل وتنجب المزيد منها. كان من حزب النوافذ. يلتفت الى تاريخ الامة فيصيبه الغضب من اضاعتها درب المستقبل. ويصيبه الغضب ايضاً من اطباء متحجرين تساهم عقاقيرهم في تعميق آبار الظلام بدل ان تفتح كوة في الليل الشاسع المطبق على عقول الكبار ودفاتر الصغار.

بعض الرجال يمر كأنه لم يولد. لا يستفزه ظلم ولا يجرحه ظلام. لا يغويه برق ولا يستوقفه منعطف. لا تحفزه فكرة ولا تنتابه قصيدة او اغنية. لا يتحداه كتاب ولا تأسره عينان يعجز القاموس عن اسرهما. لم يكن غازي القصيبي من حزب السلامة. لم يستسغ العيش المهادن. والإقامة في مواقع المتفرجين. لا تبنى الاوطان على مناكب عشاق السلامة. ولا ينصاع الحبر لمن يفضل المظلة على المغامرة والمخاطرة.

كان غازي القصيبي مصاباً بنار تقيم في داخله ولا تنام. كان يريد ان يذهب ابعد. وان يكون مميزاً ومختلفاً اخلاصاً منه للعنة الأنقياء والأقوياء. لم يسمح لقفازات الديبلوماسية ان تغتال قدرته على الغضب حين يسترسل الظلم في غيه. ولم يسمح لانشغالات الوزير ان تدفع الشاعر الى النسيان والكاتب الى التقاعد. وببراعة صاغ ميزان التعايش في شخصه بين انشغالات واهتمامات واختلاجات. ميزان التعايش بين جدوى الواقعية وجدوى التمسك بالأحلام.

كان غازي القصيبي مصاباً بسلوك العاشق. وبهاجس الإنجاز. وكانت التحديات تضاعف عزمه وألقه. يهوى الاقامة «في عين العاصفة». ويستريح في «شقة الحرية». ولا يخشى ان يكون اول من يبادر وان تكاثرت عليه السهام. كان يستعذب الاقامة في قلب الجدل. وقلب المحاولة. وقلب الحياة.

في «الزهايمر» الاقصوصة التي خانه القلب قبل ايام من صدورها يلاعب الملاكم المسجى على الألم الموضوعات الكبرى: الموت والحب والنسيان والذكريات والشيخوخة. يستخدم اسماء واقنعة لكنها سرعان ما تسقط ليتكشف ان الملاكم يبوح بهواجسه واوجاعه.

كان غازي القصيبي مصاباً بلعنة اللامعين. يريد ان يترك بصمته اينما حلَّ. في مجلس سرعان ما يطغى حديث الادب فيه على حديث السياسة. وفي مكتب مشغول بالتقدم والاستقرار والتحديث وحماية الشباب السعودي ممن يصطادون في مناخات التعثر واليأس وانسداد الافق. كان السفير يختتم نهاره الطويل بالانفراد باوراقه. ومثله يفعل الوزير. الورقة البيضاء كانت حربه وسلامه. حبر العمر وذهب العمر. خيط الود مع محبيه وهم كثر. وخيط الحوار مع منتقديه وليسوا قلائل.

تعب الملاكم واتخذ الافق شكل يد تلوح. وعلى عادة الكبار غادر الشاعر هادئاً كما تهرب نجمة من تعب السهر لتنام بين سطرين.



كما كتب "زياد بن عبدالله الدريس" مقالا عنونه في جريدة الحياة "غازي القصيبي بين الحياة و«الحياة" وجاء فيه:

عنوان هذه المقالة وضعته الأسبوع الماضي ، حين استلمت نسخة من أحدث إصدارات غازي القصيبي : (الوزير المرافق)، من الصديق الكاتب يحي إمقاسم الذي عرض للكتاب الجديد عرضا ً موسعاً ومشوقا ً فوق التشويق القصيبي المعهود بالطبع (صحيفة الحياة 10/8/2010م).

قرأت العرض صباحا ً واستلمت الكتاب مساء ً. كنا نتحدث، يحي وأنا، عن حالة غازي الصحية الحرجة التي دعته لدخول العناية الفائقة.

قلت بما أن الوضع الصحي بلغ هذا الحرج فسأجعل مقالتي الأسبوع القادم فورا ً عن الكتاب، لعل غازي يسر بقراءة المقالة، وفي الحقيقة أني أنا الذي كنت أطمع أن أسر بقراءته لمقالتي هذه!

ولأن الوضع الصحي أصبح حرجا ً لدرجة ظهور العبارة المخيفة: «غازي بين الحياة والموت»، فقد قررت أن أجعل العنوان هو (غازي بين الحياة والحياة)، الحياة الأولى هي التي يزاولها سائر الناس والحياة الثانية هي التي يختص بها أمثال غازي القصيبي من الكائنات الحية التي تستمر حية حتى بعد موتها. كما لا يخلو العنوان من إسقاط على اسم صحيفة الحياة التي كانت آخر المحتفين بأعمال غازي قبل موته.

هذه هي حكاية المقالة وعنوانها، لكن القدر كان أقدر وخلال خمسة أيام بين ولادة هذه المقالة ووفاة ذلك الغازي، أن يحيلها إلى مقالة رثاء وتأبين .

عنصر الدهشة في كتاب (الوزير المرافق) ليس جَلَد القصيبي على الكتابة والتأليف حتى في أحلك الظروف، ولا أسلوبه السلس الذي ألفناه وعهدناه منه، ولا التقلبات المتمكنة والمحكمة له في مجالات الكتابة بين الرواية والسياسة والإدارة والسيرة والشعر، حتى إنه حيّر الناس وأربك الصحف فيما يمكن تسميته ووصفه به، فلم يجدوا أفضل من أن يصفوه بأنه: غازي القصيبي!

الدهشة في هذا الكتاب الأخير، أو ما قبل الأخير بالأصح، هو هذه القدرة المتقنة عند القصيبي للكتابة في مواطن الغضب والتأزم والمسكوت عنه. ثم يخرج سالماً معافى.

لطالما كُتب الكثير عن أزمة «ثنائية السياسي والكاتب»، وكيف يمكن للمثقف الكاتب حين يتحول إلى سياسي مسؤول أن يستمر في نهجه الكتابي دون أن يسبب حرجاً لمنصبه؟!

لم يكن المخرج من تلك الإشكالية سوى تحوّل الكتّاب المسؤولين إلى الكتابة في المناطق الرمادية تلك التي لا تثير نقعاً ولا صليلاً!

غازي القصيبي بمهارة مذهلة استطاع أن يقبض على المعادلة .. فيحتفظ بصورته المتفردة : كاتباً مثيرا ُ ومسؤولاً مرموقاً. في آن.

للحق، لم تتجل هذه المهارة القصيبية في كتابه الأخير فقط ، بل قرأناها في كتبه (حياة في الإدارة)، (سعادة السفير)، (أمريكا والسعودية)، (أبو شلاخ البرمائي) وغيرها من كتبه الأخرى المثيرة للجدل . الجدل عند الناس، لكن ليس عند غازي المتوافق والمتصالح مع نفسه .

في كتابه (الوزير المرافق) يتحدث عن جيمي كارتر وكأنه يتحدث عن زميله في الدراسة، أما انديرا غاندي فهي ابنة جيرانهم، والعقيد القذافي ولد حارتهم الشقي!

يصف كارتر بأنه (كان حريصا على إرضاء الجميع مهما كانت مذاهبهم ومشاربهم ، وقد انتهى به الأمر بإغضاب الجميع من كل المذاهب والمشارب)، لا يقول غازي هذا الوصف عن كارتر دون أن يحمّله رسالة مبطنة من قناعات غازي نفسه. وعلى نفس المنوال يروي عن أنديرا غاندي قولها: (لقد كانت الرغبة في فرض التطور غلطة الشاه الأساسية، وكانت غلطة أتاتورك قبله. لقد تصوروا أن التغيير يمكن أن يتم بقرار حكومي. هذه نظرة خاطئة. الناس أنفسهم هم الذين يحددون سرعة التغيير ولا يمكن أن تفرض عليهم الدولة أن يتغيروا حسب هواها)، هذا دون شك هو رأي وقناعة غاندي الهند وغاندي السعودية أيضا!

أما حديثه عن ومع العقيد المعقد فهو ما لا يمكنني الاقتباس منه لأنه كله اقتباس.



أما الكاتب عبدالعزيز السويد فكتب مقالا في صحيفة الحياة اللندنية عنونه "طهارة يد" جاء فيه:

ما الذي ميّز الدكتور غازي القصيبي عن غيره؟ ربما يقال، مع المنصب..، ثقافة برزت في جملة من المواهب الإبداعية، فهو لم يكن وزيراً وسفيراً فقط بل شاعراً وناثراً وروائياً، قد يكون في هذا جانب من الصحة، لكن هناك أمراً بل أموراً أخرى، بحسب تقديري، أولها أن القصيبي لم يكن متهافتاً على الكرسي، يمكن استشفاف ذلك من جملة مواقف، كتابه حياة في الإدارة واحد منها إذا وضعنا في الاعتبار الظروف التي نشر فيها، إنه أول كتاب - بحسب علمي- يخطه مسؤول عن كواليس العمل الإداري الأعلى، والمؤلف لا يزال في قمة العطاء، بمعنى أن له طموحاً مشروعاً ورؤية في التنمية، وفي الإدارة كان الدكتور غازي الوزير يفوض الصلاحيات لمساعديه إلا أن هيبته كانت موجودة وحاضرة، لأن تفويض الصلاحيات من دون حضور قوي قد يؤدي إلى نتائج سلبية، أما الميزة الأكبر بل الأعظم لشخصية القصيبي الفريدة فهي معاصرته مشاريع ضخمة وتولي بعضاً منها، في الصحة والكهرباء والصناعة بمشاريعها المتعددة، عايش طفرات ضخ مالي كبير ومع ذلك لم تظهر إشاعة واحدة تنال من ذمته المالية، طهارة اليد هذه جعلت حتى من تصيبهم الغيرة من حضوره - وكلنا بشر - لا يستطيعون سوى التوقف أمام هذا السد المنيع، وفي المقابل يتذكر من عرفه عن قرب من موظفي مكاتبه كيف كان يوزع راتبه على صغار موظفين، ويرسل لهم بطاقات التهنئة موقّعة بخطه، كان غازي القصيبي في الصعود الإداري مثل صاروخ أو لنقل مثل مصعد كبير نقل معه عدداً لا بأس به ممن رأى فيهم كفاءة إلى أعلى المراتب الإدارية فكثر حوله الأصحاب، وفي قصيدة نقلها على «العربية» الشيخ الدكتور سلمان العودة اشتكى من تخلي أصدقاء عنه في أواخر حياته.

كانت السفارة هي الفاصل بين فترتين من حياة غازي القصيبي الإدارية، حقق النجاح شعبياً في الأولى منها، ولم يتحقق له مثيل له في الثانية، ويلاحظ أن قطاع الأعمال كان صديقه في المرحلة الأولى وخصمه في الثانية، فهو صديق أثناء الضخ وخصم أو متمنع عند العطاء، من هنا لا يستغرب أن تكون فترة وزارة العمل فترة غير سعيدة في حياة الدكتور رحمه الله تعالى، ظهرت إشارات إلى ذلك في كثير من التصريحات والمقابلات الصحافية، لا ينسى أنه استطاع بذكاء تأسيس شراكة مع الصحافة، عند بدايات المسؤولية تمكّن من استثمارها، في الصحة والكهرباء والصناعة، كان أول من استخدم الإعلام كسلطة ميدانية في مجتمع محافظ، وأعلن أول حالة رشوة خسرت بسببها شركات كورية فرصاً كبيرة، ولم يكن الصحافيون يرون في الوزير غازي خصماً أو مسؤولاً متحصناً في مواجهتهم، حتى وإن كان له رأي فيهم أو في بعضهم، وعندما حاول البعض تقليده لم يكتب لهم النجاح.



أما الكاتب "جميل الذيابي" فكتب مقالا عنون "الفقيد غازي يكتب "حراً"" جاء فيه:

ارتعدت اليد وسقط القلم، فنزف حباً وحبراً وفكراً وشعراً ونثراً في غياب عراب التجديد. كيف لا؟! وهو يبحث عن كلمات تليق بعزاء ورثاء غازي القصيبي، فقيد المملكة العربية السعودية الشاسعة والوطن العربي الكبير، وفقيد أصدقاء كثر في أرجاء المعمورة.

رحمك الله يا غازي.. وألهم الله زوجتك وأبناءك وأسرتك وأهلك الصبر والصبر والصبر. نُقل خبر وفاة أبي سهيل صباحاً، في خامس أيام شهر رمضان الكريم 1431هـ.. في شهر الرحمة والمغفرة والخير والبركات.

رحمك الله يا غازي.. فلم تكن فقيداً لعائلة صغيرة يا أبا سهيل، بل فقيد كل عقل عربي يبحث عن التغيير والتفكير والتقدير.

نظرت إلى صورة قديمة تجمعني بالوزير والشاعر والديبلوماسي القدير غازي، فاجتاحتني عاصفة من الألم والحزن، وسقطت من عيني دموع محبة تقديراً لرجل قدره كبير في نفسي، ولا اعتراض على قضاء الله وقدره.

عرفت القصيبي دؤوباً، يسأل عن الكل، ويتمحص العبارات، ويفحص الكلمات، ويشجع كل عقل جديد وكل صاحب مشروع جريء يأتي بمصلحة الوطن أولاً.

عرفته سنوات طويلة، وفي كل مرة أجده كما كان، وفياً وكبيراً لا يتغير، بل في كل مرة ألتقيه فيها أشعر بكبر قلبه وعقله وديبلوماسيته وحيويته وحبه للعلم والتعليم.

عرفته وهو سفير، وقبلها وزيراً، وبعدها وزيراً، وقبل هذه وتلك كان غازي الإنسان المثقف والشاعر والروائي المتقد بالأحاسيس والمحب للعمل ولكل الناس.

أعذرني أبا سهيل، فقد سقط القلم من يدي مرة ثانية وثالثة، وتساقطت من عيني دموع حزن وألم كبير يعتصران قلبي لفقد رجل مختلف مثلك، وجدناه مثالاً للتغيير والتصالح مع نفسه وذا الوجه الواحد في زمن تتشكل فيه الوجوه وتتنوع وتتعدد وتتسع بينها المسافات والحسابات.

لقد عبر غازي بفكره إلى محبيه وقرائه، من المحيط إلى الخليج، بطرق «غير مفروشة» بالورد، بعد أن واجه تحديات أصحاب «الحسابات» والأصوات «النشاز» بكل قدرة وشجاعة في مراحل عمرية، لا خيالية كما يكتبها البعض، من وراء جدران «عنكبوتية» وتحت أسماء مستعارة.

لقد كان القصيبي بشعره ونثره وفكره يرنو إلى بناء إنسان متسامح مفعم بالحب ومهموم بإشغال العقل لخدمة الإنسان. لقد كان عندما تسن الأسئلة أمامه تأتي إجاباته «غازية» مقرونة بالأدلة والأسئلة وعمق التفكير.

رحل غازي بعد أن نجح في وضع علامات استفهام وتعجُّب عند المؤيدين والمختلفين معاً، لأنه كان صاحب الوجه الواحد الذي «يبش» بالصراحة، ويملك الشجاعة عند المواجهة أو المقاومة.

رحل غازي إلى الرفيق الأعلى وأنا مازلت أقرأ كتابه الجديد «الوزير المرافق»، فهو - كما يقول محبوه - لا يزال بيننا يكتب حراً.



وكتبت الروائية رجاء الصانع مقالا في جريدة الحياة اللندنية عنونته "كان ولا يزال أروع ما في حياتي" حيث جاء فيه:

كنت في الثامنة من عمري عندما دخلت أمي إليّ المنزل وهي تبكي على كتف أخي الأكبر، وعندما سألت أخي الثاني عن سبب دموعها التي لم أرها قبل ذلك اليوم قال لي: بابا توفي، الله يرحمه. قد يقول الناس إن طفلة في الثامنة لا تفهم معنى الموت، إلا أنني التفت إلى أصغر إخوتي والذي يكبرني بثلاثة أعوام والتقت أعيننا للحظة وكأننا نسأل بعضنا عن التصرف اللائق في مثل هذا الموقف، اندفعنا بعدها أنا وهو نبكي كما بقية الأسرة ونحن لا نعي تماماً مقدار الألم الذي يحيط بنا.

اليوم وبعد عشرين عاماً، دخلت أمي إلى غرفتي لتوقظني من نومي وتقول لي: غازي القصيبي توفي، الله يرحمه. هذه المرة لم أحتج لمن يشرح لي حجم الفجيعة، أو أن يعلمني كيف عليّ أن أتصرف في مثل هذا الموقف، أنا الخبيرة في شؤون الفقد منذ الصغر.

بكيت ومازلت أبكي وسأظل أبكيه مع الباكين طويلاً. وجدت نفسي أدعو له بالشفاء وأنا ممسكة بتمرتي عند الإفطار مثل كل يوم فبكيت أكثر. تذكرت وقتها دعائي اليومي وأنا في أميركا أن لا يفجعني الله بفقدانه وأنا في الغربة لا حول لي ولا قوة، وكأنما استجاب الله دعائي وتوفاه بعد أربع أيام فقط من عودتي للرياض بعد إنهائي دراستي في أميركا، ليمحو حزن فقدانه كل فرحة بالتخرج والعودة إلى الوطن.

كنت أستعد لامتحان مهم في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي عندما جاءني خبر مرض أبي الروحي الدكتور غازي القصيبي، فخانني تركيزي ولم أوفق في امتحاني من شدة خوفي عليه.

ولم أخبر أحداً سواه في ما بعد بهذا الأمر. ولأنني أعرف حسرة المشاعر التي تتأخر عن الوصول في وقتها، صرت أكتب له أثناء رحلة علاجه الطويلة والصعبة لأنقل له محبة جيل ووطن وأمة، علّ ذلك يخفف من آلامه، هو الذي لم يكن يشكو ولم يتوقف يوماً عن ذكر الله وحمده.

كنت أستمد من صوته المبهج الرخيم الذي يهطل عليّ مطمئناً بين الحين والآخر القوة والصبر والمرح في أحلك الأوقات وأشدها ألماً.

غازي القصيبي الذي أشاع كثيرون أنه خالي أو قريبي أو كاتب روايتي الحقيقي لم يسمع باسمي قبل أن تصله مسودة روايتي يوم الخميس الثالث والعشرين من نوفمبر عام ٢٠٠٤. عندها اتصل بي على الرقم المكتوب على المسودة لأجيبه ببرود (كنت مشغولة حينها بالتجهيز لمحاضرة طبية): نعم مين معي؟ وعندما قال معك غازي القصيبي توقف الكون عند تلك اللحظة، سكت لثوانٍ ثم طلبت منه بكل هدوء أن يتصل بعد خمس دقائق لأنني بحاجة لأن أصرخ فرحاً، أيقن عندها أنه بصدد «مرجوجة» وبالفعل أقفل الخط وذهبت للقفز على سرير الوالدة وأنا أبكي فرحاً باتصال قدوتي ومثلي الأعلى ومن سعيت سنين للوصول إليه قبل أن أعرف أنه يقرأ كل بريده الخاص في الوزارة بنفسه!

واتصل بي الدكتور بعد دقائق ليسألني من أنا وكم عمري ومتى بدأت الكتابة، وهل ما كتبته يحدث في الواقع في الرياض.

سجلت في ذلك اليوم التاريخي شريطاً صوتياً «آنذاك كنت أسجل أفكار الرواية صوتياً عندما لا أجد الوقت لتدوينها» عندما فاق الرضا والسعادة بعد اتصاله حدود الكتابة. في ذلك اليوم وأثناء ذلك الاتصال أخذت على نفسي عهداً بأن أتذكر سعادتي تلك في أي يوم تعيس يمر بي في ما بعد، وهأنا أتذكرها الآن وأتوقف عن البكاء.

أتذكر تفاصيل تلك المكالمة بحذافيرها وأتذكر كل ما تلاها من حلم. أتذكر كيف قرأ أول مئة صفحة من الرواية في ساعة وكيف أنهى الرواية على رغم مشاغله آنذاك في أسبوعين، ثم كيف قرأها مرة ثانية ليضع ملاحظاته مؤكداً أنه لم يفعل ذلك لأحد من قبل إلا أنه أعجب بالرواية وتوسم في كاتبتها الخير. أتذكر أنني اختلفت معه حول أجزاء أشار عليّ بحذفها فعملت برأيي في النهاية لا برأيه ولم أحذفها فغضب من عنادي لكنه نسي أو تناسى الأمر كالأب الحنون بعد انتشار الرواية.

قلت له في رسالة فاكس بتاريخ ٤-٣-٢٠١٠: «بالنسبة لي، أن نصبح أصدقاءً، وأنتَ أنت! وأنا أنا الطالبة «اللي ماحيلتهاش حاجة» كان ولا يزال أروع ما في حياتي.. إيمانك بي عندما كنتُ «لا شيء» يضعك في مرتبة تقف فيها وحدك. فأهلي يؤمنون بي لأنهم أهلي، وأصدقائي لأنهم أصدقائي.. أما أنت.. أنت! لماذا وكيف؟ وهل كنتَ أكيداً مما سأفعل؟ هل رأيت في علم الغيب أن روايتي ستُتَرجم إلى ثلاثين لغة؟ أنا لم أكن لأصل إلى ما أنا عليه لولا عاملان مهمان.. إلهامك لي قبل أن أعرفك عن قرب.. بسبب نجاحاتك وشخصيتك وانبهاري بكل ما أنت عليه حتى أنني كنت أقول لمن يسألني ماذا تريدين أن تكوني عندما تكبرين؟: أبغى أصير غازي القصيبي «بس ربك ستر!».. والعامل الثاني هو قربك مني منذ ٢٣-١١-٢٠04 وحتى صدور الرواية في سبتمبر ٢٠٠٥ قبل أن أصبح شيئاً يُذكر.

أحمل بداخلي الكثير عن غازي القلوب، غازيها بالبهجة الخالصة في حياته وبالحزن الموجع جداً بعد وفاته. الرجل الحلم بالنسبة لجيلي بأكمله، الإنسان الذي لا يعرفه الكل كما يستحق أن يُعرَف. الرجل الخدوم فاعل الخير الذي تعلمت من أخلاقه أكثر مما علمتني حياته في الإدارة والوزارة والسفارة، ورواياته وأشعاره، وهي علمتني الكثير. عندما أتذكر الآن كيف كان الدكتور يكتب عن رحيل أصدقائه الذين اختارهم الله إلى جواره قبل أن يختاره، كيف كنا نقرأ ما يكتب ولا نشعر بما يشعر به من ألم وهو يرثي أصحابه ورفاق دربه، أشعر بأن من واجبي أن أكتب عنه حتى وإن لم أكن بقوته وصلابته التي تجعلني أتمالك نفسي في مثل هذا الموقف الصعب لأكتب بهدوء في رثاء أبي الذي أعرفه وتيتمت بوفاته للمرة الثانية في حياتي.

عزائي الحار لحرمه ورفيقة دربه، وإخوانه وأخواته، ولأبنائه سهيل ويارا وفارس ونجاد، وأسرهم. تعجز الكلمات عن مواساتكم في فقيدكم وفقيدنا الغازي الغالي، الذي رحل إلى جوار ربه الكريم في أفضل الشهور وترك القلوب مكلومة والألسنة تلهج له بالدعاء.

.. أنتم عزاؤنا ونحن مدينون لكم بكل وقت قضاه والدكم رحمه الله في خدمتنا في مناصبه العديدة عبر السنين، وبكل سطر خطه في كتاب وبكل عطاءاته التي شاركناكم فيها، مدينون لكم حتى في الحزن الذي سمحتم لنا بأن نتقاسم بعضه وإياكم مدعين بأننا نشعر بما تشعرون به لفراق الوالد الغالي ومعزين بعضنا بعضاً فيه. عزائي موصول لأسرة القصيبي كافة، ولأبي غازي الأستاذ هزاع العاصمي مدير مكتبه، ولسكرتيره الخاص الأخ نواف المواش، ولمنسوبي وزارته وأصدقائه ولكل من حظي بالقرب منه في حياته ولكل من دمعت عيناه لفراقه.. لكل من تألم لألمه على سرير المرض وابتهل لله بالدعاء في جوف الليل وآناء النهار حتى يكشف بأسه.

ربِّ إن لي والدَين اليوم تحت الثرى، ارحمهما يا واسع الرحمة وأكرم نزلهما واجعل قبريهما روضتين من رياض الجنة وأسكنهما الفردوس الأعلى يا من وسعت رحمته كل شيء.

«وددت لو أني سبقت الردى/ إليك. لو أني حرست السريرا/ لو أني قبلت ذاك الجبين/ يرش ضياءً ويندي عبيرا/ لو أني لثمت يديكَ. انحنيت/ عليكَ شهدت الوداع الأخيرا». (غازي القصيبي - قصيدة أبي - ١٩٧٦ - ديوان «أنتِ الرياض".



وفي مقال "مات غازي" للكاتب والأكاديمي السعودي "علي بن طلال الجهني" والمنشور في جريدة الحياة اللندنية جاء فيه:

نحو الساعة التاسعة من صباح يوم الأحد الخامس من رمضان 1431 الموافق 15/8/2010 مات الرجل العملاق الوزير المختلف عن كل الوزراء، الإداري الذي تميز على كل من عرفت من الإداريين، والشاعر الأديب الخطيب الفصيح الذي يكتب كما يتحدث من دون أن يتردد أو يشطب أو يصحح. ولد غازي في اليوم الثاني من الشهر الثالث من عام 1940 ، فكان في يوم وفاته قد تجاوز السبعين بنحو خمسة أشهر.

لقد كان غازي رجلاً مؤمناً بالقدر خيره وشره أيماناً مطلقاً. وكان يقول منذ ثلث قرن على الأقل : « إنه أوصى أن يدفن في المكان الذي يموت فيه، أياً كان ذلك المكان، وبأسرع وقت ممكن، حتى لا يكلّف الناس لحضور جنازته».

وهكذا حدث، فقد تمت الصلاة عليه وحضرها عدد من الأمراء والوزراء والأصدقاء وغيرهم من عامة الناس. وصلى عليه نائب أمير منطقة الرياض الأمير سطام بن عبدالعزيز، وأم المصلين سماحة مفتي المملكة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ بعد صلاة العصر من يوم الأحد؛ وتم دفنه في مقبرة «العود» في الرياض. «اللهم أجعل قبره روضة من رياض الجنة» كما جاءني في رسالة تعزية من محبه الأديب السعودي الأستاذ حمد القاضي.

ومن يعرفوا علاقتي بغازي يعزوني فيه كما يعزون أبناءه. وقد اتصل بي رجل لا أعرفه محاولاً تعزيتي ولكنه كان يبكي وينتحب بشدة ولم أستطع أن أفهم مما قال من ثناء علي غازي ودعاءٍ له إلا عندما تغير صوته ولامني شخصياً لوم المحب المعاتب لماذا لم تقل الحقيقة وأنت تعرفها حينما تم نقل غازي إلى أميركا خلال حج العام الماضي؟

وفي واقع الأمر أنني لم أقل إلا الحقيقة حينما تم نقله رحمه الله بالإخلاء الطبي إلى مستشفى «مايو» في ولاية «مينسوتا». فالذي حصل أنه كان عند غازي رحمه الله، قرحة في الإثني عشر، منعت الطعام من الانتقال إلى الأمعاء الدقيقة. وقبل نقله إلى «مايو» أخذ الأطباء في مستشفى الملك فيصل التخصصي عينات من منطقة القرحة. وكانت كلها حميدة. وكذلك فعل الأطباء في «مايو» ووجدوا كل العينات التي أخذوها أيضاً حميدة.

فهذا ما كنا جميعاً نعرفه وهذا ما قلته لـ «الحياة».

ولكن حينما استمر العلاج لمدة تجاوزت أربعة أسابيع، ولم يؤد العلاج إلى ما كان ينبغي أن يؤدي إليه، فتح الأطباء المعدة جراحياً بمنظار، فرأى الجرّاح عشرات الحبيبات التي تشبه حبوب العدس منتشرة في السطح العلوي للمعدة. وصارت المعدة تشبه «القربة» المنفوخة الفارغة. وبالطبع عرف الجراح سبب المعاناة ونوع المرض. وهذا نوع معروف من أنواع السرطان القليلة جداً التي يتعذر علاجها.

وبمجرد أن اتصلت بي زوجته المرأة الفاضلة الصابرة «أم سهيل» وقالت لي تمت الجراحة، عرفت من نبرة صوتها أن الأخبار غير سارة، وحينما قالت لم اتصل بغيرك بناءً على طلبه سقط التليفون من يدي ولم أكن بحاجة إلى متابعة المكالمة. بعد ثلاثة أيام، اتصلت بغازي رحمه الله ووجدته كما عهدته ضاحكاً شامخاً عالي المعنوية. وقال لي : «لا تحزن ولا تتألم، سأقاوم بكل ما استطعت من قوة. ولكن الأمر لن يتجاوز بضعة أشهر قبل أن ألقى خالقي فادعُ الله معي على أن يحسن لقائي برب العزة والجلال».

جميله
08-21-2010, 10:10 PM
غازي القصيبي ... وزير اللمسات الشخصية!
الوطن السعودية
gmt 1:14:00 2010 السبت 21 أغسطس





عبدالله المغلوث

زاره القصيبي في المنزل دون سابق إنذار. ترافقه باقة زهور ومبلغ عشرة آلاف ريال. تأثر الفني كثيرا بهذه الزيارة. وعندما رزق بطفل بعد عامين من الحادثة لم يجد اسما أفضل من غازي

بدأت علاقتي بالدكتور غازي القصيبي منذ ولادة شقيقي الأصغر ماجد. فعندما كان الراحل وزيرا للصحة بادر بإهداء أهل المواليد الجدد بطاقة تحمل توقيعه مع صورة للطفل الطازج. كانا والديّ من الآباء المحظوظين الذين حصلوا على إهداء الوزير الممهور بتوقيعه. هذا الإهداء كان له أثر بالغ في نفوسهما حتى اليوم. كبرتُ وأنا محاصر باسمه. كان اسمه مرادفا لأي مبادرة ذكية وأي سلوك إنساني عظيم وأي منتج أدبي خلاق.
كبرتُ وأنا محاط بمؤلفاته المختلفة التي قرأتها تباعا بإعجاب وشغف شديد. أحببته كثيرا إثر أسلوبه الشيق غير المتكلف. وثقافته الواسعة، ومواهبة المتعددة. إعجابي المبكر بشخصيته الفريدة أثناء مراهقتي دفعتني لأن أحب كل ما تبقى منه. طريقة ارتدائه للغترة ومشيته وابتسامته. نشأت في مجتمع يندر فيه النجوم. فصار بالنسبة لي النجم المفضل والمثال والقدوة.
لم أحبه فحسب بل أحببت كل من أحبهم وأشار إلى أسمائهم تصريحا وتلميحا في مؤلفاته ومقالاته. أحببت والده الصارم عبدالرحمن وجدته الحنون الرؤوم سعاد. أحببت صديقه الصدوق عمران محمد العمران الذي شيد منزله بالتقسيط وكان وراء انتدابه الأول والمثير. أحببت المهندس يوسف الحماد الذي كان مساعدا له في المؤسسة العامة للخطوط الحديدية قبل أن ينتقل معه وكيلا لوزارة الصناعة والكهرباء. أحببت مدير مكتبه في وزارة الصحة عبدالرحمن العبد الكريم الذي وصفه الدكتورعبدالعزيز الخويطر بأنه "أحسن مدير مكتب في العالم". أحببت صديقه الوزير البحريني يوسف الشيراوي الذي رثاه بقصيدة مؤثرة عام 2004 بعنوان (يا أعز الرجال).
رغم القرارات الكبيرة التي اتخذها غازي القصيبي وزيرا وسفيرا إلا أن لمساته الشخصية كانت هي الأقرب إلى نفسي. فقبل أن أقرأ كتابه (حياة في الإدارة) لم أكن أعلم أنه هو من كان خلف الشهادات التي يوقعها وزير الصحة لكل متبرع بالدم. وأنه هو الذي ساهم في إعطاء كل متبرع أكثر من عشر مرات ميدالية الاستحقاق. واكتشفت لاحقا أنه هو من وجه بوضع الآية الكريمة "وإذا مرضت فهو يشفين" في كل غرفة من كل مستشفى.
لكن أعظم لمساته الإنسانية الشخصية لم أكتشفها عبر كتبه بل من خلال حوار جمعني مع أحد محبيه قبل نحو سبع سنوات في الدمام. هذا الشخص فني متقاعد في المؤسسة العامة للخطوط الحديدية. وقد روى لي موقفا نبيلا قام به الراحل معه. يقول الفني إن الفقيد استدعاه خلال إدارته للمؤسسة على انفراد بسبب انخفاض مستوى إنتاجيته. يتذكر الفني جيدا أن القصيبي استقبله بحفاوة بالغة وابتسامة هائلة. وافتتح الحوار معه بقوله: "أنا خادمك. ماذا تريد الآن؛ لتعود لنا فارسا لا يشق له غبار؟". حينها انهار الفني أمامه قائلا إن ظروف زوجته الصحية هي التي استنزفت ميزانيته وتركيزه. ووعده أن يعود كما كان فور أن يتجاوز هذه الظروف الطارئة. احتضنه حينها الراحل ثم انفض اللقاء. لم تمض سوى أيام قليلة على لقائهما في المكتب حتى زاره القصيبي في المنزل دون سابق إنذار. ترافقه باقة زهور ومبلغ عشرة آلاف ريال. تأثر الفني كثيرا بهذه الزيارة وما فيها. وعندما رزق بطفل بعد عامين من مرور هذه الحادثة لم يجد اسما أفضل من غازي لينادي به طفله ويوثق به موقفا إنسانيا نبيلا.
أنا على يقين تام أننا لو نقبنا في المؤسسات والأجهزة التي مر عليها غازي سنجد مئات القصص التي تجسد فروسية الفقيد ونبله. هذه الفروسية ليست ادعاءً أو زيفا بل منهجا وأسلوبا خطه لنفسه منذ البداية. فهو مؤمن بقول الشاعر الفرنسي جان دي لافونتين: "لن يبقى لك سوى صنيعك الحسن".
كلنا سنموت. لكن من منا سيترك أثرا جميلا كالذي تركه غازي. من؟

جميله
08-21-2010, 10:16 PM
أعمارنا يا القصيبي عواري
الشرق الاوسط اللندنية
gmt 23:43:00 2010 الجمعة 20 أغسطس


سليمان السليم

عندما زرت غازي أول دخوله المستشفى التخصصي بمعية أخينا الأكبر عبد العزيز الخويطر، كان يشكو من انسداد في الجهاز الهضمي. وعندما هرعت إلى موقع «مايو كلينيك» في الشبكة العنكبوتية، تبين لي خطورة مثل هذه الانسدادات.. إلا أنني عللت نفسي بسلامة العينات التي أفرزتها معدته - كما عللت واردا زمزم - وافترضت أن نقله إلى الولايات المتحدة كان بإصرار من خادم الحرمين الشريفين للاطمئنان فقط، خاصة أنني مررت بالتجربة نفسها نتيجة التواء في الأمعاء صحح بعملية جراحية قبل ما يقرب من ثلاثة عقود. لذا أرسلت له رسالة نصية أقترح عليه فيها أن نلتقي في لندن في طريق عودته سليما معافى، مذكرا إياه ببيت شعر أرسله لي حين كان يقنعني بأن نستكمل زمالتنا في جامعة جنوب كاليفورنيا بدراسة الدكتوراه في لندن عام 1966، إلا أنني كنت مصرا على إكمالها في جامعة جونز هوبكنز في واشنطن.

حيث قال حينها:

لو جئت لندن في مساء كريسمس

لوجدت لندن بهجة للأنفس

وعلى غير العادة لم تأت الإجابة إلا بعد عشرة أيام وكانت: «سرطان المعدة.. والباقي على الله».

لم تكن الصدمة سهلة، فقد زاملت غازي طالبا في الجامعة نفسها في القاهرة، ولوس أنجليس، وفي عضوية هيئة التدريس في قسم العلوم السياسية بجامعة الرياض (الملك سعود حاليا)، وفي مجلس الوزراء منذ عام 1975 حتى خروجه من الوزارة عام 1983. واستمر التواصل بيننا بعد ذلك إلى أن قابلته مقابلتي الأخيرة في البحرين، بعد عودته من الولايات المتحدة، حيث أخبرني أن من أكبر الصدمات في حياته كانت حين أخبره الأطباء حال خروجه من غرفة العمليات أمام حرمه وأبنائه بأن أورامه سرطانية. لم تكن تنقصه الشجاعة في مواجهة علته، ولكن كل همه كان الرأفة بأعزائه المتحلقين حوله.

أجمل أشعار غازي هي تلك التي وردت في «أشعار من جزائر اللؤلؤ» و«قطرات من ظمأ» و«معركة بلا راية» وهي التي قالها في زمن الشباب والتفاؤل والأمل وفي غياب الضغوط من مقارنته بالمشاهير من الشعراء أمثال نزار.

ومن أجمل أشعاره «إخوانياته» التي تسري على لسانه من دون تكلف، ويجري بها قلمه بسرعة عجيبة، والتي أرجو أن يقيض لها من يجمعها وينقحها لتستكمل بها الإحاطة بتجربته الشعرية.

وأجمل قصائد غازي هي تلك التي يتقمص فيها شخصية موضوع القصيدة، والذوبان فيها، وحين يصبح لسان حالها.. ابحث عن قصيدته «كريستينا».. وتمعن في قصيدته «سعاد» حول وفاة سعاد حسني، والربط بين نهايتها والغروب، وبينها وبين عبد الحليم من خلال «كامل الأوصاف»، وبين سواد الغروب وسواد العيون والضفيرة بين الغيوم.

وحين توجه غازي إلى الرواية أطلقه ذلك من قيد القصيدة بقوافيها وأوزانها. كان زملاؤه في السكن بالقاهرة محمد كانو ومحمد صالح الشيخ، وكان كاتب هذه السطور وخالد القريشي من رواد تلك الشقة. وقد قيل ما قيل من إلصاق شخصيات «شقة الحرية» بهذه الأسماء أو بعضها، والحقيقة أن شخصيات الرواية ما هي إلا شخصيات كاريكاتيرية مبالغ في صفاتها، وقد تكون كل واحدة منها خليطا من هذه الأسماء.

ثم توالت الروايات؛ ومنها «العصفورية» التي عكست ذاكرته الفوتوغرافية، ومعلوماته الموسوعية، وحسن استثمار تلك المعلومات.

ولكنه لم يترك الشعر، وإنما بدأت تظهر في شعره آثار المعارك الأكاديمية والبيروقراطية؛ ففي كلية التجارة التي تولى عمادتها، ثار غبار المناوشات التي وصفها بصورة ساخرة الزميل الدكتور أسامة عبد الرحمن في كتيبه «في إقليم أرخبيل القمر». كما كان عليه في وزارة الصناعة والكهرباء الدخول في معركة بيروقراطية للحصول على الغاز لمشاريع «سابك»، ثم مجابهة أزمة الكهرباء، مثلما كان على كاتب هذه السطور مجابهة الأزمات التموينية كوزير للتجارة.

وفي معاركه تلك لم يتوانَ عن تسخير قدراته البلاغية، والإقناعية، بما في ذلك تقبيل الرؤوس لتأمين الأراضي، والاعتمادات المالية، والاستثناء من القيود المالية، وفي كل ذلك كان نظيف اليد متجنبا للشبهات.

في عام 1964 كنا مجموعة من الطلبة تضم غازي وخالد القصيبي متوجهين بالسيارة في نزهة إلى مرتفعات سانتا مونيكا المطلة على المحيط الهادي. وفجأة فشلت كوابح السيارة وهي في منحدر حاد وقرب تقاطع وهي متجهة نحو المحيط وأيقنا أنها النهاية. لولا أنها توقفت بعد حشرها بين سور ونخلة، ولا أنسى وجه غازي حين التفت إلى الخلف وهو ممسك بنظارته السميكة وينطق الشهادتين.

بعد أن جلسنا على الرصيف ننتظر من ينقلنا، مر بنا أحد الأميركيين وسأل: من كان في هذه السيارة؟ أجبنا: نحن. فقال: أنتم؟! تهزأون بي؟! أما شركة التأمين فلم تصلح السيارة، بل عوضتنا عنها كاملة.

منذ ذلك الحين يا غازي، ونحن كما يقولون «نلعب بالربح».

وعندما وصلت إلى مطار الرياض، مساء الخامس من رمضان، وجدت الرسائل النصية على جوالي تعزي في فقده.. ولم أتمكن من حضور الصلاة أو الجنازة..

وإن رحيلا واحدا حال بيننا

وفي الموت من بعد الرحيل رحيل

لم يكن غازي فريدا في ذكائه، وبلاغته، وذاكرته، وذائقته الأدبية، وحسن استثماره للمعلومة فقط؛ وإنما أضاف إلى ذلك الدأب، وحسن استثمار الوقت. أول بدئه الدراسة في جامعة جنوب كاليفورنيا اختار دروسا في التدريب على سرعة القراءة. وكان إذا دخل المكتبة ببنطاله الذي كان يتسع أو يضيق حسب وضعه مع «الريجيم» لا يخرج إلا بعد ساعات طوال. وعندما طلب منه التوجه إلى لندن سفيرا، كان من أهم طلباته أن لا يتوقع منه الاستقبال في المطار إلا في الحالات الخاصة. كما خصص يوم الجمعة للزوار السعوديين للصلاة وتناول الغداء في السفارة.

رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عنا خير الجزاء، وألهم أم سهيل ويارا وسهيل وفارس ونجاد الصبر والسلوان. والعزاء موصول لابن أخيه ورفيقنا جميعا معالي الأخ خالد القصيبي، ذلك الصابر المحتسب الذي فقد قبل غازي ثلاثة من إخوته، وأخته.

* وزير التجارة والمالية السعودي السابق

منسي
08-21-2010, 10:32 PM
غازي داهمتنا الضحكات
حدثني ذات مساء الشاعر الصاخب . وسيد التعددية المثيرة غازي القصيبي . ضاحكاً وحميماً كما عهدته وهو يردد متسائلا



حدثني ذات مساء الشاعر الصاخب . وسيد التعددية المثيرة غازي القصيبي . ضاحكاً وحميماً كما عهدته وهو يردد متسائلاً ويقول : هل تريد التنكيل بي يا أحمد؟ إن أم سهيل أرحم وأعدل وأعقل منك . ومهما حاولت فلن أكون فريسة رخيصة لطموحك غير النبيل . وكنتُ قد كتبت مقالة في الوطن بعنوان ( غازي القصيبي ومشعاب أم سهيل ) مهدت له بالحديث عن تجربته وطفرته الشعرية . كواحد من أكثر الشعراء العرب المعاصرين التصاقاً وتشابكاً مع الأرض . حين يحتشد لها بطاقته المذخورة ومعطاه الإبداعي ، فيعمد في أغلب قصائده ذات الملمح المكاني إلى النبرة البوحية والنفس الغنائي ، والاستغراق في تفاصيل المكان في حوار وبنية ملحمية محتدمة . بعد تلك المقدمة التي جعلتها مفتتحاً للوشاية به . تحدثت عن قصيدته أو مقطوعته الشعرية والتي أهداها لحورية السروات ( أبها ) في لغة شاهقة . ونسيج درامي مذهل . مما جعلنا في جنوب القلب نتداخل مع أبياتها العشرة كما تتداخل أوردتنا مع بوح الطين وعذوق الذرة . لقد أصبحت العلاقة بيننا وبين مفرداتها ولغتها الحية والفاتنة كالعلاقة ما بين العين وماء العين. يا عروس الربا الحبيبة أبها أنت أحلى من الخيال وأبهى وختمها تحت وطأة اندفاعه الشعري. وانهمار مشاعره المشدودة الماثلة في نغماته المتصاعدة صوب التوتر والومضة المشتعلة . لي قلب يخون كل غرام غير أبها فإنه لم يخنها . وبعد أن هدأت عواطفه المتموجة . واسترخت اصطفائيته الضاغطة . اكتشف أنه وقع ضحية غيبوبة أترعتها به عروسة الربا وسيدة الحلم الأخضر ( أبها ) فجعلته يحسم موقفه الغرامي المطلق بخيانه قلبه لكل جميل إلا أبها . لقد ظن أن غناءه الشجي على جبال السروات . وشدوه العذب ذات صيف عسيري . لن يتجاوز فضاء القصيدة . فقد أودع سره حقول الشمس الجنوبية . وبهاء الشجر العتيق . وأخفى غوايته الغرامية تحت جبال الضوء . وأكواخ الغيوم. وعندما عاد إلى داره مطمئناً فإذا به يفكك القصيدة ويستعيدها ويتخلى عن البيت القضية في سرية تامة . قبل أن تقرأ أو تسمع أو تلمح أم سهيل ذلك البيت الكارثة . فقام بحذفه من القصيدة في مجموعته الشعرية (أنت الرياض) وليشرع بعد أن منّ الله عليه بالستر بدفن ذلك البيت . وإعلان البراءة منه . فمشعاب أم سهيل وعينها الحمراء أسهمتا في طمس وإبادة البيت العاشر من القصيدة. والتعامل معه كما يتعامل الحطاب مع شجرة اللوز . وطرحتُ في آخر المقال سؤالاً بريئاً : هل بيت شاعرنا العملاق عن أبها المكان أم أنه عن ريم عسيري القوام ؟ رحم الله فارس الكلمة وضمير الثقافة غازي القصيبي .


الوطن - أحمد عسيري

منسي
08-21-2010, 10:47 PM
القصيبي .. الواحد المتعدد

احمد عائل فقيهي
هناك من الناس من يتجاوزون كونهم مجرد أفراد ومجرد أرقام في مجتمعاتهم.. إنهم يصبحون «أفرادا» مضيئين وفاعلين مؤسسين ومؤثرين.. ويتحولون بفعل ما يعملون ويصنعون ويبدعون إلى أرقام صعبة وكبيرة وذات قيمة.. ومعنى.. وهؤلاء يؤكدون أن الموهبة وحدها هي التي تصنع «الفرد» ليصبح صاحب دور في المجتمع الذي ينتمي إليه.
وعندما يستعرض المرء المتابع للتاريخ الوطني والأدبي والثقافي في المملكة لا يمكنه إلا إن تستوقفه أسماء هامة واستثنائية ساهمت في صياغة المشروع التنموي والثقافي بفكر وقاد وروح جسورة.. ووعي وطني جميل.. راقٍ ومتقدم، ولعل من أبرز الأسماء المضيئة في تاريخنا الوطني والاجتماعي والثقافي الدكتور غازي القصيبي الذي غادرنا.. منذ أيام عن سبعين عاما هو عمر من الإنجازات اللافتة، بل هو عمر عميق بما حمله من تجربة حياتية وإدارية وعلمية وأكاديمية وأدبية وثقافية وسياسية، تجربة هي من الأهمية والعمق ما يجعلها تمثل درسا ومثالا ونموذجا لما ينبغي أن يكون عليه الرجل الناجح في كثير من المواقع والمواقف.
وغازي القصيبي رجل مواقع ومواقف.. المواقع التي وصل إليها وتسلم قيادتها من أستاذ في جامعة الرياض ــ جامعة الملك سعود حاليا ــ فمدير عام لسكك الحديد.. إلى وزير للصحة والصناعة والكهرباء، ثم سفير في البحرين وبريطانيا فوزير للمياه والعمل، ثم مواقفه التي قدمت القصيبي كرجل تنويري يملك عقلا مضيئا بالفكر والعلم والمعرفة والقدرة على المحاججة والحوار.. بدأ ذلك من خلال كتاب «حتى لا تكون فتنة».. وهو كتاب صدر في ظل صعود الفكر المتطرف والمقالات والردود التي حملها هذا الكتاب.. كأنما كانت استشرافا لما سيحدث لاحقا من صعود لذلك الفكر فيما جاء كتابه «مصالحات ومغالطات وقضايا أخرى».. ردا على بعض الكتاب العرب الذين قدموا قراءات لأزمة الخليج.. غير منصفة وغير علمية وعقلانية عبر كتبهم ومقالاتهم.. بدءا من محمد حسنين هيكل.. وانتهاء برياض نجيب الريس على أن كتابه «أزمة الخليج.. محاولة للفهم».. هو قراءة عميقة للجذور والمقدمات السياسية والتاريخية التي أدت إلى الكثير من المواقف التي اتخذتها بعض الدول من غزو صدام حسين للكويت وتداعيات تلك الأزمة بكل ما لها وما عليها.
إن غازي القصيبي ليس مجرد حالة واحدة.. بوصفه شاعرا أو روائيا.. أو كاتبا أو أستاذا جامعيا.. أو سياسيا.. إنه لا يؤخذ بوصفه جزءا.. حالة بعينها ولوحدها.. ولكنه حالة عامة، هو منظومة كاملة وشاملة من المثقف والمبدع والسياسي، ولأنه الرجل المثير اختلف حول شخصيته الكثير من شرائح المجتمع.. وتلك هي قيمة وميزة الإنسان المختلف حوله.. فثمه من يراه وزيرا ناجحا ومتفوقا في وزارتي الصحة والكهرباء والصناعة فقط، فيما يراه آخرون روائيا وكاتبا، ويفضله البعض شاعرا كبيرا كأنه المتنبي.. ينام ملء جفونه والناس حوله.. في جدل وخصام.. والكبار دائما هم أولئك الذين يختلف الناس حولهم بين محب وكاره وبين معجب ومعرض وبين مريد ومغرض.
لقد أتيحت لي فرصة الالتقاء بالقصيبي أربع مرات فقط، الأولى قبل أكثر من عشرين عاما وكانت في جيزان عندما جاءها مفتتحا بعض المراكز والمستوصفات الصحية بوصفه وزيرا للصحة.. وكنت حينها أكتب وأنشر قصائدي ومقالاتي في مجلة اليمامة وقد سأل عني الدكتور عبد الرحيم عقيل مدير عام الشؤون الصحية في جيزان ــ رحمه الله ــ وفاجأني وأربكني سؤاله عني.. جاءني صديق ما زال حيا يرزق هو الدكتور عبد الوهاب عايش، وقال لي: القصيبي يريد أن يراك.. وذهبت إليه.. فإذا بي أمام غازي القصيبي وسألني عن الشعر ووجدته متابعا لما أكتب.
أما اللقاء الثاني فقد كان في ملتقى «عكاظ».. قبل عدة سنوات.
فيما كان اللقاء الثالث في الرياض حيث ألقى محاضرة باسم «ثقافة الثقافة» على هامش مؤتمر المثقفين السعوديين وبعد إلقاء محاضرته تلك قام بالسلام على الكثيرين ممن حضروا تلك المحاضرة وعندما أقبلت للسلام عليه قال باسما: أهلا بـ«عكاظ»، أما اللقاء الأخير كان في جيزان أيضا حيث جاء مع مجموعة من الوزراء لتدشين بعض المشاريع.
وقد توجهت للسلام عليه، فإذا به يرحب بي ويسأل: لماذا هجرت الشعر، وقال: لقد بشرت بك شاعرا منذ عدة سنوات .. لم أعد أراك إلا كاتبا عد إلى الشعر..
كان ذلك هو اللقاء الأخير على أمل أن ألتقيه في مكتبه في جدة في فترة الصيف.
إن غازي القصيبي رجل مضيء، والمضيء لا ينطفئ.. إنه يمتلك تاريخا من العمل الوطني، وهو أحد رموز الوطن الكبار.. أحد بناة التنمية.. بل هو من أعلامها وعلاماتها.. إضافة إلى كونه أحد المجددين في القصيدة في الشعر على مستوى الخليج والجزيرة العربية، بدءا من دواوينه «أشعار من جزائر اللؤلؤ».. و«معركة بلا راية» و«أنت الرياض».. وصولا إلى «الحمى» و«العودة إلى الأماكن القديمة»..
تكمن القيمة الريادية لروايته «شقة الحرية» التي شكلت فاتحة الرواية السعودية الجديدة، ومن هنا فهو يشكل نموذجا للرجل الناجح الذي ينبغي أن يكون قدوة ومثالا ككل من يريد أن يكون ناجحا في حياته وفي عمله.. إنه القيمة والقامة والقدوة.
اسم عصي على النسيان يغيب نعم.. لكن فيما يغيب يزداد حضوره.. أكثر وأكثر بما عمل وأبدع وأجاد، إنه أحد المخلصين الكبار بوطنية عالية وأحد المبدعين الكبار بموهبة رفيعة وعميقة. إنه المضيء والمختلف.. الواحد المتعدد.

جود الفرح
08-22-2010, 01:04 PM
الأحد 12 رمضان 1431هـ - 22 أغسطس 2010م

معجزة غازي: العظماء لا يموتون!



مقالات سابقة للكاتب






بينة فهد الملحم

بموت غازي بن عبد الرحمن القصيبي نشهد ولادةً ثانية لكل تاريخه؛ فالعظماء-كما يقول سلفادور دالي- لا يموتون . والعبقري يحيا بموته. بموته يتغيّر شكل حضوره، يذهب الجسد لتحلّق الروح في الأفق تَصّعّدُ مع الشفق الأحمر تختلط بخيوط شروق الشمس .

كم كان صباح الأحد حزيناً وثقيلاً علينا، لكأن شروق شمس ذلك اليوم تحمل خبراً سيئاً. بقي غازي القصيبي إلى آخر حياته يبحث عن معادلات جديدة لإنارة دروب الظلام، وخاض معارك حامية من أجل الحرية والعقل . لم يحدث أن قسا مجتمع مع شموعه كما قست بعض القوى الظلامية عليه، فاستأسدت عليه حتى صار اسمه على قائمة المنتديات السفّاحة التي حاولت هزيمة عزيمته، لكنه كان أكبر من كل الهزائم.


وفجعنا جميعا برحيل اسم ارتبط بكل ما هو مؤثر وجبار في تاريخ التنمية في السعودية، أعرف عميقاً أن رحيل القصيبي يحزننا لأنه رحيل اسم ارتبط بالمستقبل، ولم يكن يوماً مبجّلاً للماضي، بقي؛ حتى لفظ آخر أنفاسه يفكّر بكيفيات متجددة تنهض بالمجتمع وبالثقافة من العثرات، كان على قلقٍ دائم على مجتمعه، يبحث في كل الدهاليز عن إنجازات متوالدة سحّارة، حتى ليصحّ عليه وصف المتنبي:

على قلقٍ كأن الريح تحتي ... تُسيّرني يميناً أو شمالاً

منذ أول بروز لاسمه كان حامل راية، تدعمه قيادة وثقت به، منذ عهد الملك فيصل مروراً بالملك خالد والملك فهد رحمهم الله، إلى عهد الملك عبد الله لم يترك راية الأدب والشعر والثقافة والتنمية، لم يعرف طعم الملل أو التعب. بقراءتي للكتاب التحفة "حياة في الإدارة" عرفت معنى أن تكون فعّالاً وجباراً في أعمالك وإنجازاتك. غازي كان أول كاتب سعودي يستخدم كلمة "حرية" في عنوانٍ لكتاب وذلك في روايته ذائعة الصيت "شقّة الحرية". كما أسس للنقد الساخر وللكوميديا السوداء في روايته "العصفورية" والتي تضمّنت نقداً لكثير من مفاصل السياسة والثقافة العربية. حققّ معادلة ثقافية وإدارية وسياسية ودبلوماسية لم تتحقق لأحد من السعوديين من قبل .

بين يديّ كتابه الأخير: "الوزير المرافق"، الكتاب الذي كتبه قديماً وطبعه قبيل وفاته، لكأنه "الكتاب السري" الذي تضمّن انطباعات جريئة عن رؤساء دول ومسؤولين في مختلف دول العالم. كانت آخر عبارة في الكتاب: "ها قد ولد، أخيراً، وبعد مخاض عنيف مشروع عربي للسلام. ولكن هل استطاع العرب أن يحققوا شيئاً من خلال هذا المشروع. تلك قصة أخرى، تطول!".

إنه النعي الحزين من غازي لمشكلات العرب وهو الذي عاصر كوارث العرب الفتّاكة.

عدتُ إلى جدي الذي يعرف غازي منذ المهد , إذ شهد ولادته كما شهدت الأحساء قدومه , وحمله وليدا قبل رؤية والده عبدالرحمن القصيبي – صديقه الحميم الذي كان مسافراً في رحلة تجارية إلى بومباي إبان مولده – له ، وجلستُ صامتةً أمامه، وأنا أتمتم ببعض أبيات القصيبي الموشومة في ذاكرتي من قصيدته الخالدة "حديقة الغروب" :

ويا بلاداً نذرت العمر.. زَهرتَه لعزّها!... دُمتِ!... إني حان إبحاري

تركتُ بين رمال البيد أغنيتي وعند شاطئكِ المسحورِ. أسماري

إن ساءلوكِ فقولي: لم أبعْ قلمي ولم أدنّس بسوق الزيف أفكاري

وإن مضيتُ.. فقولي: لم يكن بَطَلاً وكان طفلي.. ومحبوبي.. وقيثاري .

*نقلاً عن "الرياض" السعودية

جود الفرح
08-22-2010, 01:06 PM
الأحد 12 رمضان 1431هـ - 22 أغسطس 2010م

غازي ومواسم الحزن والموت



مقالات سابقة للكاتب






د. حسناء القنيعير

غازي هكذا دون ألقاب ، لن أكتب عن غازي الإنسان ، ولن أكتب عن غازي المواطن ، ولن أكتب عن غازي الكريم نظيف اليد في زمن صارت فيه النزاهة والنظافة عملة نادرة ، لن أكتب عن مزاياه التي كتبها كثير من محبيه وسالت أقلامهم بصفاته ومناقبه فلم يتركوا زيادة لمستزيد ، ولن أكتب لأرثيه ، وكيف يُرثى سيد الرثاء ؟ بل كيف يُبكى من بكى واستبكى كل من قرأ قصائد الحزن وبكائياته التي فاضت بها دواوينه ، إذ عرف الهموم مذ كان رضيعا :

عرفتُ عصارةَ كلّ الهموم ِ رضيعاً ... وعاصرتها أمردا


وهل ثمة حزن أكبر من فقد رضيع أمه قبل أن تتفتح عيناه وأحاسيسه على الحياة ، اليتم حالة لا يعرفها إلا من ذاقها طفلا ! فلا غرو أن يتلبس الحزن بغازي مذ كان رضيعاً وتظل الهموم ملازمة له حتى آخر سنيّ عمره:

وجربتها وحسامُ السنين مشيب ٌعلى مفرقي عربدا

الحزن حالة إنسانية يصاب بها معظم الناس ويتفاعلون معها كلٌ بطريقته ، أما الشعراء المبدعون فيوظفونه توظيفاً فنياً وجماليًا وفلسفيًا ، بأدوات شعرية وقدرة إبداعية وغنائية عذبة ، فلا عجب أن يقول غازي عن نفسه ( أنا إنسان طفا على سطح الحياة ، فرأى الكثير الكثير من الدموع والقليل القليل من الابتسامات ، فحاول أن يمسح من الدموع دمعة ، وأن يضيف إلى الابتسامات ابتسامة ، وأن يتحدث عمّا مرّ به شعرًا ، فنجح حيناً ، وأخفق أحياناً ) !

يقول غازي عن نفسه ( أنا إنسان طفا على سطح الحياة ، فرأى الكثير الكثير من الدموع والقليل القليل من الابتسامات ، فحاول أن يمسح من الدموع دمعة ، وأن يضيف إلى الابتسامات ابتسامة ، وأن يتحدث عمّا مرّ به شعرًا ، فنجح حيناً ، وأخفق أحياناً ) !

هذا هو غازي الشاعر الإنسان ، مواسم ألم وحزن ودموع وموت ! وليس ثمة أصدق من شاعر يرثي أقرب المقربين إليه ، ولم يكن غازي بدعاً في هذا ، فقد سار على نهج من سبقه من شعراء العربية قدامى ومحدثين ، لكنه في نظري ربما تفرّد في كثرة من رثاهم من أهله وأفراد عائلته من الدرجة الأولى ، فرثى جدته وأباه وخمسة من إخوته وأصهاره وأبنائهم ، ثم رثى نفسه وتلك قصة أخرى .

يسجل الشعراء في قصيدة الرثاء ما بقي من الراحل في الأذهان ، أحاديثَ وصورًا وذكرياتٍ تنثالُ دموعًا وآهات ٍ، فتأتي القصيدة تعبيراً عن شحنة الألم ، وصورة ناطقة عن اتساع مساحة فراق لا تُرجى معه عودة غائب ، ولا لقاء راحل لم تبق منه سوى ذكريات حزينة لا تمحوها السنون.

يفسر غازي في سيرته الشعرية مشاعر الحزن التي تتجلى في شعره بقوله:( ولدت في أحضان بيئة نفسية حزينة ، قبل أن أولد بشهور توفي جدي لوالدتي ... وبعد ولادتي بتسعة شهور توفيت أمي ... فتكفلت بتربيتي جدتي لوالدتي ، وكانت في حالة نفسية بالغة الكآبة بعد وفاة زوجها ثم ابنتها الوحيدة ...أعتقد أن هذا الجو المأساوي الذي أحاط بولادتي وبنشأتي الأولى قد ترك بصمات لا تنمحي في أعماقي من الكآبة الخفية ، وإذا كنت قد نجحت في إخفائها حتى عن أقرب الناس إليّ فإنها فيما يبدو قد نجحت في التسلل إلى أشعاري ...الحزن بطبيعته عاطفة حادة مشتعلة بخلاف السعادة فهي عاطفة هادئة لا نكاد نحس بها إلا إذا فقدناها ... إن مشاعر الحزن قد لا تكون هي الغالبة علينا ، ولكنها عندما تمرّ بنا تمرّ عنيفة قوية تترك أثراً واضحًا على حياتنا وعلى شعرنا إن كنا من الشعراء) ص52 .

في كتابه (المواسم 2006) يروي طفولته وذكرياته وما راعه من حزن بالغ بموت مَن أحبهم ، فقد كان الموت موسمًا من المواسم التي مرت به وأكثرها حفرًا في وجدانه ورؤيته للكون والحياة ، يستفتح كتاب المواسم الذي كتبه وهو في الخامسة والستين متوسلاً ضمير المخاطب ( تسكنك هواجس الرحيل ، تشعر أن المسافة بينك وبين نهاية الطريق تهرب بسرعة غير مألوفة ، تشكو أشياء لم تكن تشكو منها ، تلمس في جسدك ضعفًا لم تعهده من قبل ، تصحو مكدودًا وتأوي إلى فراشك مرهقًا ، لا يجيء النوم الذي كان لا يغيب ، تأتي أفكار معتمة كدخان أسود ، وتتقلب حتى يملّك الفراش ... ، ليس لك من شؤون الحياة والموت شيء، له الخلق والأمر ) ، هكذا كان يوطن غازي نفسه للرحيل فيطرح جدلية الموت والحياة . ولأن الموت موسم من مواسمه نجده يصف أول مواجهة له معه حين ماتت جدته التي (كانت تموت في بيروت ... وجئتَ إلى بيروت ... لتجدها قد ماتت ودفنت ، ولتقف باكيًا أمام قبرها ... في خريف سنة 1965 كنتَ في الخامسة والعشرين تواجه الموت لأول مرة ، كنتَ تخافُ عليها من الموت ، تخافُ عليها وتخافُ على نفسك ، تخافُ أن تواجهَ الحياة بدونها) ، أما شقيقته حياة فيقول عن موتها (وأنت في قبضة الصدمة الخانقة تبتلى بموت من تحب ، تسير القافلة الحزينة الدؤوب بشقيقتك حياة ... وفاطمة تصر على أن تأخذك لتوديعها وأنت تمانع لا تريد أن ترى الموت حيث كانت الحياة).

إن التلازم بين الشعرية والزمنية تلازم حتمي لأن الزمان يتحكم بكل شيء من جهة ، ولأن أجمل صياغة للزمن وإعادة تشكيله لا تأتي إلا عبر اللغة الشعرية، وهذا ما تقوم به الذات الشاعرة بما لها من خصائص تختلف عن البشر العاديين ، ففيها تتعايش الطفولة والحياة والموت والأزل والفناء والخلود . وهاهو يحكي معاناته النفسية والجسدية تحت وطأة

ثقل السنين على كاهله قائلاً (وأنت في الخامسة والستين تحمل ألف جرح بعضها ينزف وبعضها جفّ وبعضها يتكون، وتشعر بإرهاق يملأ جسدك وروحك ، تجد نفسك في المسجد تجد نفسك في المقبرة ، تجد نفسك في مجلس العزاء) ! وفي هذا المناخ النفسي تتجلى الذكريات والحنين والوداع والإشفاقُ، وملامحُ الرحيل ، ويبلغ الشعور بضغط الزمن في أعماق النفس ذروته (تنوء بالسنين التي تلتصق بالسبعين بالتقويم الهجري ، ويحسبُها الجسدُ بلا حاجة إلى تقويم ، تحس وطأتها في كل خلية من خلاياك ، وتشعر بحاجة إلى الراحة بعيداً بعيداً).

بهذا الشكل يطرحُ غازي جدلية الموت والحياة ، وما الذكريات سوى مقارنة بين ماضٍ عاشه، وبين حاضرٍ هو الفناء في لجَّةِ العَدم ، إنها المعضلة الفلسفية الكبرى "الحياة والموت" حقيقتان كبريان تشكلان علَّة الوجود .

أما قصيدة ( حديقة الغروب ) التي رثى بها نفسه فتنبثق شعريتها من المضمون الدلالي للعنوان المركب الذي يحمل دلالات عميقة تتصدرها كلمة حديقة التي جاءت نكرة ؛ إذ لا نعلم أيّ حديقة هذه التي أسندت للغروب فصارت سمة له ودالة عليه، فالحديقة ليست ذات صلة بالغروب ؛ لأن الغروب في المنظومة اللغوية يتلازم تركيبًا مع الشمس والوقت والساعة والبداية والنهاية ، وهنا شكلت الحديقة معه انزياحاً دلالياً يضع القارئ في فيض من التساؤل والانفعال بالعنوان يدفعانه لقراءة النصّ ، كي يقف على معنى واضح للمركب بالبحث عن نقاط التقائهما .

يستهل القصيدة بتساؤل ينبعث من حزنه العميق الذي يصور كيف أذنت حياته بالمغيب في حال من الاستسلام واليأس والقلق، فلم يعد يريد شيئا إلا الخلاص ، فتلح عليه وطأة الزمن ، والجسد الذي أثقلته السنون وأتعبه الترحال فلا يقف في محطة حتى تسلّمه لأخرى ، والأعداء الذين لايعرفون سوى لغة الكبريت والنار، والرفاق الذين نأوا ولم يبق منهم سوى الذكريات!

خمسٌ وستون في أجفان إعصار

أما سئمت َ ارتحالاً أيها الساري ؟

أما مللتَ من الأسفارِ ما هدأت

إلا وألقتك في وعثاءِ أسفار ؟

أما تَعِبتَ من الأعداءِ ما برحوا

يحاورونكَ بالكبريتِ والنارِ ؟

والصحبُ ؟ أين رفاقُ العمرِ ؟ هل بَقِيَتْ

سوى ثُمالةِ أيامٍ.. وتذكارِ

بلى! اكتفيتُ وأضناني السرى! وشكا

قلبي العناءَ !… ولكن تلك أقداري

أما عنوان القصيدة ( حديقة الغروب ) فيحيلنا إلى حديقة أخرى ، لكنها ليست الحديقة المألوفة التي تضجّ بصور الحياة وحمولاتها الباعثة على الانتشاء والتفاؤل ، وكل ما يتولد عنهما من مشاعر وأحاسيس مفعمة بالمعاني الجميلة ، بل هي حديقة تؤذن بقرب النهاية كما يؤذن غروب الشمس برحيل النهار وانبعاث الليل ؛ والغروب هنا غروب أبديّ تتراءى صوره في الحديقة التي باتت مرتعًا للخريف الذي يتضور جوعًا ، وهي صورة فيها إيحاء دلالي عميق ، وانزياح فيه عدول عن السائد وخرق للمألوف :

هذي حديقة عمري في الغروب.. كما رأيتِ… مرعى خريفٍ جائعٍ ضار ِ

يفجِّر غازي كل كوامن داخله الواعية واللاواعية بتلقائية من خلال كلمة الغروب ، وما يتصل بها وما تحيل إليه من مفردات السنوات والعمر والموت والرحيل ؛ فالغروب يمثل له قرب النهاية والرحيل إلى عالم روحانيّ نقيّ طاهر. وقد اختار الشاعر لنصّه وحدات لغوية وركّبها تركيبا لغوياً مغايراً ، حتى ازدحمت الصور الشعرية المركبة ، بمعنى انبثاق الصورة من التركيب اللفظي ، من خلال لغته الانزياحية التي إذ تغاير المألوف ، تكتسب هويتها وانسجامها في سياق نصيّ خاصّ ؛ فهذا المرعى يحصده الخريف الذي يتضور جوعًا ، وهو غير المرعى المألوف الذي يتفجر غِنى وريّاً بالخضرة التي تكسوه فتبعث الحياة فيمن يأتيه ملتمساً الكلأ والمرعى ، وقد شكّل من خلال هذه الكلمة - الغروب - سلسلة من الجمل الاسمية والمركبات ، التي ولّدت صورًا معبّرة عن القلق والحزن اللذين يعتريان الشاعر ويبدو هذا في:

خمسٌ وستُونَ - أجفان إعصارِ - رفاقُ العمرِ- شبابي في فتوّتهِ - الأوجاعُ سُمّاري- البحرَ قافيتي - الغيم محبرتي - الأفقَ أشعاري - الوردُ أطرقَ يبكي – شاطئك المسحور – سوق الزيف .

وأمَّا دلالة كلمة الغروب بصفتها كلمة محورية في النصّ في هذه الصورة الشعرية فتبدو من خلال شحوب الأغصان وإطراق الورد وبكائه ،وهما مبعث أسى وحزن في نفس الشاعر إذ يحيلان على غروب العمر ويؤكدانه .

وعلى هذا النحو تطرحُ القصيدةُ جدلية الموت والحياة ، عبر سيل من الذكريات تقارن الماضي الجميل _ ماض ينضح بالحيوية والشباب _ بحاضرٍ يترقب النهاية مستحضرًا ما بقي من سنوات العمر، فهو يتأمل الموت ويحاول أن يقول من خلال قصيدته ما يشبه أمنياته وأحلامه التي طالما أراد أن يحققها أو يراها ، تصبح إذن قصيدة رثاء الذات ، مرآة للذات لا مديحًا لها. ويختم القصيدة بالابتهال والتضرع إلى الله بما يكشف عن عمق إيمانه (رحمه الله):

يا عالم الغيبِ! ذنبي أنتَ تعرفُه

وأنت تعلمُ إعلاني.. وإسراري

وأنتَ أدرى بإيمانٍ مننتَ به

عليّ ما خدشته كل أوزاري

أحببتُ لقياكَ.. حسن الظن يشفع لي

أيرتُجَى العفوُ إلاّ عند غفَّار ِ؟

* نقلاً عن "الرياض" السعودية

جميله
08-23-2010, 05:36 PM
غازي .. الرجل الذي أحبه الناس

الأمير عبدالعزيز بن ماجد *

غازي ...

الرجل...

الذي أحبه الناس...

تمضي بنا الأيام سِراعاً؟

ونحنُ في غفلةٍ إلى أن تُوقِظنا بعضُ ساعاتِ الأحزانِ ؟

بالأمسِ كانَ خَبرُ وَفاةِ الدكتُور غازي القصيبي...

ذَاك الرجل الذي شَغلَ النَّاس طَويلاً ...

فغيِّبهُ الموتُ ضمنَ حلقاتٍ ممتدةٍ من رحيل المبدعين..

وقبل أن نتذكَّر هذه القامةَ الفكريةَ كرجُل دولةٍ من الطرازِ النادرِ ..

ومثقف متعدد المواهب..

سرحَ بي الفكرُ بعيداً إلى تاريخ 14/4/2003م عندما سطَّرَ – رحمه الله – مقالةً في جريدةِ "الرياض" يَرْثِي بها الوالدَ صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبدالعزيز بعنوان "ماجد ... الرجل ... الذي ملكه الناس"

مازِلتُ احتفظُ به كواحدٍ من أجلِ ما كتبَ فِيهِ – يرحمه الله – لما أعرِفُهُ من قوةِ العلاقةِ بينهما...

ولصدقِ تلكَ المشَاعرِ التي وَرَدَت في المقَال ...

وكما عبَّر الدكتور غازي بأن النَّاس عِندما ملكوا ماجداً ...

لم يكن ذلك إلا من خِلالِ عشقه للتواضع .. وأنفه من الكبرِ ... وبِخُلقهِ ونُبلِهِ .. وبقلبِهِ المفتُوح للجمِيعِ ... وبامتِدَادِ يَدِهِ للعَطَاءِ ... وبلِسَانِه لقولِ الخيرِ ... وبابتِسامَتِهِ التي لا تَنقطِعُ ... وبإخفَائِهِ لحُزنِهِ من أجلِ إسعَادِ الآخَرين ..

هَاهُمُ النَّاس أحبّوا غازياً.. كرَجلٍ خَدَمَ بَلدَهُ بِكُلِ ما استَطَاع...

قِيلَ عَنِهُ الكثِيرَ في حَياتِهِ ... وسيُقَالُ الكثيِرُ عنهُ بعدَ وفاتِه ...

لكنَّ الجَمِيعَ مُتَفِقونَ على أنَّه شَخصٌ غيرُ عَادي ... حتَّى بعدَ وفاتِهِ ..

مُعظَمُ الَّذينَ خَاصَمُوهُ وناوأوه تراجَعُوا ... واعترَفُوا بقُدُرَاتِه ...

وكلُ الَّذينَ أحبُوهُ ورَأوا فِيهِ ذلك الرَّجلُ الصَّادقُ سَيَستَمِرُونَ لهُ بالوَفَاء ..

كقَامَةٍ فِكرِيةٍ مُتَمَيزةٍ ...

وصَاحِب حُضُورٍ إعلامِي وثَقَافِي مُؤثِر..

لقد تخطَّى حُدُودَ الجُغرافيا ليَصلَ إلى العَالمِ أَجمع ..

وتَركَ لنا سِيرةً مُتَعدِدَةَ الإبداع...

فجَاءَ واحِداً من رِجَالِ الدَّولةِ شاهداً على فترةٍ من فَتَراتِ البِنَاء ... ومُشَارِكاً فِيها..

لم يَتَوقف طُمُوحهُ عِندَ حدٍ بِقدرِ دفع وطنِهِ نَحوَ الُمستقبلِ ...

فجاءَ قَبُولُه مِن أربَعَةٍ من أعظَمِ مُلُوكِ هَذا البلد...

ولم يَختَلِف أحدٌ على قُدُرَاتِه ...

وصِدقِهِ ... ونَزَاهتِهِ ... وتَفَانِيهِ ... في العَمل ... وثِقَتِهِ في مُواجَهةِ التَّحدِيَات ...

تُوفِى غَازِي ... هَكَذَا شَاءت إرَادَةُ اللهِ ... وحُكمُهُ لا يُردُ ... ولكِن يَظلُ السُؤالُ قَائِمَاً ... لمَاذَا حَزُنَ الجَمِيعُ عَلى وفَاتِهِ ؟ ابتِدَاءً مِن نعيِ الدِّيوانُ المَلكي ... إلى جَمِيعِ أفرَادِ الشَّعبِ السُعُودِي ...

إنَّهُ التَّعبِيرُ عن الحبِ الصَّادِقُ !!!

وقَبُولُهُ لسِيرَةِ رَجُلٍ خَدَمَ بِلادَهُ بِكُلِ ما أُوتِي من قُدرَةٍ وإبدَاعٍ ... والتَّأكِيدُ على أنَّ مِثلَ مَواهِبَهُ قلَّ أن تَجتَمِعَ في رَجُلٍ ...

ها هُوَ يُوَدِّعُ الحَيَاةَ الفانِيَةَ ... ليَتَوقَف بعدَ مُعَانَاةٍ مَع المرضِ ...

تارِكاً لنَا رصِيداً من الشِّعرِ نَتَلذذُ بقِرَاءَتِهِ ..

وكمَّاً من الرِواياتِ تَعكِس واقِعَنَا ...

وسيرةً ذاتية في الإدَارَةِ تُعَلِمُنَا كيفَ يَكُونُ النَّجَاحُ ...

وأضَاءَ بنقدِهِ المُبَاشِرَ طَريقَ حيَاتِنَا ...

وسَيَظلُ مُثِيراً للجَدَلِ حَتَّى بعدَ وفَاتِهِ ...

لقد رَفعَ رايةَ العِلمِ أولاً ...

مُنذُ أن أصدرَ دِيوانَهُ "مَعركَةٌ بِلا رَاية " ...

حِينَمَا ترَكَ خُصُومَهُ يتجادَلونَ مع فِكرِهِ ...

لقد رَحَلَ عن دُنيَانَا ... ولكنَّهُ لم يَرحَل عن ذاكِرتِنِا ...

كان يتَصفُ بالشَّجاعَةِ في الرأيِ ..

ويُنَاضِلُ مِن أجلِ تحقِيقِ أهدَافِهِ المُعلَنَةِ ...

ولم يخدِش سِيرَتَهُ بِما يَمُسُ كرَامَتَهَا ... حتَّى اتَفَقَ خُصُومُهُ قبلَ مُحبِّيهِ على نَزَاهتِهِ ..

ولِهذَا كانَت محبةُ النَّاسِ لهُ ...

فكَبُر بعُيُونِهِم حيَّاً وميِتاً ...

إنَّه رَجُلُ الفكرِ ... ورَجُلُ المواقِف ... ورَجُلُ الصَّدقِ ... ورَجُلُ الإدَارَةِ.

حتَّى عدَّهُ النَّاسُ "استثناء"

عَمِلَ بِوضُوحٍ ... وَعاشَ بوضُوحٍ ... وبنَى مواقِفَهُ بِوضُوحٍ ...

لقَد جَمعَ – رَحِمهُ الله – بينَ استِقلاليِةِ المُثقَفِ .. ووعيِ المسئوُلِ ... من خِلالِ قُدرتِهِ على التَّوازُنِ ...

فنَالَ بهَذَا شَرَفَ محبة النَّاسِ ...

لم يَتَوقف عَطاؤه في حَيَاتِهِ...

بل استَمَرَ حتَّى لحظةَ وفَاتِهِ ...

حيثُ تَرَكَ أعظَمَ رِسَالةٍ لِكُلِ مسئُول ...

بِأنَّ لا شيءَ يَحفظُ قِيمَةَ الإنسَانِ مِثل نَزَاهتِهِ ...

وأنَّ حُبَ النَّاسِ لا يُعَادِلُهُ ثَمَن ...

فَهُوَ الَّذي يبقَى ...

أبَا يارا بِوَفَاتِكَ تَنقَضِيِ صفَحةٌ مِن صَفَحَاتٍ الفِكرِ ...

ويفقِدُ الوَطَنُ أحَدَ رُمُوزِهِ الكَبِيرة ...

مِن خِلالِ حَياتِهِ الحَافلةِ بالعَطَاءاتِ ....

وإرثِه المليءِ بالانجَازَاتِ ....

فرحِمَ اللهُ هَذَا العِملاق ...

وجَمعَنَا بهِ في دارِ كَرَامَتِهِ ...

وهَكَذا يَكُونُ رَحِيلُ الكبَار ...

الَّذينَ يُحارِبُونَ الزَّيفَ والفَسَادَ ...

ويجعَلُونَ مِن ولائِهِم لوَطَنِهِم حَدِيثَاً ....

حتَّى أَسَرَ النَّاسَ بحُبِهِم لهُ ...

وألَّفَ القُلُوبَ وجَمَعَهَا عِندَ وفَاتِهِ ...

وإنَّا بفِرَاقِكَ يا غَازي لمَحزُونُون ....


*أمير منطقة المدينة المنورة

جميله
08-23-2010, 05:48 PM
رحم الله القصيبي.. فقد كان رجالاً في رجل
يوسف بن عبدالله السلامة

مع الإيمان التام بالقدر المكتوب والأجل المحتوم، كما كتبها العزيز الحكيم، إلا أن الإنسان بطبيعته البشرية، التي تنطوي على كتلة من الأحاسيس والمشاعر، يجزع ويحزن لفقد عزيز، وتتعاظم تلك المشاعر عندما يكون الفقيد ذا أثر في حياته، وحياة من حوله في مجتمعه.

هذا الحال ينبطق على فقدنا لابن الوطن البار، وأحد عرابي نهضتها الحديثة، معالي الدكتور غازي القصيبي، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته..

بالتأكيد لا يمكن لنا أن نحصر مآثر فقيد الوطن لوطنه ومواطنيه من انجازات ونجاحات.. بهذه العجالة.

ولكني أود أن أتطرق إلى تجربة شخصية مع الفقيد، وكان ذلك في بداية التسعينات الميلادية، عندما كان وقتها سفيراً للمملكة في البحرين، وأصدر وقتها كتابه «حتى لا تكون فتنة».. الذي لخص فيه كثيرا من المساجلات التي وقعت بينه وبين بعض الأشخاص في أثناء غزو الكويت من قبل العراق، ولأن فكر الرقيب لدينا لم يفرق بين ما يطرحه الفقيد من رقي ووعي وتثقيف ووطنية، وما يطرحه غيره، فقد منعوا وصول كتبه إلينا بالمملكة، وعلى طريقة فكر الديناصورات..

وعليه فقد بادرت بمراسلته بطلب نسخة من كتابه، مع الأخذ بالحسبان عدم امكانية ذلك.. ليس لسبب إلا لأنه قد يكون، وبما لديه من المشاغل والمسؤوليات، ما يصرفه عن وجود الوقت الكافي للتجاوب، ولكني فوجئت بعد أسبوع فقط بوصول رسالة من الدكتور غازي، متضمنة نسخة من كتابه، وبإهداء جميل خطه بيده الكريمة بدأها.. بأخي العزيز..

هذه التجربة أغرتني بأن أكررها مرة أخرى عندما أصدر كتابه الرائع «حياة في الإدارة» ووقتها كان سفير المملكة في لندن.. وكما حدث في المرة الأولى فلم يمض أسبوع إلا والبريد يحمل الرد برسالة متضمنة كتابه متزيناً باهداء جميل ومشاعر رقيقة.. بدأها بأخي العزيز..

هذا التواضع الجم، وحب الناس، والعلاقات الإنسانية الجميلة بشخصية المرحوم غازي القصيبي.. كانت إحدى الخصائل الحميدة التي ساهمت في زيادة محبة الناس فيه.. فضلاً عن شخصته الكارزمية، وصفاته القيادية الهائلة، التي أهلته لأن يكون أحد أهم عناصر التأثير والتغيير في نهضة المملكة العربية السعودية.

إن خسارة الوطن قامة وهامة عالية مثل الدكتور غازي القصيبي- يرحمه الله - بلا شك فادحة، ولكن عزاؤنا أنه ترك لنا إرثاً هائلاً ومتنوعاً في أكثر من الجوانب القيادية، والإدارية، والأدبية، وتجارب متعددة، كان هدفها رقي الإنسان وغياتها رفع شأن الوطن.

رحم الله غازي القصيبي، فقد كان رجالاً في رجل، وألهم أهله ومحبيه والوطن الصبر والسلوان.

(إنا لله وأنا إليه راجعون)

جميله
08-23-2010, 09:13 PM
الطرب الحزين
عبدالله ناصر الفوزان

في خضم كل هذا الفيض من المشاعر المتخاصمة.. وكما حدث منذ عام.. أعدت قراءة قصيدة الدكتور غازي رحمه الله.. فراودني الشعور نفسه ذلك الذي راودني منذ عام.. فتفجر ما كان محتبساً في نفسي.. وشعرت أن الدكتور غازي كان بتلك القصيدة لا يرثي فقط رفيق شبابه (أبو هشام) بل كان أيضاً يرثي نفسه



صاحب بعد صاحب بعد صاحب
تتبارى إلى القبور المواكب

يا رفيق الشباب والعمرُ غضُّ
ما أمر الوداع والعمر شاحب

طفلة كانت الحياة فصارت
ذئبة والعيون صارت مخالب

طفلة كانت الحياة وكنا
فتية نملأ الدنى بالعجائب

أين عهد الطموح والضرب في
الآفاق والبحث عن تخوم المصاعب

أين عهد الجموح والغوص في
الأحداق والشعر في الملاح الكواعب

إن ما كان روعة وتولت
وشروقا ما أمهلته المغارب

يا رفيق الشباب يرتحل الصحب
وأبقى للذكريات العقارب

جف دمعي فما يسيل ولكن
ينزف القلب كالغيوم النوادب

يالعمري ذبالة في جنون الريح
حنت إلى هدوء الغياهب

****

الله .. الله.. الله.. كررتها منذ أكثر من عام كما يفعل حضور حفلات أم كلثوم في العصور الخوالي وأنا أنتهي من قراءة تلك القصيدة المؤثرة التي أبدعها شاعرنا الكبير غازي القصيبي يرثي بها رفيق شبابه الأخ عبدالله الحقيل رحمه الله.
وها أنذا الآن بعد أن بلغني خبر وفاة حبيبنا (أبوسهيل) أعود للقصيدة وأعيد قراءتها وأقول... الله.. الله.. الله.. تماماً كما قلت منذ عام، وبالأحاسيس نفسها.
المشاعر التي مرت علي منذ عام، مرت علي الآن وأنا أقلب صحف يوم أمس، وأتأمل في ذلك الفيض المتضارب الذي يبرق أمامي بالأسود والأبيض.. بالأحمر والأخضر.. بالتعازي والتهاني.. والأتراح والأفراح.. والابتسام والوجوم.. والقهقهة والنحيب.. زملاء يحتاجون مني التهنئة.. وزملاء يحتاجون المواساة.. هل أستطيع أن أرتدي كل الألوان مثل تلك الصحف...؟ لا.. لا أستطيع.. فكيف لي بتلك القوة التي تجعلني قادراً على الغناء الجميل المؤثر وحنجرتي تغالب حشرجة النشيج.
في خضم كل هذا الفيض من المشاعر المتخاصمة.. وكما حدث منذ عام.. أعدت قراءة قصيدة الدكتور غازي رحمه الله.. فراودني الشعور نفسه ذلك الذي راودني منذ عام.. فتفجر ما كان محتبساً في نفسي.. وشعرت أن الدكتور غازي كان بتلك القصيدة لا يرثي فقط رفيق شبابه (أبوهشام) بل كان أيضاً يرثي نفسه.
الله... الله... يا دكتور غازي...
طفلة كانت الحياة فصارت ذئبة والعيون صارت مخالب
... الله.. الله.. يا أبا سهيل.. شروق ما أمهلته المغارب... يا رفيق الشباب يرتحل الصحب وأبقى للذكريات العقارب.
لقد شعرت منذ أكثر من عام وأنا أتخيل الدكتور غازي وهو ينسج تلك القصيدة أنه يمر بحالة انصهار.. نعم.. حالة انصهار.. فقد انتزع الحزن منه هذا الإبداع المؤثر. إذ إن علاقة الإنسان بالإبداع، إما حالة عناق، أو حالة انصهار، وقد كان الدكتور غازي في أزمان خوالٍ يمر بحالات عناق، فيتحفنا بقصائد جميلة تجعل قارئها يتمنى جناحين ليحلق مع الشاعر في ملكوت الحب والفرح والجمال، ثم جف ذلك المعين بعد أن تحول عناقه إلى الإدارة والرواية، فأصبحت حالات الولادة قيصرية لا تتم إلا تحت الانصهار، والطرب الحزين حالة من حالات إبداع الانصهار.
الله.. الله.. يا أبا سهيل...
صاحب بعد صاحب بعد صاحب..
تتبارى إلى القبور المواكب...
نعم تسابقت كما سجلت في قصيدتك إلى القبور مواكب إخوتك وأصحابك.. وقبل أمس كان الدور على موكبك المهيب محمولا على الأعناق يردد ما كنت تقوله... طفلة كانت الحياة فصارت... ذئبة والعيون صارت مخالب..
لقد كنت مبدعاً استثنائيا منذ كانت الحياة طفلة تلعب معك وتهبك الأحلام والأعلام بل وحتى بعد أن تحولت إلى ذئبة لها أنياب ومخالب.
رحل عنا المبدع الاستثنائي القوي الأمين لاحقاً بصحبه وارتاح من الذكريات العقارب... وقد قالها أبو سهيل.. ذبالة في جنون الريح حنت إلى هدوء الغياهب.. وها هي الآن بعد ذلك الصخب الكبير في مواجهة جنون الرياح في الكفن الأبيض مسترخية في سكون الغياهب.

جميله
08-23-2010, 09:29 PM
غازي لم يمت

أسامة بن عبد المجيد شبكشي
تبارت الأقلام في رثاء فقيد الفكر والإدارة والأدب الدكتور غازي بن عبد الرحمن القصيبى. إن من أصعب الكتابات المراثي.. فما بالكم إن كنا نرثي شخصا عزيزا على القلب متعدد المواهب.. فهو شاعر وهو الأكاديمي وهو الإداري وهو المتحدث الآسر.
كان ــ رحمه الله ــ شجاعا مقداما يقتحم مواطن الحذر بثقة متناهية، مؤمنا بسلامة ما يدعو إليه. كان ــ رحمه الله ــ زميلا لشقيقي الأكبر السفير فوزي شبكشى خلال مرحلة الدراسة الجامعية في القاهرة، وكان شقيقي يحدثنا عن الكثير من محاسنه، غير أنني التقيت به لأول مرة حينما كان وزيرا للصحة في ثلوثية الإعلامي اللامع محمد سعيد طيب. وواجه تلك الليلة العديد من الأسئلة الحرجة، إلا أنه بكياسته المعهودة ورحابة صدره أقنع الحضور بوجهة نظره، فهو متحدث لبق ولديه قوة إقناع مذهلة، وإذا هو يسألني عن منصبي ــ آنذاك ــ فأجبته: عميد كلية الطب بجامعة الملك عبد العزيز.. فمازحني متسائلا إن كان بالإمكان أن نتبادل المناصب، حيث أنه كان يتوق للجو الأكاديمي، مشيرا إلى أن عمله كوزير يعنى الصحو المبكر، زوارا ثقلاء، ومصالح ترتدي ثوب النزاهة إلا أن وقته لا يسمح له بالاثنين. ومن المشهود للدكتور القصيبي أنه اختط مسالك وزارية جديدة للتغلب على البيروقراطية عبر الزيارات المفاجئة.. كان عرابا لتلك الزيارات الفجائية تبعه وزراء ليس في المملكة فحسب، بل وعلى مستوى العالم العربي، وخير دليل على أسلوبه الإداري الناجح ما صاغه يراعه الرشيق في كتابه «حياة في الإدارة» دون فيه مسيرته في العمل الأكاديمي والسياسي والدبلوماسي يقدم فن الإدارة بأسلوب مبتكر، ويعتبر من أجمل كتب السيرة الذاتية الملهمة للأجيال، مبتعدا عن التنظير والنقاشات الفردية، ويقدم في ثنايا تجاربه فوائد إدارية استخلصها من معاركه مع البيروقراطية.
التقيت بالدكتور القصيبي مرة أخرى حينما كان سفيرا لخادم الحرمين الشريفين في لندن، وكنت ــ آنذاك ــ وزيرا للصحة، فسرد لي المتاعب التي يواجهها في وزارة الصحة كأخ أكبر يحاول أن يرشدني، حتى لا أمر بنفس تجاربه المريرة في محاربة الفساد، حيث كشف عدد من الرشاوى في حقبة عمله في وزارتي الصناعة والكهرباء والصحة، وأصر على أن يرافقني من مكتبه إلى خارج مبنى السفارة.
أثناء زيارة لي إلى سفارة المملكة في لندن قبل ثلاثة أسابيع استقبلني أحد سائقي السفارة وهو سوداني الأصل بريطاني الجنسية، وكان يعتقد أننى آتٍ من المملكة، فسألني بتلهف عن صحة الدكتور غازي القصيبى، وإذا بعينه تفيض دمعا حينما طلبت منه الدعاء له.. فسألته عن أسباب بكائه، فأخبرني بأن الدكتور غازي القصيبى كان عطوفا حنونا عامل جميع العاملين بالسفارة كعائلة واحدة، ما أكسبه ود واحترام العاملين في السفارة.
تشرفت بمزاملة الدكتور القصيبي أثناء رحلة الوزراء من وإلى مجلس الوزراء، إذ كان المجلس ينعقد بمحافظة جدة. وفى إحدى رحلات العودة إلى الرياض جلس بجواري ليخبرني بأن والدته توفيت في عز شبابها عن ثمانية وعشرين ربيعا في الإحساء نتيجة إصابتها بداء التيفوئيد، كان متأثرا للغاية في حديثه، فأدرت دفة الحديث إلى مادة يعشقها.. الأدب، واتفقنا على حبنا للأدب، هو الأديب الألمعي والشاعر مرهف الأحاسيس، وأنا كقارئ مستمتع بشعره وسلاسته، تقمص في كثير من أشعاره روح أستاذه أبو الطيب المتنبي المتمردة والطموحة، والتي تطل على فضاء اللغة بكثير من الاعتزاز، إلى أن استعار منه صفة لازمته أينما رحل وهى: (مالئ الدنيا وشاغل الناس)، بعد كل كتاب أو ديوان شعر أو قصيدة يخطها قلمه الرشيق ليعود بعدها ــ رحمه الله ــ إلى عمله الوزاري أو الدبلوماسي، متمثلا قول المتنبي:
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصم
ومن المصادفات العجيبة أن يلبي كلاهما نداء ربه خلال شهر رمضان المبارك، حيث قتل المتنبي في النعمانية ما بين 24 ــ 28 رمضان 359هـ الموافق 27 سبتمبر 960م، أرجو من الله أن يرحمه في هذا الشهر الفضيل.. شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار.
سألني مرة قبل اجتماع مجلس الوزراء أي كتب من كتبه قرأتها فأجبته: «حياة في الإدارة»، «العصفورية»، و«ثورة في السنة النبوية». وحينما سألني عن رأيي فيها أجبته: من أنا حتى أقيم عملاق الأدب العربي، فتبسم بلطف وكان ــ رحمه الله ــ غزير الكتابة منظما لأوقاته، ما مكنه من إثراء المكتبة العربية، إضافة إلى كتبه وإبداعاته الشعرية مثل: «صوت الخليج»، «الأشج»، «اللون عن الأوراد»، «أشعار من جزائر اللؤلؤ»، «سحيم»، و«معركة بلا راية». أما في الفكر: «الغزو الثقافي»، «أمريكا والسعودية»، «حياة فى الإدارة»، و«الأسطورة». أما آخر كتاب خطته أنامله وهو على فراش المرض سماه (الزهايمر) أشبه ما يكون بوصيته الأخيرة يعرب فيها عن نظرته إلى أمور طالما شغلته، مثل: الشيخوخة، الذكريات، النسيان، الألم، والموت. إنها شهادة القصيبى على أيام المرض والعلاج، إلا أن كرامته حالت دون أن يمنح هذا النص صفة السيرة الذاتية، فأختبأ خلف بطله «يعقوب العريان».
قبل سفري إلى ألمانيا، بعد تشرفي بالثقة الملكية الغالية لكي أستلم مهام عملي كسفير لخادم الحرمين الشريفين زرت الدكتور القصيبي مودعا، ولكي أستنير بخبرته كسفير محنك، سواء أكان في فترة عمله في البحرين أو بريطانيا، فوجدته مهموما حزينا كوزير للعمل من ردة فعل رجال الأعمال على محاولاته سعودة بعض الوظائف، مبديا امتعاضه من عدم تعاون رجال الأعمال مع خطط الوزارة للحد من البطالة.
إن فقد الدكتور غازي القصيبى ليس سهلا.. فقد كان ملء السمع والبصر حاضرا في كل مجال للخير.. كان قريبا من ربه يخافه ويرجوه، كما وضح من بيتي الشعر الأخيرين اللذين أرسلهما وهو على فراش المرض إلى الشيخ سلمان العودة كاتبا:
أغالب الليل الحزين الطويل
أغالب الداء السقيم الوبيل
أغالب الآلام مهما طغت
بحسبي الله ونعم الوكيل
لا أتصور منصبا يمكن أن يتولاه أبو سهيل إلا نجح فيه وأبدع. لقد أتقن أصول الإدارة.. كان شجاعا فيما يرى أنه حق، حتى وإن كان على نفسه، كان وقته وقفا على وطنه وخدمة مليكه بهمة قعساء، كان نجما يشغل الأسماع والأبصار تغريدا بحب الوطن.
إن حيز المقال ضيق لا يفيه حقه بأي حال من الأحوال، مقترحا أن تكتب عنه رسائل ماجستير ودكتوراة لتحليل كنوزه الشعرية والأدبية والإدارية، إن من حقه علينا أن نتذكره وأن نذكره بالخير، إلا أن من طبيعة الحياة تلاشي الذكرى مع مرور الوقت، لذلك أؤيد اقتراح الأخ العزيز الدكتور هاشم عبده هاشم في صدد تكريم الوزير والأديب والإداري غازي القصيبى بأن تتولى جامعة الملك سعود (والتي عمل بها ــ رحمه الله) تأسيس كرسي علمي يطلق عليه كرسي غازي القصيبى للإبداع وأن يطلق اسمه على إحدى قاعات المحاضرات في الكلية التي عمل بها: كلية التجارة (إدارة الأعمال حاليا) بجامعة الملك سعود (أسوة بما قام به رجل الوفاء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز ،حينما أصر على تسمية إحدى قاعات مبنى جمعية الأطفال المعوقين باسم غازي القصيبى، تقديرا لتبنيه فكرة تأسيس جمعية الأطفال المعوقين والتي رعى انطلاقاتها الأولى)، وحتى لا تنطفئ شعلة ذكراه في خواطرنا.
عزاؤنا لوالد الجميع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز، والنائب الثاني صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز، ولعائلته الكريمة وأبنائه وبناته وأسرة القصيبى كافة ولأصدقائه وأحبائه، وأن يلهم الجميع الصبر والسلوان.
«وإنا لله وإنا إليه راجعون».

جميله
08-23-2010, 09:47 PM
غازي القصيبي.. سلاماً
الأيام البحرينية
gmt 23:37:00 2010 الأحد 22 أغسطس


إسحاق الشيخ يعقوب

تنقّل في عدة وزارات... وهو في كنف اربعة ملوك... تناوبوا على حكم شبه جزيرة العرب.. ثلاثة منهم رحلوا في حياته.. ورحل هو في حياة رابعهم...
أمثقّف سلطة هو؟!
بلى انه مثقف السلطة!! الا انه ليس مثقف سلطة أمّعة كالذين يغُصّون بلقمة اسيادهم... هو مثقف عضوي... ومثقّف غير عضوي.. ايمكن ان يكون مثقف السلطة مثقفاً عضوياً بالمعنى الغرامشي؟!
انه مثقف يعرف كيف يُدير لغة الكلمة... ويثير ضجيجها في نفس من بيده سلطة القرار... بلغة واثقة بالصدق والاخلاص.. للحاكم... ام للوطن؟! الحكام يرحلون ويبقى الوطن.. وكان بسيطاً وهو ما يشير الى صدقه.. وكان متواضعاً.. وهو ما يُشير الى اخلاصه.. وكان ودوداً وهو ما يشير الى سماحة روحه.. وكان مثيراً في حضوره.. وهو ما يشير الى جاذبيّة شخصيته.. وكانت له سجيّة سهلة ممتنعة.. شامخة محاورة ومناورة... تأخذه ولا يأخذ بها.. حتى وهو في حضور ملك... اججه وشاة مثقفي السلطة ضد مثقفي السلطة!! انهم ينهشون لحوم بعضهم البعض حسداً.. ويهبطون بأنفسهم.. هو ما كان منهم بالرغم من انه من سرب مثقفي السلطة.. الا انه كان يغرّد خارج سرب السلطة... كيف له ان يكون في سرب السلطة... ويُغرِّد خارج سرب السلطة؟! انه حالة استثنائية في سرب السلطة!!
ما رأيته الا قلقاً.. وما سمعته الا قلقاً.. وما تجسدتُ دواوينه شعراً الا ووجدته قلقاً... حتى وهو ماسك دفة ادارة وزارته تراه قلقاً..
ان عظمة الرُّبانّية في قلقها... وما رأيت ربّاناً جهبذاً ماسكاً بدفة سفينته يمخر عباب البحار.. إلا وهو قلق.. الخلق موهبة الابداع في القلق... وكانت المواهب جميعها تستوي وتتألق في صهاريج القلق!!
فالطيور قلقة في اعشاشها.. واذا فقدت القلق... تهاوت اجنحتها وفقدت حالة الطيران صعوداً في الفضاء!!
والقصائد الجميلة لا تستوي وتتناضج الا في ذروة القلق!!
أنظرُ الى عينيه الأوّابتين في الحياة... فأراهما تضجُّان بالقلق... فاتصور قامته الضخمة والطويلة تضجُ في عينيه بالقلق!!
احد التافهين منا... اجل منا نحن معشر اليسار... يتأفف عندما نأتي على اسمه كقامة ادبية وفكرية وتنويرية وطنية... فيقول: اتركوه انه مثقف بلاط السلطة... هو لا يدرك ان المثقف العضوي يمكن ان يؤدي دوراً ايجابياً وطنياً تحت كنف حاكمية السلطة... في وقت من الزمن زرته في منزله في البحرين برفقة الاديب النابه الدكتور راشد المبارك اطال الله عمره... وكان يشع بالحياة والشعر والأمل.. وما كان احد منا يدري ان أجل الموت يذرع امعاءه.. ويتحين فرصة خطف روحه...
وكان وهاّج الحضور.. وثّاب اللّمح.. صادق الطويّة.. واثق النفس.. وكانت الصحف البريطانية يومها تصفه هازئة: بوزير الهواء.. بعد ان عُيّن وزيراً للزراعة.. فأي زراعة في السعودية.. تستحق صولجان وزير ووزارة؟! وكان يبتسم ويقول.. بل قالوا وزير المجاري «والبواليع» أكان يدري انه الرجل المناسب في المكان المناسب.. داخل سلطة القرار ام خارج سلطة القرار؟!
وكان السؤال يهجس بي امامه.. فاغور عن سؤال يهاجس نفسي.. ملعون هذا الموت اختطفه قبل ان افضي بسؤالي اليه!!
رحم الله غازي القصيبي واسكنه فسيح جناته.. وألهم اهله واصدقاءه ومحبيه الصبر والسلوان..
واحسب السؤال في رحيله يرتفع شاهقاً بين محُبيه ومُريديه: (أشهقة الموت في جلل الحياة.. ام شهقة الحياة في جلل الموت؟!) وكأني اسمع نحيب شقيق روحه ورفيق دربه في جميل الشعر عبدالرحمن رفيع.. الذي اليه بهذه المناسبة الحزينة اهمس بمحبة أحرّ تعازيّ القلبيّة والوجدانية!!

جميله
08-23-2010, 09:49 PM
المثقف والسلطة.. غازي القصيبي نموذجا
الشرق الاوسط اللندنية
gmt 23:07:00 2010 الأحد 22 أغسطس


محمد الرميحي


رحم الله غازي بن عبد الرحمن القصيبي رحمة واسعة، فقد كان بجانب كل ما قيل فيه من أصدقائه ومحبيه، نموذجا حديثا ومبتكرا لعلاقة المثقف بالسلطة في مجتمع سريع التحول. تابعت في الأيام القليلة الماضية ما كتب عنه وحوله. ووجدت أنه في غمرة الشعور بالخسارة الفادحة، ثمة عبارات أفلتت من مؤبنيه مثل «لم تلوثه المناصب» أو «لم تفسده الوزارة» أو «لم يكن من المرتشين». ومثل هذه العبارات تنم عن موقف نفسي خفي، يظهر في العبارات العامة، تجاه أصحاب السلطة والعاملين معهم، رسخ في ذهن كثيرين، إلى درجة الوصول إلى محصلة، أن نفي الوقوع في ممارسات كهذه يكفي لأخذ صك البراءة. والمسكوت عنه في مثل هذه العبارات مع أنه معلوم بالضرورة، أن كل مثقف يقترب من السلطة لا بد من إمكان إفساده!

تجربة غازي في دول الخليج عامة وليس في السعودية خاصة، تجربة مثيرة للانتباه ومحط تأمل أعمق من كونه شاعرا مرهفا وكاتبا مبدعا وإنسانا محبا للحياة أو رجل دولة «لا تلوثه المناصب». تجربة غازي التي خاضها بشجاعة هي أعمق وأكثر ثراء وهي المواءمة، أو محاولة المواءمة، بين الوطنية والتحديث. وهي تجسير لهذه الفجوة العميقة التي كانت وما زالت هي أساس التحدي في مجتمعاتنا بين سلطة تقليدية ومطالب التحديث.

حتى تتضح الصورة فإن ما واجه العرب منذ الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم قضيتان هما أساس كل ما تفرع منهما من قضايا ومعضلات، الأولى هي مواجهة العرب بأن يقوموا بحل معضلة عالمية عجز عنها الغرب، وهي المعروفة بـ«المسألة اليهودية»، والقضية الثانية فرضتها صدفة الأيكولوجيا، أي تغذية الغرب بالطاقة الكربوهيدراتية الكامنة تحت أرضنا. هاتان المسألتان على ضخامة نتائجهما السياسية والاجتماعية أثرتا على عرب المشرق حيث إنها مجتمعات بسيطة غير مهيأة لهذا التحدي الضخم، وهي المسألة الثالثة. في ضوء هذه الثلاثية (يهود، طاقة، تخلف) التي واجهها العرب باجتهادات مختلفة أخفقت، فمن قائل إن حكم العسكر يمكن أن يواجه التحدي، وفشلت كل التجارب في حكم العسكر، ومن قائل الحكم اللاهوتي قد يواجه التحدي، وفشلت التجارب أيضا. باختصار واجه القصيبي - كنموذج للمثقف - البحث عن مخرج معقول للبدء، ولا أقول السير، في النظر إلى طريقة لبدء مسيرة المواجهة الصعبة. فكان أن توصل إلى معادلة مفادها أن «تغيير السلطة أو الدعوة لتغييرها» لا يؤدي إلى أول طريق النهضة، بل ربما أول طريق الخراب. لذا فإن أفضل مفهوم ممكن لمواجهة التحدي على المدى المتوسط هو «الإصلاح من الداخل» مع الإبقاء، بل والحفاظ، على القائم من السلطة السياسية، أي القيام وتعضيد مشروع التحديث ومواءمته مع المعطى الاجتماعي والسياسي. فخاض القصيبي معركتين معا، الأولى مع المتشددين في الداخل، حتى لا أقول مصطلحا أكثر ملامسة لواقعهم، ومع الهجمة البربرية التي تقودها دولة ضد إخوة وأهل تقريبا ليس لهم من القوة غير الحجارة والحناجر في فلسطين. في هذه المعركة الثنائية يمكن العثور على مشروع غازي القصيبي تاريخيا. ولعل اختياره لعنوان أحد دواوينه «معركة بلا راية» هو الاستعارة المبطنة لتلك المعركة. رمي حل المعضلة اليهودية على كاهل أهل المنطقة، وفي نفس الوقت مطالبتهم بتزويد العالم الصناعي بالطاقة. على ما في هذين العبأين من أهوال ونتائج، ليس آخرها التدخلات المباشرة وغير المباشرة في سير الأوطان، ولا أولها تعطيل التنمية الحقيقية الشاملة، جعل من أهمية تجسير الفجوة بين المثقف والسلطان ضرورة تاريخية.

معيار غازي الذي سوف يرجح كفته تاريخيا أنه خاض معركة التحديث بكل ما تتطلب من شجاعة، وواجه عظائم الاتهامات، لأنه كان يوقن بأن حل المعضلة الأولى (مواجهة الظلم التاريخي في فلسطين) لن يتأتى من مجتمعات منقسمة لم تقبض بعد على وسائل وأدوات الحداثة. لذلك كانت عناوين معارك القصيبي هي إصلاح التعليم، تمكين المرأة، التنمية، أو بكلماته «أهمية مراجعة الموروث الحضاري والديني لمواكبة تقدم الحياة».

على المستوى الشخصي، دفع غازي أثمانا باهظة ليس أقلها أن ينشر ويحرم أهله من القراءة، حتى أواخر أيام حياته، ولكن أكثرها إيلاما تلك الهجمات التي استخدمت فيها أبشع الألفاظ وأحط التهم في شخصه وفيمن عمل معه. في النصف الثاني من الثمانينات وجدنا غازي القصيبي، اتساقا مع ما آمن به، يحذر وينذر من الهجمة العشوائية لمدعي التدين السياسي. قابل كثير منهم هذا الإنذار بهجمات لا هوادة فيها، اختلط فيها القليل من الحق بالكثير من الباطل، بتهم العمالة والردة وحتى الكفر، إلا أن نظرة غازي في النهاية كانت راجحة، فتحول أولئك ضد الوطن فيما بعد التسعينات حيث كشفوا عن أجندتهم، وما زالوا كذلك، تحت شعارات مختلفة همّها في الأساس وقف الإصلاح، وتهيئة البيئة لانفلات بغطاء الإرهاب لا يعرف نتائجه أحد، إن سار الناس على هواهم.

تفاصيل سجل غازي القصيبي طويل يستعصي على البحث في عجالة، إلا أن المهم تأكيد تلك المعادلة الصعبة (الإصلاح والتطوير من الداخل) تهيئة لمواجهة مخاطر الخارج ومن ثم البناء عليها لاستكمال نظرية الإصلاح. ثروة المجتمع وطريقة استثمارها الاستثمار الصحيح لمواكبة التقدم بالعلم والمعارف والتنظيم الحديث هي ما شغل القصيبي في كل مساره الطويل والمثمر والوطني، وإن ترك غازي تلك المعادلة التي فهمها عدد من المثقفين في الخليج فسوف يكفيه أن يتسنم لواءها متقدما بين الصفوف.

تلك لبنة من مسيرة غازي بن عبد الرحمن القصيبي الفكرية، الصديق الذي خسرناه، وسوف تحتاج إلى تعميق وسبر ودراسة من آخرين، إلا أنها حجر زاوية مهم في البحث عن طريق بين المثقف وأهل السلطة في خليجنا اليوم.

جميله
08-23-2010, 09:51 PM
القصيبي... تفوق مزدوج
الإتحاد الاماراتية
gmt 22:19:00 2010 الأحد 22 أغسطس


أماني محمد


رحل غازي القصيبي... إنه بطل من أبطال العصر الذي كان، ورحلت معه حقبة تاريخية امتلأت حتى فاضت بالحكايات والأحداث والشخوص. وربما تأتي للرجل فرص التفوق الإداري والأدبي في آن معاً، وهذا هو أمر نادر لدى أصحاب النجاحات، فقلما نجد شخصاً يتفوق في الاثنين أي في الإدارة و الأدب.

ولمن يريد أن يتعرف على هذا الرجل، عليه أن يقرأ روايته "شقة الحرية".. العقل الأدبي الأصيل الذي أرَّخ لمرحلة تاريخية كانت تموج بالانتصارات والهزائم والأسماء البراقة في عالم السياسة والاقتصاد والأدب.

ففي شقة الحرية يروي القصيبي قصته مع ثلاثة من زملائه، ذهبوا للقاهرة للدراسة الجامعية، وكانت القاهرة آنذاك تزخر بزمن ذهبي، فقد كانت أم كلثوم تصدح بفن عذب وخطب عبدالناصر تترى منادية بالعزة العربية.. ونجيب محفوظ وغيره ممن تألقوا في ذاك الوقت.

تجربة الكاتب آنذاك أسست لشخصية مختلفة سيكون لها مستقبل حافل بالمنجزات والكتب. بالتأكيد كانت معطيات الزمن آنذاك مختلفة لأنها فترة حراك سياسي وثوري، أعطى فرصاً لم تتكرر للتألق لمثل القصيبي وغيره من الأذكياء الذين عرفوا كيف يؤسسون لأسماء حفرت مكانها في التاريخ.

والتساؤل اليوم: من سيخلف هؤلاء، في أي زمن وأي ظرف سيأتي من يشبه قصصهم البطولية ذات الفكر التحرري، والقادر على اجتراح اللاممكن؟

فجيل التكنولوجيا لا ينقصه الذكاء أو الحكمة أو المعرفة، إن أبناء هذا الجيل ينقصهم فقط الوعي الفكري، الذي يحاول البعض اليوم محاصرته والتضييق عليه بشتى السبل.

فبالضرورة أمثال القصيبي كثر... وربما تفوقوا عليه في أكثر من منحى، ولكن هل نعرفهم؟ هل ستتاح لهم فرصة الظهور والتألق والاختلاف؟

من يصدق أن الجيل الذي احتفى بالقصيبي وأشباهه لم يستطع أن يحتفي بغيره؟ فالغريب أن حرية الفكر والوعي آنذاك كانت متاحة بصورة أعمق من اليوم وأكثر نضجاً وتأثيراً.

فالحصار اليوم على العقول شديد، دون مبرر حقيقي، لذا يكمن الخوف من أمر كبير سيؤثر على سير الأحداث ذات يوم وسيكتب تاريخاً جديداً حتى وإن كان النظام يرفضه ويسعى إلى إزالته قبل أن يطفو على سطح الاختلاف.

لا تعجز الأمة عن إنجاب أصحاب الكلمات النافذة، واليوم تبدو السماوات متاحة أكثر من قبل في سفر الأفكار وتداولها، ولكن ما نسعى إليه هو صناعة رجال لهذا الزمان يحفظون ماء وجوهنا من ذل الانتظار للتغيير القادم حتماً.

فالاستثمار في شخصيات تتوازى مع القصيبي وغيره، هي الهم الأساسي المفترض... فقد سئم الرأي العام في العالم العربي من بعض الشخصيات المسكونة بهاجس النفعية.

إن رحيل مثقف كالقصيبي يثير الحزن في النفوس عليه وعلى تاريخه الذي كان جزءاً من تاريخ منطقة بأكملها، ويستحق أيضاً أن ننفذ أحلامه بأن يكون هناك أبطال لهذا الزمان يعيشون في مأمن من عذاب الرقابة والحصار مثلما عانى هو.

رحمَ الله القصيبي.. ورحمنا معه وعوضنا عنه بعشرات من رجال يصنعون التاريخ بفعل مؤطر بالشرف والنجاح.

جميله
08-24-2010, 09:13 AM
غازي القصيبي وذكرى حرب الكويت

غازي عبداللطيف جمجوم
منذ عشرين عاما بالتمام، وبالتحديد في 2 أغسطس 1990م غزت دولة العراق تحت رئاسة صدام حسين دولة الكويت في حدث لم يكن في حسبان العرب والمسلمين أو العالم كله. ما زلنا نعيش آلام ذلك الحدث وتبعاته وسنعيشها لسنوات طويلة مقبلة. أعادنا ذلك الغزو الهمجي إلى أيام الجاهلية الأولى، أيام كانت القبيلة تغزو قبيلة أخرى لأوهى الأسباب. أيام لم يكن هناك مواثيق وقوانين دولية وأمم ذات سيادة ومنظمات دولية تمنع القوي من أكل الضعيف. ها هو قائد عربي كان قد كسب شعبية كبيرة بسبب حرب عبثية أثارها مع جارته إيران وراح ضحيتها الملايين من أبناء البلدين يتحول إلى جارته الشقيقة الكويت فيخدعها بغزو مفاجئ ثم يعلن أن الكويت انتهت إلى الأبد وأصبحت محافظة عراقية. فوق ذلك يدعي ذلك الدكتاتور الأحمق البطولة بعنتريات كلامية عن قضية فلسطين بينما لم تمس جيوشه، على أرض الواقع، شعرة واحدة من العدو الإسرائيلي الذي ضرب المفاعل النووي العراقي. رفضت الأمم المتحدة هذا الغزو وطلبت الانسحاب الفوري من الكويت بدون شروط، ثم مددت الفرصة للانسحاب ــ طوعيا ــ حتى 15 يناير عام 1991م فاستمر الغزو لأكثر من ستة أشهر ذاقت خلالها الكويت أبشع الفظائع من قتل ونهب وسلب واغتصاب. الحكومة السعودية بقيادة الملك فهد ــ رحمه الله ــ تعاملت مع الحدث وفق قوانين الشرعية الدولية وميثاق الجامعة العربية ووقفت مع الكويت وقفة الأخوة الصادقة التي يقتضيها الواجب والعدالة فمهدت لتجمع أكثر من نصف مليون جندي من القوات الدولية على أرضها بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لتحرير الكويت. في تلك المحنة فقد كثير من العرب بوصلتهم في كيفية التعامل مع نكبة بهذا القدر، إلى درجة أن بعضهم تقبل بلطجة صدام وانخدع بعنترياته، والبعض الآخر احتج بمنطق غريب يمهد لتكريس الغزو ويثير الفتنة الداخلية وذلك برفض الشرعية الدولية بدعوى أنها استعمار لبلاد الحرمين الشريفين.
برز غازي القصيبي في هذه الظروف غاضبا يدافع عن حرية دول الخليج وعزتها ومصححا للفكر المعوج الذي يقف في طريق تحرير الكويت. كان صوت غازي من أجرأ وأعنف وأبلغ الأصوات التي ارتفعت معبرة عما يجيش في قلوب الكثيرين ليقول لصدام في قصائده ومقالاته التي نشرها تحت عنوان «في عين العاصفة»: أهكذا تخون الأخوة؟ هل المروءة هي أن تغمد سيفك في أضلع أشقائك الذين اعتبروك سيفهم ودرعهم؟ هل تمر الطريق إلى القدس عبر الكويت؟ ما أبشعك وأنت تغتال جارك العصفور الرقيق. أنت لم تعد فارس العرب بل مجرد لص قاتل وكذاب صفيق.
عاش الإخوة الكويتيون، وعشنا معهم، حالة صدمة نفسية عنيفة. هل من المعقول أن يفقدوا وطنهم في ساعات ويصبحوا مشردين أذلاء؟ هل ستنصفهم الشرعية الدولية أم تتخاذل إلى أن تضيع قضيتهم؟ كانوا في أمس الحاجة إلى من يقول إن ما حدث لهم ظلم عظيم لا يمكن أن يستمر أو يصبح حقيقة واقعة. كانوا بحاجة إلى من يعيد إليهم الأمل والثقة في النفس وفي عودة وطنهم وفي المبادئ الإنسانية والعدالة العالمية التي ترفض الظلم والقهر. وعلا صوت غازي قائلا:
أقسمت يا كويت برب هذا البيت
سترجعين من خنادق الظلام
لؤلؤة رائعة كروعة السلام
ليدخل العزاء والسكينة في قلوب ملؤها الحزن والقهر، وليمنحها الصبر والأمل.
في 17 يناير عام 1991م بدأت حرب تحرير الكويت وقصفت بغداد في عملية «عاصفة الصحراء». في المقابل قصف صدام الرياض والدمام بصواريخ سكود، وحرق آبار النفط الكويتية وسكب النفط في الخليج في أحد أكبر الكوارث البيئية التي عرفها العالم. ولكن هشاشة الجيش العراقي سرعان ما ظهرت، وفي 26 فبراير 1991م أعلن صدام انسحاب قواته وتم تحرير الكويت في اليوم التالي بواسطة قوات التحالف الدولي.
رجع الكويتيون إلى بلدهم المدمر غير مصدقين بما حدث. رجعوا وكأنهم يفيقون من كابوس مزعج ليتأكدوا أنه كان حقيقة مروعة. رجعوا مكسوري الخاطر يبحثون عن أبنائهم القتلى والمفقودين. كانوا في أمس الحاجة إلى من يدواي جراحهم. وكان غازي البلسم حين ذهب يواسيهم في أمسيات التعافي متغزلا في محبوبته الكويت:
أألام في حبيك أم أنا أعذر
وهواك ينهى في حشاي ويأمر
أألام في حبيك؟ أنت مليحة
شفتاك من لهب ووجهك أسمر
خلال العشرين عاما المنصرمة عاد الكويت بلدا حرا عزيزا وذهب صدام إلى المشنقة وإلى مزبلة التاريخ، بعد أن أدمى قلوب الكثيرين. كان بقاؤه مدعاة لحصار العراق وتجويع أطفاله ثم لتلفيق اتهامات أدت إلى غزو ذلك البلد المسكين وتفكيكه. وهكذا بات العراق الشقيق وما زال الضحية الثانية والأكبر لذلك الطاغية المتغطرس.
بالأمس ذهب غازي لملاقاة ربه ولكن وقفته مع الكويت ستظل من أروع محطات حياته فهي تحكي حكاية ابن بار وقف مع الخليج في أحلك ساعاته ليناضل الطغيان ويفحم الفكر المعوج ويداوي الجراح بكلمات وأشعار أقوى من المدفع وأصلب من الحديد وأشفى من البلسم.

عبدالله الصغير
08-25-2010, 10:42 AM
غازي القصيبي: مات الوزير.. عاش صوت التنوير!
العرب القطرية
gmt 1:50:00 2010 الأربعاء 25 أغسطس


سليمان الهتلان


تخيل لدقيقة لو أن الراحل غازي القصيبي مات وزيراً ولم يكن أديباً وكاتباً جدلياً، هل كان رحيله سيحظى بهذه الهالة من التكريم والحزن؟ في بلداننا العربية مات ويموت المئات من الوزراء وكبار المسؤولين، يذاع خبر موتهم ببيان مقتضب من الديوان الملكي أو من القصر الرئاسي، وبعد ثلاثة أيام من العزاء لا نعد نسمع عنهم شيئاً إلا ما ندر. أما غازي القصيبي وأمثاله القليلون في عالمنا العربي فهم قصة أخرى. موتهم هو حقاً فقد مؤلم. رحيلهم يعد فعلاً خسارة وطنية كبرى. غازي القصيبي لم يكن فقط وزيراً جريئاً، نتفق ونختلف مع كثير من قراراته، ولكنه أيضاً كان وزيراً استثنائياً لم يذكر عنه يوماً أنه تورط في قضية فساد أو احتكار أو مصالح خاصة. وغازي القصيبي لم يكن من أولئك الذين يعضون بالنواجذ على المنصب، يهادن ويجامل من أجل البقاء طويلاً على كرسي الوزارة، وإنما كان أصلاً صاحب رؤية وفكر وفلسفة وأهداف تنموية كبرى. كان بحق "الوزير المثقف" وقبل وبعد ذلك كان "الوزير الإنسان". ولذا ظل القصيبي الوزير السعودي الأبرز والأقرب إلى الناس على مدى عقود.
كثيرون هم أولئك الذين ربطتهم بغازي مواقف تنضح بالطيبة والإنسانية في وقت كان فيه "التعالي" و "الغرور" نقيصتين تلازمان بعض أصحاب المناصب العليا في المنطقة كلها.
غازي الوزير كان رمزاً في تواضعه مع الناس لأنه -في الأصل- كان الإنسان المثقف الذي أدرك مبكراً أن المناصب تأتي وتذهب، كما حدث معه، ولكن الثقافة هي التي تُبقي الإنسان حياً متّقداً شغوفاً بالمعرفة والعطاء. من منا، معشر الكتاب والمثقفين، خاصة في السعودية، لم يتأثر بشكل ما بغازي القصيبي كمُلهم للكتابة الجدلية أو كمحارب صلب ضد "جهابذة" الخطاب الصحوي في الثمانينيات وما بعدها؟ ومن منا لم تربطه بغازي حكاية؟
ما إن وضعت حرب تحرير الكويت أوزارها، عام1991، وقد حزمت أمري على السفر إلى أميركا للدراسة حتى خطرت ببالي فكرة! اتصلت بمكتب السفير غازي القصيبي في البحرين، وكان وقتها سفيرا للسعودية هناك، راغباً في لقائه، وجاء الموعد سريعاً. شرحت للدكتور غازي رغبتي في الدراسة في أميركا وكنت آمل منه في توصية لجامعة جنوب كاليفورنيا؛ حيث درس الدكتور غازي، لعلها تعجّل بحصولي على قبول للدراسة هناك. قرأت في نظرات الراحل تساؤلاً مؤدباً... فكيف له أن يكتب لي توصية وأنا لم أكن من طلابه في الجامعة ولم أعمل معه؟ وضعت أمامه ملفاً فيه عدد من مقالاتي وأعمالي الصحافية، بعضها من (رسالة الجامعة) أثناء الدراسة في جامعة الملك سعود، وأخرى من صحيفة "الرياض" حيث عملت بعد تخرجي من الجامعة. تصفح مواد الملف سريعاً وطلب مني أن أعود إليه ظهر اليوم التالي. وحينما عدت إليه سلمني نفس الملف وفيه توصية جاهزة بتوقيعه متمنياً لي التوفيق في مشروعي القادم. وحينما وصلت أميركا تغيرت الوجهة تماماً ولكنني ما زلت أحتفظ برسالة الدكتور غازي القصيبي بكل امتنان وتقدير.
وهنا الثانية: حينما استضفت الدكتور محمد القنيبط، عضو مجلس الشورى السعودي سابقاً، في برنامجي "حديث الخليج" على قناة الحرة، قبل ثلاث سنوات، انتقد القنيبط وزارة العمل بشدة مطالباً باستقالة الوزير غازي القصيبي بعد الفشل المتكرر لسياسات الوزارة. قامت القيامة في السعودية على إثر تلك المقابلة "النارية" فمن يجرؤ على نقد وزير، أي وزير، ناهيك عن المطالبة علناً باستقالة وزير بحجم غازي القصيبي. توالت ردود الفعل على جرأة القنيبط في نقد غازي القصيبي فخلط الناس بين غازي، أبي التنويريين في السعودية، وغازي الوزير، الذي يخطئ ويصيب في قراراته ومواقفه مثله مثل أي إنسان في الدنيا.
قال البعض إنني والقنيبط تحالفنا -من دون أن ندري- مع الأصوليين في نقد القصيبي والتقليل من شأنه. ووضع آخرون "قدسية" الوزارة على الوزير القصيبي في ظل ثقافة لم تعتد على نقد الوزراء والمطالبة بإقالتهم! وفي أجواء تلك "المعمعة"، يخبرني القنيبط بسلامه على الملك في مجلس الشورى بعد أيام قليلة من بث مقابلتنا وبمزاحه لاحقاً مع غازي القصيبي فيموت الكبار كبارا وتبقى سيرتهم وهجاً لأجيال مقبلة لعلها تسير على ذات الخطى أو أفضل!
كان غازي القصيبي مبهراً بقدرته الفائقة على الموازنة بين مسؤولية المثقف التنويري وبين التزامات العمل السياسي مثله في ذلك مثل الراحل قبله الدكتور أحمد الربعي في الكويت. القطيعة الحادة بين المثقف والسلطة لا تخدم الإصلاح أو التنمية المنشودة في بلداننا، خاصة هنا في دول الخليج. إنها مسؤولية مشتركة بين المثقف والسياسي في محيطنا أن تُبنى جسور التلاقي والثقة والعمل سوياً من أجل أهداف تنموية وطنية كبرى.
وفي تجربة القصيبي مثال ناصع لتلك العلاقة التي أساسها الاحترام المتبادل والعمل الدؤوب بين أهل الفكر وأهل السلطة. وفي تجربة القصيبي أيضاً نموذج رائع للمثقف الذي لا يحبس فكره ورؤاه في مساحة جغرافية ضيقة لا تتجاوز هموم محيطه القريب ولا تتعدى حدود بلاده. فغازي القصيبي، وقت احتلال الكويت، كان صوتاً خليجياً مدوياً ضد الظلم الذي وقع على الكويت وأهلها. وكتاباته الكثيرة عن البحرين وبلدان الخليج، ناهيك عن قضايا أمته الكبرى، خير شاهد على أنه ينتمي لجيل من المثقفين الكبار الذين يدركون جيداً أن "حدود الأمن الوطني" مرتبطة كثيراً بالأمن الإقليمي خاصة في ظل ظروف الخليج المتقاربة سياسياً وأمنياً.
وإلى آخر لحظة، ظل غازي القصيبي أحد منابع الإلهام المدهشة للإنتاج والعطاء. فموت غازي ربما كان عبرة بأهمية سباق الزمن من أجل نتاج فكري وأدبي يبقى رصيداً حياً لصاحبه حتى بعد موته.
حقاً، بموت الدكتور غازي القصيبي نخسر أحد أبرز رموز التنوير في
السعودية وفي الخليج في وقت تشتد فيه الحاجة لمزيد من أصوات التغيير وملهمي التجديد!

منسي
09-21-2010, 11:27 AM
غازي القصيبي .. ويبقى المثال!




د. عدنان بن عبد الله الشيحة
اختزال الحديث عن الراحل الدكتور غازي القصيبي فيما أتقنه من فنون الإدارة والأدب والسياسة, وما أنجزه من مشاريع, يفوت الفرصة في فهم الدرس الذي أرادنا أن نفهمه وعمل من أجله طوال حياته في العمل العام. لا تثريب على أولئك الذين وقفوا مبهورين بشخصيته الجذابة وحسه المرهف وقدرته على التعبير وحضوره الدائم وسرعة بديهته وقدرته على الإبداع. كتاباته، محاضراته، نقاشاته، أطروحاته, وأفكاره كانت تحرك المياه الراكدة وتستثير فينا التفكير حد الاستفزاز لأنها تأخذنا على حين غرة, تفقدنا توازننا لتخرجنا من منطقة المألوف وتقودنا للاستكشاف والتطلع للأفضل, والأهم إدراك أن هناك أكثر من طريقة لعمل الأشياء. أفكاره كانت مفزعة للكثيرين, خاصة أولئك الذين يغطون في سبات عميق, يغمضون أعينهم ظنا منهم أن ما لا يرونه غير موجود! لم يستطيعوا استيعاب ما يقول للوهلة الأولى, لأنهم يمقتون التغيير ويأنسون لمنطقة الراحة وإبقاء الأمور على ما هي عليه, إما لجهل وإما لخوف وإما لتفكير جماعي مسيطر وتشبث بنفوذ لمنفعة فئة بعينها على حساب المصلحة العامة.
لقد كان لديه قناعة بأن التغيير ضرورة حتمية لا مناص منها, وتقع في صلب عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية. أدرك أن الحقيقة الثابتة الوحيدة في العالم هي التغير، ولذا كان منهجه المبادرة في التغيير بدلا من الوقوف موقف المتفرج والاكتفاء بردود أفعال آنية عاطفية سرعان ما تثور ثم تخبو ومن ثم تقع الفأس بالرأس لتستغرقنا إدارة الأزمات، فما أن ننتهي من أزمة إلا وتبدأ أخرى! لقد كان مشروعه التغيير للأفضل بخطط وبرامج واقعية تنفع الناس, كل الناس دون استثناء، لأنه رأى بعقليته المستنيرة وحبه لوطنه أن مجتمعنا يمتلك الإمكانات والقدرات على تحقيق الأفضل. لم يكن ذلك حديثا من أحاديث المساء أو كلاما للاستهلاك الإعلامي، بل عمل تطبيقي ظل يجاهد من أجله طوال حياته العامة وفي كل موقع وعلى جميع الأصعدة. هذه المبادرات الشجاعة ظل يتحدانا فيها تارة ويدفعنا نحوها تارة أخرى، إنها نظرة شجاعة في أن تبتغي التغيير في ثقافة تحارب التغيير لترمي بجميع الأوصاف وتصنف من هذا الفريق أو ذاك. لم يلتفتوا إلى القول, بل إلى القائل ليكون همهم النفاذ إلى ما في قلبه وأن يبحثوا فيما لا يعلمه إلا الله بأحكام مسبقة ونقد معياره ما ألفوه من ظاهر السلوك وسمت الهيئة وأسلوب الحديث.
لم يدخل في شراك اللعبة السياسية من أجل الانتصار لتيار على حساب تيار, أو النقاش من أجل النقاش, لكن كان موضوعيا يرى أن الإصلاح يأتي من الداخل من داخل الذات وفي إطار الثوابت الوطنية ليكون مقنعا وواقعيا ومفيدا. لذا كان حريصا على الاتزان في الطرح حتى ظنه البعض تطرفا وانحيازا. هذه هي المعادلة التي أجادها, والسر وراء تألقة في أنه لا يسفه آراء الآخرين ولا يقلل من قدرهم, لكنه في الوقت ذاته لا ينجر إلى أسلوبهم العاطفي في التفكير الذي يقف سدا منيعا في التعلم والتعرف على ما يدور حولنا. في كل مرة يتناول قضية وطنية يقدم فيها البراهين والأدلة والأرقام, إنه حديث الحقائق الذي ينفر منه البعض ويرونه تقليلا من شأنهم لأنه لا يضع قدسية للمكانة ولا هيبة للوجاهة, إنما قول الحق. لقد ناقش وطرح قضايا اجتماعية كثيرة كانت تعد من المحظورات وحكرا على فئة اجتماعية معينة، فأحدث انقلابا في التفكير الجماعي ليتحول الناس إلى الاهتمام بالشأن العام ولتكون محور أحاديثهم ونقاشاتهم في مجالسهم. فمشاريعه وسياساته وإدارته وأشعاره وحكاياته كانت محل إعجاب الجميع, فقد كانت تعبر عن طموحاتهم وتجسد أحلامهم، وتقول ما لم يكونوا يستطيعون قوله أو التعبير عنه! أسلوبه في التغيير عملي تطبيقي مخطط، لتتداخل النظرية مع التطبيق بانسجام تام, فلا أفكار تشطح بعيدا عن الواقع ولا عمل عشوائي دون أهداف ونظرة مستقبلية. فمشروع ''سابك'' العملاق لم يكن مجرد صناعة بتروكيماويات يضعنا على خريطة المنافسة العالمية وحسب, إنما أسلوب جديد في التنمية الاقتصادية بالاعتماد على الصناعة التحويلية ويفتح آفاقا جديدة، وكأني بـ ''سابك'' تعكس تفكيره الإبداعي والتجديدي في تقديم ما لم يكن مألوفا! ليضعنا مرة أخرى أمام تحديات كبيرة تتجاوز نطاق تفكيرنا وما اعتدناه. ومن ثم يتحول إلى تطوير بيروقراطيات مثقلة بثقافة عمل القليل وإجراءات ورقية مطولة ظللنا أمدا طويلا نعاني تردي خدماتها ليحدث انقلابا إداريا, وقفنا جميعا مندهشين غير مصدقين والأسئلة تدور في أذهاننا كيف استطاع أن يفعل ذلك؟ وفي وقت قياسي! وما زالت هذه الأسئلة حاضرة حتى الآن!
غازي القصيبي ـــ رحمه الله ـــ كان مُعلما، نعم يا سادة! كان يريد أن يعلمنا طريقة جديدة في التفكير، كان يرسم خريطة الطريق التي توصلنا إلى مستويات أعلى من التحضر الاجتماعي والتقدم الصناعي. في كل عمل إداري أو أدبي كان يبعث بالرسالة ذاتها التي تقول بالإرادة والعزيمة نستطيع أن نتغير للأفضل. أراد أن يزرع فينا الواقعية والإحساس بالحياة وأن نكون مبادرين مستعدين لقيادة الأحداث والتأثير الإيجابي فيما حولنا. كان يودنا ألا نستكين وألا نهدأ مثلما كان. لقد علمنا أهم عنصر في النجاح أن تعطي بلا حدود وأن تعمل من أجل الناس. وكما كان يقول: اللهم اجعل طموحي في خدمة الناس ولا تجعل الناس في خدمة طموحي! يرحمك الله فقد أديت الأمانة وأسست لخلق الإدارة العامة، اللهم ارحمه وأسكنه فسيح جنانك أمين.